وإذا كان هذا التأثير في نظر البعض بعيدا، فإنه لا ينبغي أن يتم استبعاد تأثير حالات الوالدة أثناء الحمل والرضاعة والحضانة في نفس الطفل. وهنا ينقل عن والدة الشيخ الأنصاري قولها أنها لم ترضعه خلال فترة رضاعته إلا وهي على طهارة[1].
إن الطفل الذي يسمع وهو يسمع ويلتقط من بداية تكونه الانساني في بطن أمه قراءة القرآن والدعاء والمناجاة، ويتخلق منسجما مع هذه الأجواء لا ريب أنه سيأتي على مراحل من الكمال لم تتهيأ لغيره. ونحن نعلم أن الكون على طهارة يكسب القلب إشراقا والنفس سكينة، على الأقل لشعور هذا الإنسان أنه في عبادة وطاعة. ولا شك أن إرضاع الطفل والأم على هذه الحالة سيكون مؤثرا للغاية في نفسه.
هذا على العكس من ذلك الطفل الذي لا يسمع وهو في بطن أمه أو في حضنها غير الصراخ والسباب والشتائم أو الموسيقى الصاخبة والأغاني المزعجة.
فأثر الوراثة، ثم التربية التي يتعرض لها الطفل، والبيئة التي يعيش فيها أثر غير منكور[2].
ولا نريد أن نقول أن ذلك قانون رياضي لا يتخلف، طردا وعكسا، وإنما نتحدث عن قانون اجتماعي غالبي، وهذا مثل قاعدة {الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
[1]خصوصا في الحالات التي لا يجتمع فيها الحيض مع الحمل كما هو الأكثر الذي يكاد يكون هو القاعدة عند النساء وانقطاعه فترة الرضاعة. ويمكن تصور مقدار صعوبة هذا الأمر على الأم خصوصا في ليالي الشتاء الباردة وفي تلك الظروف الخاصة التي لم تكن تتوفر فيها وسائل التدفئة والتسخين بالنحو الموجود في هذا الزمان.
[2]للتفصيل في هذا المبحث يراجع كتاب الطفل بين الوراثة والتربية لآية الله الشيخ الفلسفي ج 1. 197.
وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِداً}[1]، لكن ذلك لا يمنع أنه أحيانا{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ}[2].
المهم أن (مرتضى) الصغير قد تربى في هذه البيئة الطيبة، وسلك طريقه في التعلم والدرس في منطقة شوشتر[3].
وقد نقلوا أنه تعلم على يد أبيه الشيخ محمد أمين، وعمه الشيخ حسين وعلى يد معلمين آخرين في المقدمات التي تدرس في الحوزات العلمية عادة، وكان ذكيا بما لا يخفى على محاوريه، وفي نفس الوقت كان متتبعا، وقد ظهر هذا للسيد محمد المجاهد رحمة الله عندما حضر الشيخ مرتضى مع والده في زيارة لهما إلى كربلاء المقدسة، وجلسا في درس السيد المجاهد[4]وكان في الفقه، والمسألة في بحث صلاة الجمعة وهل أنها واجبة في زمن غيبة الامام المعصوم أو ليست كذلك[5].
[1]سورة الأعراف: من الآية 58.
[2]سورة الأنعام: من الآية 95.
[3]شوشتر ومعربها: تستر، في جنوب إيران. وقد ينسب أيضا إلى دزفول.
[4]السيد محمد المجاهد ابن السيد علي الطباطبائي العاملي ولد في كربلاء 1180هـ ودرس على يد أبيه صاحب الرياض وعلى والد زوجته السيد مهدي بحر العلوم، صارت له الزعامة الدينية في كربلاء بعد وفاة أبيه، ولقب بالمجاهد لأنه أصر على الشاه القاجاري فتح علي أن يعلن الجهاد ردا على اقتطاع الدولة الروسية لأطراف إيران، وقام هو بنفسه من كربلاء ذاهبا مع طلابه للقتال، ولم يفلح هذا النهوض مع فساد البلاط القاجاري وضعف الجيش الإيراني تسليحا وتدريبا في استرداد ما أخذ من الدولة الايرانية. وعاد السيد المجاهد من ذلك المشوار ليموت كمدا وغيظا في الطريق، وينقل جثمانه إلى كربلاء.له الكثير من الكتب منها مناهل الأحكام في الفقه. عن أعيان الشيعة 9/443.
[5]صلاة الجمعة وهي ركعتان ظهر يوم الجمعة قبلها خطبتان، كانت محل نقاش بين علماء الإمامية على ثلاثة أقوال أساسية: فهناك قول بعدم مشروعيتها في هذا الزمان زمان غيبة الامام المعصوم نظرا لأن أحد شروطها في رأي هؤلاء وجود الامام، وإقامته إياها أو من ينصب من قبله.واستدل هؤلاء على رأيهم بما جاء عن الأئمة عليهم السلام، ومنه ما في الصحيفة السجادية، اللهم إن هذا المقام مقام خلفائك وأصفيائك. إلى آخر ما جاء في الصحيفة.
والقول الآخر: بوجوبها عينا على كل مؤمن، فلا يجب على المؤمن يوم الجمعة إلا صلاة الجمعة فلا يصح أن يصلي الظهر، وقد استدل هؤلاء تارة بآية (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا / البيع، وبما جاء من الروايات عن الأئمة عليهم السلام في تعداد الصلوات حيث عدوا صلاة الجمعة فريضة في يوم الجمعة.
والقول الثالث: وهو مشهور المعاصرين بالوجوب التخييري بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر في يوم الجمعة، مع أفضلية الجمعة إذا أقيمت. بعد استبعاد الوجوب التعييني فإنه لو كان لبان وظهر، وعدم نهوض أدلة اشتراط وجود المعصوم لإقامتها.
وقد ناقش الشيخ مرتضى في هذه المسألة السيدَ المجاهد بنحوٍ أقنع السيد المجاهد بقدراته العلمية من حيث العمق واسلوب العرض. الأمر الذي جعله يقترح على والد الشيخ مرتضى أن يبقيه في كربلاء التي كانت حينئذ تحظى بحركة علمية جيدة بفضل وجود السيد المجاهد والشيخ شريف العلماء المازندراني[1]. وبالفعل بقي في كربلاء أربع سنوات استفاد فيها من دروس الأستاذين المذكورين، إلى حصل الهجوم على كربلاء من قبل الاتراك أيام داود باشا، فترك كربلاء راحلا إلى الكاظمية ومنها إلى وطنه في دزفول ليبقى سنتين هناك، ويعود من جديد إلى النجف.
النجف في هذه الفترة كانت تزخر بعدد جم من الفقهاء الكبار، منهم الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الذي حضر لديه الشيخ مرتضى الأنصاري خمس سنوات فيما قيل[2]، ومنهم الشيخ محمد حسن النجفي صاحب جواهر الكلام، وبعدها غادر النجف لزيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام في خراسان، فمر في طريقه على كاشان والتقى بالمحقق النراقي[3](صاحب مناهج الأصول)، وقد وجد فيه عالما زاخرا بالمعرفة والتدقيق، فأقام في كاشان ثلاث سنين، يمارس فيها التأليف والتدريس، والمباحثة مع المحقق النراقي، الذي وجد بدوره شخصا بمستوى الشيخ مرتضى ينضج مباحثه، ويثير الملاحظات ليستخرج خبايا الأفكار.
[1]محمد شريف بن محمد حسن المازندراني المعروف بشريف العلماء، من أعاظم العلماء في عصره. توفى سنة 1246، ودفن في كربلاء، وكان المدرس الأول فيها وقد كتب قسم من طلابه تقريرات درسه كما يلاحظ في الذريعة.
[2]كلانتر؛ السيد محمد. مقدمة كتاب المكاسب (المُحشى)، دار الكتاب قم.
[3]أحمد بن مهدي بن أبي ذر النراقي ت 1244هـ من تلامذة الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني والشيخ مهدي الفتوني، وقبلهم درس على يد أبيه الملا مهدي، كان جامعا لفنون العلم من الفقه والأصول والفلسفة والفلك والهندسة والحساب، وبعد أن أنهى دراسته في النجف وكربلاء استقر في كاشان، وله من الكتب: معراج السعادة في الأخلاق، وعوائد الأيام في قواعد الفقه، والمستند في الفقه الاستدلالي. وغيرها.
حتى لقد نقل عن المحقق النراقي قوله: أني لقيت خمسين مجتهدا فلم أر بينهم مثل الشيخ مرتضى!
وواصل مشواره إلى مشهد الرضا عليه السلام ليعود بعدها إلى وطنه دزفول سنة 1244هـ، بعد حوالي عشر سنوات من التطواف والبحث عن العلم والمعرفة، ويبقى فيها خمس سنوات، وعندما أراد الخروج من جديد إلى النجف الأشرف رغبت إليه والدته أن يبقى في دزفول يرشد الناس ويبلغ الأحكام، ومن الطبيعي أن كل والدة تحب أن ترى نتاج غرسها وثمر زرعها بين يديها تتفيأ ظلاله وتنعم بخيره، إلا أن الشيخ مرتضى كانت غايته أسمى وهمته أعلى، وكان ينتظره حظ من المجد العلمي، وجيل من التأسيس الفقهي لما يصل إليه بعد، وكان الموعد في النجف الأشرف، فلم يقبل بالبقاء وحينئذ كانت الاستخارة[1]حلاّ، قالوا: إنه استخار على الذهاب فجاءت الآية ناطقة:{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[2].
وعاد الشيخ مرتضى إلى النجف الأشرف مرقد باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، ليستقل بالتدريس فيها، ويبدأ منهجيته في الأصول التي شكلت مرحلة متقدمة من البحث العلمي التخصصي في هذا الجانب، ومن خلالها صنع أفقا جديدا للعلماء والأصوليين الذين درسوا على يده والذين جاؤوا من بعده بحيث يعد البعض هذه المرحلة هي آخر مراحل تطور الفكر الأصولي في المدرسة الإمامية، (أو المرحلة ما قبل الأخيرة).
[1]الاستخارة: عمل يقوم به الانسان بعد استنفاذ رأيه ومشورة أهل الرأي وعدم وصوله إلى نتيجة مطمئنة، فلكي لا يبقى متحيرا شرعت له الاستخارة بطرقها المختلفة، ومنها بالقرآن، حيث يتوضأ ويقرأ أذكارا ويفتح القرآن الكريم ويرى الصفحة التي فتحها على الجانب الأيمن في أول سطر وينظر ما هو توجهها فإن كان فيه عذاب أو ذم أو لوم أو نهي ترك العمل بما استخار عليه وإن كان بخلاف ذلك من نعيم أو صفات الله الحسنى أو امر عمل به. وقد جرت سيرة العلماء والمؤمنين على الاستخارة في أمورهم مع تحيرهم فيها وعدم وصولهم إلى نتيجة.
وهي تختلف عن التفأل، وهو أن يفتح القرآن لكي يرى أنه هل العمل الفلاني سيسير على ما يحب أو لا؟ أو هل سيفلح في المشروع الكذائي؟ والتقأل بهذا المعنى منهي عنه في روايات أهل البيت، بخلاف الاستخارة التي هي مطلوبة.
[2]سورة القصص: من الآية 7 وبعض مترجمي الشيخ الأنصاري ذكر أن الاستخارة كانت في الرحلة الأولى.
ومع وفاة الأستاذين الشهيرين في النجف الشيخ موسى كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، اجتمعت الحوزة العلمية وطلابها على درس الشيخ مرتضى الأنصاري، باعتباره الأعلم بالاضافة إلى سائر صفاته العملية كزهده وتعففه.
ويظهر من بعض القصص أنه كان يراعي حال متوسط الطلاب والمحصلين في الدرس العام فلا يلقي ما يعسر فهمه أو يستعصي على الأكثر، ويخص بعض النابهين والمتقدمين بمزيد من الاهتمام، والرعاية الاستثنائية، كما نقلوا في تعامله مع الميرزا محمد حسن الشيرازي (الكبير) صاحب ثورة التنباك.
فقد ذكروا أن الميرزا الشيرازي لما ورد إلى النجف وكان مجتهدا محققا حينها، ورأى مستوى الدروس فيها عزم على عدم الاستقرار، فزاره الشيخ مرتضى في محل إقامته وتطارحا مسألة فاختار فيها الميرزا رأيا واستدل عليه فأورد الشيخ مرتضى عليه إشكالات جعلت هذا الرأي يبدو سقيما، فنزل إليه الميرزا، وبعد برهة عاد الشيخ مرتضى فقوى ذلك الرأي بأدلة أخرى، ثم نقضه وهكذا. فتعجب الميرزا الشيرازي من ذلك، وسأله عن أنه لماذا لا يبحث في الدرس بهذا النحو، فأشار إليه بأنه يلاحظ حال المتوسط من حضار الدرس[1].
وقد كان يعتني الشيخ الأنصاري بآراء وإشكالات الميرزا الشيرازي، فكما قال بعضهم أن الشيخ كان إذا سأل أو اعترض الميرزا وكان هادئ الصوت ينادي في الطلاب: انتبهوا فإن جناب الميرزا يتكلم.
بقي الشيخ الأنصاري يدرس ويعلم في النجف مدة من الزمان تصل إلى ما يقارب ثلاثة عقود ربّى خلالها المئات من أعاظم مجتهدي الإمامية، كان منهم الميرزا محمد حسن الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي، والميرزا محمد حسين
[1]نقل ذلك في مجلس الدرس آية الله العظمى الوحيد الخراساني.
النوري والميرزا محمد تقي الشيرازي والآغا رضا الهمداني والآخوند الملا كاظم الخراساني، وغيرهم.
وكان من نتائج هذه الفترة عدد من الكتب العلمية العالية، في الفقه والأصول، سنعرض إليها فيما ياتي.
سلمان زمانه في النجف:
لم يكن الشيخ الأنصاري بحر علم زاخرا فحسب، وإن كان هذا عزيز المنال، وصعب التناول وإنما كان آية في الزهد والتعفف، يذكّر بصفات الماضين من الأولياء الصالحين، فقد كانت الدنيا تُعرَض عليه صباحا وعشية، وهو يُعرض عنها، وما نقل من قصصه وأموره يكاد يلامس عتبة العجب المعجز!
فقد ذكر مترجموه رضوان الله عليه، أنه بقي على حاله وفي منزله الذي سكن فيه، حتى بعد أن جاءت إليه المرجعية وأجمع العام والخاص على تقليده وتفويض الزعامة إليه، فجاء إليه أحد التجار الايرانيين من مقلديه، وقال له: إن لدي مالا شخصيا اكتسبته من الحلال وليس متعلقا للحقوق الشرعية، وقد أحببت أن أهديه لك حتى تهيئ لك منزلا لائقا ومريحا، فأجابه الشيخ بأن منزله يكفيه، وأنه لا يحتاج إلى غيره، فأعاد التاجر عليه القول بأن شخصية الشيخ هي من شخصية المذهب وينبغي أن يكون في مكان لائق، وهذا المنزل الذي يسكنه لا يؤدي هذا الغرض، وما زال مصرا عليه وملحّاً حتى قبل الشيخ ذلك المال.
وبعد مرور سنة أو أكثر جاء هذا التاجر لزيارة مشهد أمير المؤمنين عليه السلام في النجف مرة أخرى وبعد انتهاء الزيارة كان لا بد أن يزور مرجع تقليده الشيخ الأنصاري، وفي ذهنه أنه لا بد أن الشيخ قد تحول إلى مكان آخر وبيت أفضل وأكثر رفاهية، فسأل عن منزل الشيخ فأرشدوه إلى البيت القديم السابق، ورأى الشيخ هناك.
وعندما سأل الشيخ عن البيت الجديد، قال له نعم لدينا بيت جديد، أفضل من هذا، ومع سؤاله أمر بعض المقربين منه أن يوصله إلى آخر منطقة (الحويش) في النجف حيث بني هناك مسجد جميل ومرتب (يعرف بمسجد التُرك أو مسجد الشيخ الأنصاري)[1]، فلما عاد سأل الشيخ عن ذلك، فأجابه الشيخ بسؤال:
- أن تبني بيت الشيخ أفضل أو أن تبني بيت الله؟
لا ريب أن بيت الله أفضل، فبيت الشيخ غداً يذهب إلى الورثة ويتنعمون به، بينما يبقى بيت الله عزوجل!!
وفي حادثة أخرى تنقل عنه تذكر بموقف أمير المؤمنين عليه السلام من أخيه عقيل!
فإنهم يذكرون أن الشيخ الأنصاري بعد أن استقر به المقام في النجف، وصارت إليه المرجعية العامة، استقدم والدته من دزفول إلى النجف لا سيما وقد توفي أبوه، وكان يأتي إليها بعد الدرس عادة يطايبها ويذكر لها بعض القصص والقضايا، ويجلس معها قليلا، برّا بها ثم يذهب لشأنه، وذات مرة قال لها: في صغري عندما كنت أدرس وكنتِ تطلبين مني أن أذهب لجلب أشياء البيت (من خضروات وما شابه) كنت أقول لك: اطلبي مني أي شيء بعد درسي، أما وقت الدرس فلا تطلبي مني شيئا، وكنتِ تقولين: بأنك لم تخلفي ولدا!! الآن بعد أن وصلتُ إلى ما وصلت إليه هل لا يزال رأيكِ بأنك لم تنجبي ولدا؟
فتبسمت وقالت نعم: ولكن لم يتغير عليّ شيء! (أي لم يظهر علي أثر التنعم من المرجعية هذه) فهذا أخوك (شيخ منصور) محتاج والأموال بين يديك فلا تساعده! وتقول أنا اعطيه سهمي من هذا المال، وما قدر ما يصنع سهمك في حاجته؟
فأجابها الشيخ بحنان: هذه مفاتيح المال الموجود لدي قومي وخذي منه ما
[1]نقل بالمضمون والمعنى العام من كتاب سيماي فرزانكان باللغة الفارسية.
تشائين ولكن اعلمي أن كل درهم فيه حساب وعتاب يوم القيامة! وأن عليك أن تقدمي حسابه بين يدي الله عزوجل!
ولو أردنا أن نتتبع ما نقل عنه في هذا المجال لضاق بنا الأمر، لكنه مشهور عنه ومعروف من سيرته. وهذا بالاضافة إلى غزارة علمه كان من الأمور التي دعت صاحب الجواهر أن يفوض إليه أمر الزعامة الدينية والعلمية في النجف عندما حضرته الوفاة 1266هـ. فكما نقلوا أن صاحب الجواهر بعدما مرض وأوشك على مغادرة الدنيا، كان الكثير يتوقع أن يشير بالزعامة العلمية والمرجعية الدينية إلى بعض تلامذته المقربين، ولم يكن الشيخ الأنصاري منهم فإنه قد استقل بالتدريس منذ وقت بعيد، وليس معدودا من تلامذة صاحب الجواهر الملاصقين له والمرتبطين به.
فبينما كان أعيان تلامذة صاحب الجواهر في عيادته، والسؤال يعترض الكثيرين عمن سيكون خليفة الشيخ الجواهري في منبره وزعامته، سأل صاحب الجواهر عن الشيخ مرتضى؟ وحيث أنه لم يكن يتردد كثيرا في هذه الأجواء سألوا من: شيخ مرتضى؟ فعرفه لهم، وطلب منهم إخباره بأن يحضر.
ذهبوا وفتشوا عنه فوجدوه في حرم أمير المؤمنين عليه السلام يصلي صلاة الحاجة لشفاء الشيخ صاحب الجواهر! وطلبوا منه الحضور إلى بيت الشيخ، فأجاب ولما حضر قال له الشيخ: خفف احتياطاتك يا شيخ وأفت الناس!
وكان هذا بمثابة الإشارة إلى تقديم صاحب الجواهر له على من عداه، (والفضل يعرفه أهله).
وبالفعل فإن مقام المرجعية والافتاء يختلف عن مقام العمل الشخصي، فقد يميل شخص لأسباب مختلفة إلى الاحتياط، وهذا أمر لا بأس به في حدوده الشخصية لكن إذا تصدى لإدارة حياة الناس من الناحية الدينية فإن إلزامهم بالاحتياط يؤدي إلى تعسر حياتهم.