إنكاره لذاته ولعواطفه في الأحكام:
يصعب على الكثير من الناس أن يتخلصوا من عواطفهم النسبية أو ارتباطاتهم الاجتماعية حين تقديم وتأخير الأفراد. فترى قسما من هؤلاء يعينون أبناءهم أو أصهارهم أو تلاميذهم الخاصين في مختلف الوظائف والمهمات، ولا يلتفتون إلى غيرهم، ممن يكون ربما أكثر كفاءة!
وقد يذكرون في ذلك تبريرات مختلفة مثل أنهم يعرفون هؤلاء (الأقارب والأصهار والأصحاب) معرفة أفضل أو أنهم يريدون أن يستمر الخط الكذائي في الأمة بواسطتهم، وما شابه!
في حياة الشيخ الجواهري وجدنا خلاف ذلك تماما، فإنهم ينقلون أن الشيخ الجواهري لما حضرته الوفاة وكانوا ينتظرون أن يشير إلى من يرشحه للتدريس والزعامة الدينية ممن يرى فيه الكفاءة والقدرة، وكانوا يتوقعون أن يعين من تلامذته المقربين أو من أسرته! بل كانوا يتوقعون كل أحد إلا الشيخ مرتضى الأنصاري! نظرا لأن الشيخ محسوب على تلامذة منافسه الأكبر الشيخ موسى كاشف الغطاء، ولم يكن الأنصاري يحضر مجلس درس الشيخ صاحب الجواهر إلا قليلا وفي الفترات الأخيرة على سبيل التيمن والتبرك. ولم يكن محسوبا من (جماعته) أبدا.
الأمر الذي فاجأ الحاضرين عندما سأل صاحب الجواهر عنه، وطلب منهم أن يبحثوا عن (ملا مرتضى) حتى عثروا عليه وهو في حرم أمير المؤمنين علي عليه السلام يدعو الله لشفاء الشيخ الجواهري!
وعندما حضر إلى بيت الشيخ الجواهري، نصحه بأن يخفف من احتياطاته على الناس وأن يتصدى للإفتاء والمرجعية ولكرسي التدريس!
الأستاذ الأعظم وسلمان زمانه
الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري
1214 - 1281هـ
بالرغم من أن تأثير الوراثة ليس حتميا في الملكات الأخلاقية والصفات النفسية، إلا أن لها بلا ريب نصيبا مهما اختلفنا في مقداره في نفس الولد والحفيد. وربما لهذا السبب كان تأكيد التوجيهات الإسلامية على الاقتران بذوي البيوتات الصالحة[1]، وإذا كان تأثير الوراثة في البناء الجسمي والشكل الخارجي واضحا لا ينكر، فإن مقدارا من التأثير في الجهات النفسية لا ينبغي أن يكون مستبعدا حتى وإن تقادمت الفترة الزمنية.
من هذا المنطلق يركز مترجمو الشيخ مرتضى الأنصاري على انتسابه إلى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري[2].
[1]في عهد أمير المؤنين لمالك الأشتر كما في نهج البلاغة 3. 91 (ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة. ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف(.
[2]نص على انتسابه إليه المحدث النوري في خاتمة المستدرك 2. 43 فقال: الشيخ مرتضى بن المرحوم السعيد المولى محمد أمين الأنصاري لانتهاء نسبه الشريف إلى جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، من خواص أصحاب رسول الله وأمير المؤمنين والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، صلوات الله عليهم. ومن آثار إخلاص إيمانه وعلائم صدق ولائه، أن تفضل الله تعالى عليه وأخرج من صلبه من نصر الملة والدين بالعلم والتحقيق والدقة، والزهد والورع والعبادة والكياسة، بما لم يبلغه من تقدم عليه، ولا يحوم حوله من تأخر عنه..الى آخر كلامه.
وأما جابر بن عبد الله الأنصاري ( توفي بعد سنة 73 هـ(: فقد ذكر في كتب الرجال بأعلى درجات التوثيق والثناء، ووصف بأفضل أوصاف الولاء لأهل البيت عليهم السلام حتى لقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال له: أنت منا. وفي مستدركات علم رجال الحديث 2/99، قال الشيخ علي النمازي الشاهرودي:
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أو حزام أو خزام الأنصاري الخزرجي: من أصحاب رسول الله وأمير المؤمنين والحسن والحسين والسجاد والباقر صلوات الله عليهم، ومن شرطة خميس أمير المؤمنين عليه السلام. شهد بدرا وثمانية عشر غزوة مع رسول الله، وكان مع مولانا أمير المؤمنين في قتال البصرة وحرب صفين. وهو من النقباء الاثني عشر.
وإذا كان هذا التأثير في نظر البعض بعيدا، فإنه لا ينبغي أن يتم استبعاد تأثير حالات الوالدة أثناء الحمل والرضاعة والحضانة في نفس الطفل. وهنا ينقل عن والدة الشيخ الأنصاري قولها أنها لم ترضعه خلال فترة رضاعته إلا وهي على طهارة[1].
إن الطفل الذي يسمع وهو يسمع ويلتقط من بداية تكونه الانساني في بطن أمه قراءة القرآن والدعاء والمناجاة، ويتخلق منسجما مع هذه الأجواء لا ريب أنه سيأتي على مراحل من الكمال لم تتهيأ لغيره. ونحن نعلم أن الكون على طهارة يكسب القلب إشراقا والنفس سكينة، على الأقل لشعور هذا الإنسان أنه في عبادة وطاعة. ولا شك أن إرضاع الطفل والأم على هذه الحالة سيكون مؤثرا للغاية في نفسه.
هذا على العكس من ذلك الطفل الذي لا يسمع وهو في بطن أمه أو في حضنها غير الصراخ والسباب والشتائم أو الموسيقى الصاخبة والأغاني المزعجة.
فأثر الوراثة، ثم التربية التي يتعرض لها الطفل، والبيئة التي يعيش فيها أثر غير منكور[2].
ولا نريد أن نقول أن ذلك قانون رياضي لا يتخلف، طردا وعكسا، وإنما نتحدث عن قانون اجتماعي غالبي، وهذا مثل قاعدة {الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[1]خصوصا في الحالات التي لا يجتمع فيها الحيض مع الحمل كما هو الأكثر الذي يكاد يكون هو القاعدة عند النساء وانقطاعه فترة الرضاعة. ويمكن تصور مقدار صعوبة هذا الأمر على الأم خصوصا في ليالي الشتاء الباردة وفي تلك الظروف الخاصة التي لم تكن تتوفر فيها وسائل التدفئة والتسخين بالنحو الموجود في هذا الزمان.
[2]للتفصيل في هذا المبحث يراجع كتاب الطفل بين الوراثة والتربية لآية الله الشيخ الفلسفي ج 1. 197.
وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِداً}[1]، لكن ذلك لا يمنع أنه أحيانا{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ}[2].
المهم أن (مرتضى) الصغير قد تربى في هذه البيئة الطيبة، وسلك طريقه في التعلم والدرس في منطقة شوشتر[3].
وقد نقلوا أنه تعلم على يد أبيه الشيخ محمد أمين، وعمه الشيخ حسين وعلى يد معلمين آخرين في المقدمات التي تدرس في الحوزات العلمية عادة، وكان ذكيا بما لا يخفى على محاوريه، وفي نفس الوقت كان متتبعا، وقد ظهر هذا للسيد محمد المجاهد رحمة الله عندما حضر الشيخ مرتضى مع والده في زيارة لهما إلى كربلاء المقدسة، وجلسا في درس السيد المجاهد[4]وكان في الفقه، والمسألة في بحث صلاة الجمعة وهل أنها واجبة في زمن غيبة الامام المعصوم أو ليست كذلك[5].
[1]سورة الأعراف: من الآية 58.
[2]سورة الأنعام: من الآية 95.
[3]شوشتر ومعربها: تستر، في جنوب إيران. وقد ينسب أيضا إلى دزفول.
[4]السيد محمد المجاهد ابن السيد علي الطباطبائي العاملي ولد في كربلاء 1180هـ ودرس على يد أبيه صاحب الرياض وعلى والد زوجته السيد مهدي بحر العلوم، صارت له الزعامة الدينية في كربلاء بعد وفاة أبيه، ولقب بالمجاهد لأنه أصر على الشاه القاجاري فتح علي أن يعلن الجهاد ردا على اقتطاع الدولة الروسية لأطراف إيران، وقام هو بنفسه من كربلاء ذاهبا مع طلابه للقتال، ولم يفلح هذا النهوض مع فساد البلاط القاجاري وضعف الجيش الإيراني تسليحا وتدريبا في استرداد ما أخذ من الدولة الايرانية. وعاد السيد المجاهد من ذلك المشوار ليموت كمدا وغيظا في الطريق، وينقل جثمانه إلى كربلاء.له الكثير من الكتب منها مناهل الأحكام في الفقه. عن أعيان الشيعة 9/443.
[5]صلاة الجمعة وهي ركعتان ظهر يوم الجمعة قبلها خطبتان، كانت محل نقاش بين علماء الإمامية على ثلاثة أقوال أساسية: فهناك قول بعدم مشروعيتها في هذا الزمان زمان غيبة الامام المعصوم نظرا لأن أحد شروطها في رأي هؤلاء وجود الامام، وإقامته إياها أو من ينصب من قبله.واستدل هؤلاء على رأيهم بما جاء عن الأئمة عليهم السلام، ومنه ما في الصحيفة السجادية، اللهم إن هذا المقام مقام خلفائك وأصفيائك. إلى آخر ما جاء في الصحيفة.
والقول الآخر: بوجوبها عينا على كل مؤمن، فلا يجب على المؤمن يوم الجمعة إلا صلاة الجمعة فلا يصح أن يصلي الظهر، وقد استدل هؤلاء تارة بآية (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا / البيع، وبما جاء من الروايات عن الأئمة عليهم السلام في تعداد الصلوات حيث عدوا صلاة الجمعة فريضة في يوم الجمعة.
والقول الثالث: وهو مشهور المعاصرين بالوجوب التخييري بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر في يوم الجمعة، مع أفضلية الجمعة إذا أقيمت. بعد استبعاد الوجوب التعييني فإنه لو كان لبان وظهر، وعدم نهوض أدلة اشتراط وجود المعصوم لإقامتها.
وقد ناقش الشيخ مرتضى في هذه المسألة السيدَ المجاهد بنحوٍ أقنع السيد المجاهد بقدراته العلمية من حيث العمق واسلوب العرض. الأمر الذي جعله يقترح على والد الشيخ مرتضى أن يبقيه في كربلاء التي كانت حينئذ تحظى بحركة علمية جيدة بفضل وجود السيد المجاهد والشيخ شريف العلماء المازندراني[1]. وبالفعل بقي في كربلاء أربع سنوات استفاد فيها من دروس الأستاذين المذكورين، إلى حصل الهجوم على كربلاء من قبل الاتراك أيام داود باشا، فترك كربلاء راحلا إلى الكاظمية ومنها إلى وطنه في دزفول ليبقى سنتين هناك، ويعود من جديد إلى النجف.
النجف في هذه الفترة كانت تزخر بعدد جم من الفقهاء الكبار، منهم الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الذي حضر لديه الشيخ مرتضى الأنصاري خمس سنوات فيما قيل[2]، ومنهم الشيخ محمد حسن النجفي صاحب جواهر الكلام، وبعدها غادر النجف لزيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام في خراسان، فمر في طريقه على كاشان والتقى بالمحقق النراقي[3](صاحب مناهج الأصول)، وقد وجد فيه عالما زاخرا بالمعرفة والتدقيق، فأقام في كاشان ثلاث سنين، يمارس فيها التأليف والتدريس، والمباحثة مع المحقق النراقي، الذي وجد بدوره شخصا بمستوى الشيخ مرتضى ينضج مباحثه، ويثير الملاحظات ليستخرج خبايا الأفكار.
[1]محمد شريف بن محمد حسن المازندراني المعروف بشريف العلماء، من أعاظم العلماء في عصره. توفى سنة 1246، ودفن في كربلاء، وكان المدرس الأول فيها وقد كتب قسم من طلابه تقريرات درسه كما يلاحظ في الذريعة.
[2]كلانتر؛ السيد محمد. مقدمة كتاب المكاسب (المُحشى)، دار الكتاب قم.
[3]أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي ت 1244هـ من تلامذة الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني والشيخ مهدي الفتوني، وقبلهم درس على يد أبيه الملا مهدي، كان جامعا لفنون العلم من الفقه والأصول والفلسفة والفلك والهندسة والحساب، وبعد أن أنهى دراسته في النجف وكربلاء استقر في كاشان، وله من الكتب: معراج السعادة في الأخلاق، وعوائد الأيام في قواعد الفقه، والمستند في الفقه الاستدلالي. وغيرها.
حتى لقد نقل عن المحقق النراقي قوله: أني لقيت خمسين مجتهدا فلم أر بينهم مثل الشيخ مرتضى!
وواصل مشواره إلى مشهد الرضا عليه السلام ليعود بعدها إلى وطنه دزفول سنة 1244هـ، بعد حوالي عشر سنوات من التطواف والبحث عن العلم والمعرفة، ويبقى فيها خمس سنوات، وعندما أراد الخروج من جديد إلى النجف الأشرف رغبت إليه والدته أن يبقى في دزفول يرشد الناس ويبلغ الأحكام، ومن الطبيعي أن كل والدة تحب أن ترى نتاج غرسها وثمر زرعها بين يديها تتفيأ ظلاله وتنعم بخيره، إلا أن الشيخ مرتضى كانت غايته أسمى وهمته أعلى، وكان ينتظره حظ من المجد العلمي، وجيل من التأسيس الفقهي لما يصل إليه بعد، وكان الموعد في النجف الأشرف، فلم يقبل بالبقاء وحينئذ كانت الاستخارة[1]حلاّ، قالوا: إنه استخار على الذهاب فجاءت الآية ناطقة:{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[2].
وعاد الشيخ مرتضى إلى النجف الأشرف مرقد باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، ليستقل بالتدريس فيها، ويبدأ منهجيته في الأصول التي شكلت مرحلة متقدمة من البحث العلمي التخصصي في هذا الجانب، ومن خلالها صنع أفقا جديدا للعلماء والأصوليين الذين درسوا على يده والذين جاؤوا من بعده بحيث يعد البعض هذه المرحلة هي آخر مراحل تطور الفكر الأصولي في المدرسة الإمامية، (أو المرحلة ما قبل الأخيرة).
[1]الاستخارة: عمل يقوم به الانسان بعد استنفاذ رأيه ومشورة أهل الرأي وعدم وصوله إلى نتيجة مطمئنة، فلكي لا يبقى متحيرا شرعت له الاستخارة بطرقها المختلفة، ومنها بالقرآن، حيث يتوضأ ويقرأ أذكارا ويفتح القرآن الكريم ويرى الصفحة التي فتحها على الجانب الأيمن في أول سطر وينظر ما هو توجهها فإن كان فيه عذاب أو ذم أو لوم أو نهي ترك العمل بما استخار عليه وإن كان بخلاف ذلك من نعيم أو صفات الله الحسنى أو امر عمل به. وقد جرت سيرة العلماء والمؤمنين على الاستخارة في أمورهم مع تحيرهم فيها وعدم وصولهم إلى نتيجة.
وهي تختلف عن التفأل، وهو أن يفتح القرآن لكي يرى أنه هل العمل الفلاني سيسير على ما يحب أو لا؟ أو هل سيفلح في المشروع الكذائي؟ والتقأل بهذا المعنى منهي عنه في روايات أهل البيت، بخلاف الاستخارة التي هي مطلوبة.
[2]سورة القصص: من الآية 7 وبعض مترجمي الشيخ الأنصاري ذكر أن الاستخارة كانت في الرحلة الأولى.
ومع وفاة الأستاذين الشهيرين في النجف الشيخ موسى كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، اجتمعت الحوزة العلمية وطلابها على درس الشيخ مرتضى الأنصاري، باعتباره الأعلم بالاضافة إلى سائر صفاته العملية كزهده وتعففه.
ويظهر من بعض القصص أنه كان يراعي حال متوسط الطلاب والمحصلين في الدرس العام فلا يلقي ما يعسر فهمه أو يستعصي على الأكثر، ويخص بعض النابهين والمتقدمين بمزيد من الاهتمام، والرعاية الاستثنائية، كما نقلوا في تعامله مع الميرزا محمد حسن الشيرازي (الكبير) صاحب ثورة التنباك.
فقد ذكروا أن الميرزا الشيرازي لما ورد إلى النجف وكان مجتهدا محققا حينها، ورأى مستوى الدروس فيها عزم على عدم الاستقرار، فزاره الشيخ مرتضى في محل إقامته وتطارحا مسألة فاختار فيها الميرزا رأيا واستدل عليه فأورد الشيخ مرتضى عليه إشكالات جعلت هذا الرأي يبدو سقيما، فنزل إليه الميرزا، وبعد برهة عاد الشيخ مرتضى فقوى ذلك الرأي بأدلة أخرى، ثم نقضه وهكذا. فتعجب الميرزا الشيرازي من ذلك، وسأله عن أنه لماذا لا يبحث في الدرس بهذا النحو، فأشار إليه بأنه يلاحظ حال المتوسط من حضار الدرس[1].
وقد كان يعتني الشيخ الأنصاري بآراء وإشكالات الميرزا الشيرازي، فكما قال بعضهم أن الشيخ كان إذا سأل أو اعترض الميرزا وكان هادئ الصوت ينادي في الطلاب: انتبهوا فإن جناب الميرزا يتكلم.
بقي الشيخ الأنصاري يدرس ويعلم في النجف مدة من الزمان تصل إلى ما يقارب ثلاثة عقود ربّى خلالها المئات من أعاظم مجتهدي الإمامية، كان منهم الميرزا محمد حسن الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي، والميرزا محمد حسين
[1]نقل ذلك في مجلس الدرس آية الله العظمى الوحيد الخراساني.
النوري والميرزا محمد تقي الشيرازي والآغا رضا الهمداني والآخوند الملا كاظم الخراساني، وغيرهم.
وكان من نتائج هذه الفترة عدد من الكتب العلمية العالية، في الفقه والأصول، سنعرض إليها فيما ياتي.
سلمان زمانه في النجف:
لم يكن الشيخ الأنصاري بحر علم زاخرا فحسب، وإن كان هذا عزيز المنال، وصعب التناول وإنما كان آية في الزهد والتعفف، يذكّر بصفات الماضين من الأولياء الصالحين، فقد كانت الدنيا تُعرَض عليه صباحا وعشية، وهو يُعرض عنها، وما نقل من قصصه وأموره يكاد يلامس عتبة العجب المعجز!
فقد ذكر مترجموه رضوان الله عليه، أنه بقي على حاله وفي منزله الذي سكن فيه، حتى بعد أن جاءت إليه المرجعية وأجمع العام والخاص على تقليده وتفويض الزعامة إليه، فجاء إليه أحد التجار الايرانيين من مقلديه، وقال له: إن لدي مالا شخصيا اكتسبته من الحلال وليس متعلقا للحقوق الشرعية، وقد أحببت أن أهديه لك حتى تهيئ لك منزلا لائقا ومريحا، فأجابه الشيخ بأن منزله يكفيه، وأنه لا يحتاج إلى غيره، فأعاد التاجر عليه القول بأن شخصية الشيخ هي من شخصية المذهب وينبغي أن يكون في مكان لائق، وهذا المنزل الذي يسكنه لا يؤدي هذا الغرض، وما زال مصرا عليه وملحّاً حتى قبل الشيخ ذلك المال.
وبعد مرور سنة أو أكثر جاء هذا التاجر لزيارة مشهد أمير المؤمنين عليه السلام في النجف مرة أخرى وبعد انتهاء الزيارة كان لا بد أن يزور مرجع تقليده الشيخ الأنصاري، وفي ذهنه أنه لا بد أن الشيخ قد تحول إلى مكان آخر وبيت أفضل وأكثر رفاهية، فسأل عن منزل الشيخ فأرشدوه إلى البيت القديم السابق، ورأى الشيخ هناك.