العوض طلقا، ومقدورا على تسليمه، واستطرد إلى بحث الغرر.
وفي الباب الثالث: الذي يسمى بالخيارات، والخيار: هو ملك فسخ العقد بأحد موجباته، تعرض فيه إلى أن الأصل في البيع اللزوم إلا أن يتزلزل بوجود الخيار للمتبايعين أو احدهما، وشرح الخيارات: كخيار المجلس والحيوان والشرط والغبن والعيب والرؤية.
وانتهى إلى الحديث عن الشروط التي يمكن أن يقع عليها العقد، وعدد صفاتها في أنه لا بد أن تكون مقدورة، وسائغة في نفسها، وذات غرض معتد به عقلاء، وأن لا تكون مخالفة للكتاب والسنة ولا منافية لمقتضى العقد، وأن لا تكون مجهولة بحيث تؤدي للغرر، وأن لا تستلزم المحال، وأن يلتزم بها في متن العقد.
جاء كتاب المكاسب لكي يحل محل ما سبقه من الكتب الفقهية في المدارس والحوزات العلمية وأصبح محور التدريس منذ أيام الشيخ الأنصاري وإلى يومنا هذا، ولعل الناظر المتأمل فيه وفي الكتب التي سبقته بل حتى التي عاصرته يجد الفارق كبيرا لصالح المكاسب في تفوقه عليها سواء في إحاطته بالأدلة أو في عبارته المشرقة أو أسلوبه في عرض كل مسألة مما أشار إليه النقاد والباحثون. ولعلك ترى الفرق الفارق بين كتاب المتاجر في الجواهر وهو يعتبر سيد الفقه الاستدلالي عند بعضهم وبين كتاب مكاسب الشيخ الأنصاري لترى التميز والتفوق واضحا للمكاسب.
وقد حظي هذا الكتاب الذي يقع في مجلد واحد بحسب متنه بالطبع القديم بالكثير من الاهتمام بالشرح والتعليق والمناقشة، وأصبحت بحوث الخارج في المعاملات لا تتعداه، فقد حشّى عليه معظم تلامذة الشيخ الأنصاري، وتلامذة تلامذتهم، وشرحه متأخرون عنهم، وأصبح متنا تناقش نظرياته في بحوث الخارج قسم المعاملات.2.
2.فرائد الأصول
وقد اشتهر باسم كتاب الرسائل، وذلك لأنه عبارة عن خمس رسائل جمعت في عهد الشيخ في المواضيع المتعددة في الأصول، وقد أسس لها بتقسيمه المكلف إلى ثلاثة أقسام، وأنه إما أن يحصل له بعد الالتفات إلى حكم شرعي، القطع به أو الظن أو الشك. وعلى هذا الأساس تحدث عن حجية القطع وأقسامه في رسالة بهذا الاسم، وبعدها تحدث عن الظنون الخاصة التي ثبت بالدليل جواز التعبد بها بعدما كان الأصل عدم جواز العمل بالظن وفيها بحث عن حجية ظواهر الكتاب، وخبر الثقة، وقول اللغوي، والاجماع المنقول والشهرة الفتوائية، وغيرها. لينتهي إلى الحديث عن حجية مطلق الظن، وما يسمى بدليل الانسداد.
وفي الرسالة الثالثة تحدث عن الأصول العملية التي هي مرجع الشاك في التكليف أو المكلف به، وقد تحدث هنا عن البراءة والاحتياط والتخيير وأخيرا الاستصحاب الذي أفرد له رسالة خاصة مفصلة، وفي رسالته الخامسة الأخيرة ناقش موضوع التعادل والترجيح، وذلك فيما إذا تعارضت النصوص الشرعية، فماذا يعمل الفقيه.
ويعد هذا التقسيم الثلاثي للمكلف في موقفه مع التفاته للحكم الشرعي من ابتكارات الشيخ الأعظم في الأصول حيث لم يكن معهودا قبله.
كما أنه أضاف إلى علم الأصول بحوثا لم تكن قبله موجودة فيه، أو لم تكن مبحوثة بشكل مفصل ومستقل كما هو الحال في مبحث الحكومة والورود في الأدلة، والتي لها أثر مهم على مسار البحث الأصولي ثم الفقهي.
وهكذا حديثه عن علاقة الأصول ببعضها، وأيها حاكم على الآخر كما في حكومة الأصل السببي على المسببي، وحكومة الاستصحاب على البراءة.
وأيضا كان من ميزاته في هذا الكتاب: «التعرض لمباحث البراءة العقلية والشرعية بصورة مفصلة وشاملة وتقسيم الشبهة الى حكمية وموضوعية ووجوبية وتحريمية وذكر سبب الشبهة من عدم النص أو إجمال النص أو تعارض النصين، والاستدلال على البراءة بالآيات والروايات والإجماع والعقل ورد شبهات الإخباريين في وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية مع ذكر أدلتهم من الكتاب والروايات والرد عليهم بأحسن ما يكون، بحيث لم يرد مثل ذلك في الكتب التي سبقت الشيخ (قده)»[1].
والحقيقة أن الشيخ الأعظم قد وضع في هذا الكتاب منهجية جديدة صارت المعتمدة من كل من جاء بعده وكانت على قدر من الإحكام» وأمارة هذا الاستحكام والقوة والمتانة في المنهج والتصور والمحتوى ان الفقهاء الذين جاؤوا من بعد الشيخ- وهم كثيرون - لم يغيّروا لحدّ اليوم الخطوط الأساسية لهذا المنهج، رغم ان هذه الفترة كانت حافلة بعقول فقهية وأصولية كبيرة من أمثال المولى محمد كاظم الخراساني المعروف بـ (الآخوند) والسيد محمد حسن الشيرازي والشيخ حبيب الله الرشتي وشيخ الشريعة والأعلام الثلاثة من تلاميذ الخراساني: النائيني والعراقي والأصفهاني وغيرهم من الأعلام المعاصرين والمحققين الكبار في هذا العلم «[2].
3. باقي كتبه
لم تقتصر جهود الشيخ الأنصاري التأليفية على الكتابين المذكورين وإن كانا الأشهر والأكثر حضورا في البحوث العلمية، فإن له الكثير من الكتب والرسائل
[1]مقال لم يشر إلى مؤلفه نشر على http://www. صلى الله عليه وآله l-shi صلى الله عليه وآله .org.
[2]الآصفي؛ الشيخ محمد مهدي. مقال بعنوان التجديد في مدرسة الشيخ الأنصاري الأصولية، منشور في موقعه الالكتروني
http:// صلى الله عليه وآله l صلى الله عليه وآله s عليه السلام fi.n عليه السلام t/
الفقهية والأصولية، قد عدها محقق رسالة التقية[1]بالنحو التالي:
(1) رسالة في إجازة الشيخ الأنصاري. وهي إجازة مبسوطة من الشيخ الأنصاري لتلميذه الميرزا أحمد بن الميرزا محسن الفيض الكاشاني. (2) الاجتهاد والتقليد. (3) إثبات التسامح في أدلة السنن. (4) الإرث. (5) أصول الفقه. (6) رسالة في التحريم من جهة المصاهرة. (7) تقليد الميت والأعلم. (8) التقية (9) التيمم. (10) الحاشية على الحاشية على بغية الطالب وبغية الطالب للشيخ جعفر كاشف الغطاء، والحاشية على بغية الطالب لولده الشيخ موسى. (11) الحاشية على عوائد النراقي. (12) الحاشية على قوانين الأصول. (13) الحاشية على نجاة العباد. (14) رسالة في الخلل. (15) الخمس. (16) رجال الشيخ. (17) رسالة في رد القائلين بأن الأخبار قطعية الصدور. (18) النكاح. (19) الرضاعية. (20) الزكاة. (21) الصلاة. (22) صلاة الجماعة. (23) الصوم. (24) الطهارة. (25) العدالة. (26) الغصب. (27) الفوائد الأصولية. (28) رسالة في القرعة. (29) القضاء عن الميت. (30) القضاء والشهادات.(31) قاعدة لا ضرر. (32) المتعة. (33) رسالة في المشتق. (34) الوصية وأحكامها. (35) مناسك الحج. (36) منجزات المريض. (37) قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به. (38) المواسعة والمضايقة.
[1]الحسون، الشيخ فارس. في مقدمة رسالة التقية للشيخ الأنصاري. نشر قائم آل محمد، قم إيران
مير حامد حسين النقوي
معجزة الهند
1246ـ 1306هـ
تتفاوت التقديرات بشأن عدد الشيعة في القارة الهندية بما يشمل باكستان وبنغلاديش، فمن مُكثر يوصل العدد إلى 85 مليون نسمة، وبناء على ذلك يعتبره أكبر تجمع سكاني شيعي، وبين من يقلل ينهيه إلى نصف ذلك التقدير. ويساعد على هذا الاختلاف عدم وجود إحصاء علمي فيترك المجال واسعا للتقديرات الشخصية التي تتأثر بالموقف المذهبي، وأحيانا بالتصور بأن الحق يرادف كثرة العدد، أو ما شابه من العوامل التي تعرضنا لها في موضع آخر[1].
وسواء أخذ بالتقدير الأكثر أو الأقل، فإن وجود هذه الأعداد الكبيرة في القارة الهندية تشير إلى حقائق لا تكاد تخطئها العين البصيرة، منها:
أن التشيع لم يكن وليد برهة تاريخية حصلت على أثر اقتران بعض الأئمة عليهم السلام بزوجة هي بنت ملك الفرس فتعصب الفرس لهذا النسب وقبلوا هذا المذهب ودافعوا عنه، فإذا قبلنا ذلك جدلا وإلا فهو غير مقبول فما دخل الهنود في هذا الدافع؟
ويشير أيضا إلى وجود التنوع البشري في هذا المذهب وأن أفكاره تستهوي المجاميع المختلفة من الناس، فليس
[1]آل سيف، فوزي: صفحات من التاريخ السياسي للشيعة. 38.
مذهبا يمجد قومية، حتى تجتنبه سائر القوميات، ولا عرقا معينا حتى لا تقبله سائر الأعراق.
ويشير ثالثا إلى أن فكرة محاصرة المذهب من قبل البعض، فضلا عن القضاء عليه، تعبر عن مراهقة عقلية لا عن قراءة واقعية لحركة المذاهب والأفكار في المجتمعات. لا سيما إذا كان هذا المنهج يعتمد الدليل والبرهان في تشييد آرائه، وبناء مفاهيمه.
ولهذا فإننا وجدنا أنه بالرغم من الجهد الكبير الذي بذله بعض الحاكمين لنفي هذا المذهب واقتلاعه من مناطقه لم يستطيعوا ولن يستطيع ذلك غيرهم، فإن عالم المذاهب والأفكار لا ينفع فيه القمع السياسي أو استعمال القوة العسكرية.
إن الجهد الرائع وعديم النظير الذي قدمه العالم الكبير مير حامد حسين في كتابه (عبِقات الأنوار)[1]يشير الى حقيقة أن انتصار المبادئ ليس بالقوة بل بالبرهان والفكرة وقد نزل المير حامد حسين إلى هذا الميدان بكفاءة عالية وقدرة متميزة، وألف كتبا عديمة النظير بل وصفها أئمة العلم بأنه لم يؤلف مثلها منذ صدر الإسلام.
وربما يقول البعض أنه إلى متى نبقى في هذا النقاشات العقائدية؟ أما آن لنا أن نغلق هذا الملف ونتفرغ لهموم الحاضر، لا سيما وأن هذه النقاشات لا تزيد المسلمين غير الفرقة والتشرذم؟ وبالتالي تتوج الجهود إلى ما هو أجدى وأنفع؟
والجواب على ذلك: أن الاختلاف في العقائد والمتبنيات الفكرية عند الناس حقيقة لا جدال فيها لوضوحها، ذلك أنه تختلف اعتقادات الناس واديانهم ومذاهبم، فما يعتبره هذا الانسان حقا يراه ذلك الآخر الباطل بعينه. هذا الاختلاف
[1]قال في لسان العرب النَّوْرُ و النَّوْرَةُ، جميعاً: الزَّهْر، و قيل: النَّوْرُ الأَبيض و الزهر الأَصفر و ذلك أَنه يبيضُّ ثم يصفر، و جمع النَّوْر أَنوارٌ. و عَبِقَت الرائحةُ في الشيءِ عَبَقاً و عَباقِيةً: بَقيت و عَبِق الشيُ بقلبي: كذلك على المثل. و ريحٌ عَبِقٌ: لاصق.
في الاعتقادات يجر الى النقاش و الحوار بين هذه الفئات الاجتماعية اما بدافع التبشير والدعوة واما بدافع تقوية ماهو عند الذات، فالمسلم مثلا لكي يقوي عقيدته الإسلامية أمام المسيحية يبرهن على عقائده ويبين أدلتها حتى يؤكد لنفسه والمسلمين بان عقائده مبرهنة وقائمة على أصول قوية، بالاضافة إلى دعوة الطرف الى معتقده ومايتبناه.
وهكذا الحال على مستوى المذاهب في داخل الدين الواحد، فيستدل البروتستانتيون والأرثوذكس والكاثوليك في داخل الديانة المسيحية، كلٌّ على مذهبه وطريقته. ويستدل السنة والشيعة والخوارج وغيرهم من الفرق والمذاهب في داخل الدين الإسلامي على أفكارهم وآرائهم.
وهذا هو الذي ينشئ الحوار بل الجدال الديني والمذهبي.و هذا أمر لا يمكن الغاؤه، وهذا يعني أن المطالبة بإلغاء الحوارات والنقاشات العقدية الدينية أو المذهبية، شعار لا واقعية له.
نعم الحق ان يقال بأنه ينبغي أن يخضع لضوابط، وأداب، وقوانين تنظمه:
في غرض الحوار أن لا يكون هادفا لاشعال الفتنة الاجتماعية بين الفئات المنتمية إلى أطراف الحوار والنقاش وهذا يفرض نمطا خاصا من الحوار يجتنب التهييج والتهجم. بل يفرض أن يكون المتحاورون من مستوى علمي خاص، وليس صحيحا أن هذه النقاشات تنتهي إلى الاحتراب الاجتماعي، النقاش أمر علمي ونظري، بينما التشنج الطائفي أو الديني أمر نفسي وقلبي، وهما مختلفان في مناشئهما.
في أسلوب الحوار: ينبغي أن يكون قائما على آداب المناظرة، وأخلاق المحاورة، والتي وردت الاشارة إليها في القرآن الكريم، والروايات، بل والعلوم
الحديثة. فلا ينبغي التنقص من الخصم فضلا عن سبه، فإننا حتى لو أردنا دعوته إلى ما نعتقده من آراء، فلا بد أن يكون ذلك{بِالحِْكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الحَْسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتىِ هِىَ أَحْسَن}.
ومن ذلك أن يتم الاحتجاج على الخصم في الحوار بما هو مسلم عنده، حتى يكون أبلغ في القبول. ونحن وإن كنا لسنا في صدد الحديث عن آداب الحوار وقوانينه، لكن كان ذلك لاقتضاء الحديث عن علامة الهند مير حامد حسين في جهده للبرهنة على معتقداته في إمامة أهل البيت عليهم السلام .
كما ينبغي الإشارة أيضا إلى بعض آثار العصبية المقيتة التي لا تزال موجودة في بعض مجتمعاتنا المسلمة والتي تصم غير العربي في المناطق العربية وغير الفارسي في إيران مثلا، بالغباء وقلة الفهم، بل ربما راجب سوق النكات والسخرية من عرق بالنسبة إلى عرق آخر، ومن قومية بالنسبة إلى قومية ثانية، بحيث تؤلف الطرائف ومواضع التندر، فالهندي مثلا غبي، والكردي مغفل، والعربي كذا،وكل عرق أو جنس يعتبر نفسه الأسمى والأعلى بينما غيره يكون في الدرجة الثانية.
إن على المؤمنين أن يتنزهوا عن هذا الخلق السيء، وأن يعتقدوا أنه (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لاحمر على أسود ولا أسود على أحمر الا بالتقوى)[1].
معجزة الهند:
للنظر في الظروف التي عاش فيها العالم الكبير والمتكلم البارع مير حامد حسين، لا بد أن نشير إلى أن حركة ثقافية وأدبية قد تبناها ملوك الشيعة في جنوب الهند حيث «قامت في الهند ثلاث دول شيعية، هي: العادل
[1]حنبل، احمد بن: مسند احمد - 5. 411.