أوثلاث صفحات بينما كان ينبغي أن يدرسوا هذا المقدار في الحالة الطبيعية في اسبوع.
وقد نبه هذا الأمر والده إلى أن الولد لديه نبوغ استثنائي وحافظة قوية. فوجهه إلى طلب العلم وبدأ بالدروس الدينية، وبدأ وعمره خمسة عشر عاما بدراسة شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني، ومن المعلوم أن هذا الكتاب الاستدلالي يحتاج إلى مقدمات يكون الطالب قد درسها، وفيه مقدار من الاستدلال يحتاج إلى مستوى علمي متقدم، والغالب في الحوزات أن الطالب ضمن مسيرته الاعتيادية يدرسه بعد العشرين من العمر إذا بدأ مبكرا بالدراسة!!
بل كانت دراسته بنحو خاص أيضا فهو قبل أن يأتي إلى الدرس كان يراجعه ويكتب تعليقاته عليه من اسئلة أو أجوبة واستدلالات، ثم يأتي إلى المدرس ويستمع إليه، وبعد توجه المدرس إلى تعليقاته وحواشيه التي كتبها في دفتر عنده واطلاعه عليها، قال له: إن مكانك ليس هاهنا ولكن اذهب إلى اصفهان! (وكانت اصفهان في ذلك الوقت حاضرة علمية متميزة، بالاضافة إلى كونها عاصمة إيران آنئذ).
وهكذا جاء إلى اصفهان ليبقى فهيا مدة،درس خلالها على يد فقهاء أعاظم مثل السيد حسن المدرس الكبير أعلى الله مقامه، والشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب حاشية المسترشدين على معالم الدين والسيد محمد باقر الرشتي المعروف بحجة الإسلام، والسيد صدر الدين العاملي.
ولم تكن اصفهان منتهى أمله، بل كان يرقب النجف الأشرف التي كانت في نهاية القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر الهجري بمثابة الكوكب المضيء في سماء الحوزات العلمية، بحضور أعاظم مثل صاحب الجواهر وأساتذته وتلامذته.
وزادها رفعة تصدي الشيخ الأعظم المرتضى الأنصاري لكرسي التدريس الأول، وزعامته الدينية والعلمية. وهذا ما دعى الميرزا الشيرازي للسفر إلى النجف الأشرف، وقد أصبح مجتهدا بالفعل!
وقد وصل النجف الأشرف عام 1259هـ أيام زعامة صاحب الجواهر، وقد درس على يده إلى حين وفاة الجواهري سنة 1266هـ، ليحضر درس الشيخ الأنصاري ويختص به، حيث تنقل عنه معه قصة، حيث أنه بعد هذه المدة التي قضاها في العلم والدرس على يد أولئك الأعاظم اشترك في درس الشيخ الأنصاري فلم يجد فيه أول الأمر ما يتمناه، ولذا عزم على ترك الحضور، فزاره الشيخ الأنصاري وتباحثا في مسألة وذكر الأنصاري وجها لها، فوافقه الشيرازي، ثم إن الشيخ الأنصاري تراجع إلى وجه آخر واستدل عليه فرأى الشيرازي أنه وجه قوي، فرد عليه الشيخ وأعاد تقوية الأول وهكذا. استمر معه بهذه الطريقة يقوي رأيا وبعد قبول الشيرازي له ينقضه وينتقل إلى رأي آخر، ثم قال له: إنه يدرس في الدرس العام على حسب متوسط فهم الطلبة لا على مستوى المجتهدين.
وعاد الميرزا الشيرازي ليختص بالشيخ الأنصاري الذي كان يهتم به اهتماما بالغا، وينقل أن الميرزا كان قليل الكلام في الدرس، ما هو عليه من الفضل، وكان خفيض الصوت، فإذا استشكل أو اعترض الشيخ الأنصاري بدليل، انحنى الشيخ الانصاري إليه، مشيرا إلى باقي الطلبة: إن جناب الميرزا يتكلم! ثم يشرع في تقرير إشكاله أو دليله ويجيب عليه!.
وظل هكذا يصعد في سماء العلم، حتى إذا توفي الشيخ الأنصاري سنة 1281هـ، اجتمع أركان درسه وثقاته ليقرروا أن المتعين للتدريس والمرجعية بعد الأستاذ هو الميرزا محمد حسن الشيرازي! والذي ردهم بأنه لم يتهيأ لهذا الموقع حتى أنه لم يكتب تعليقة أو حاشية على رسالة عملية!
وقد أصر عليه هؤلاء بأن المرجعية لا تحتاج إلى مجرد حاشية على رسالة عملية، وإنما هي قبل كل ذلك قيادة للأمة وإدارة للطائفة تحتاج إلى حكمة، وعلم وهما متوفران بأحسن الدرجات في الميرزا.
الهجرة إلى سامراء:
بعد عشر سنوات من تسنمه سدة المرجعية العامة، وكرسي التدريس الأول في النجف الأشرف، قرر الميرزا الشيرازي أن يهاجر إلى سامراء وأن يستقر فيها لبرهة من الزمن، وقد أخفى قراره هذا الذي كان خارج دائرة التوقعات، فإن من كان خارج النجف الأشرف في سائر مناطق الحوزات العلمية يبذل الغالي والنفيس للوصول إلى النجف والاستقرار فيها لما لها من الصيت والسمعة في جوها العلمي والأدبي.فكيف يغادر رأس الحوزة النجف؟ ولا ريب أن قرارا من هذا القبيل سوف يثير الكثير من التساؤلات بعده بل المعارضة قبل حدوثه فعلا، لذلك بقي طي الكتمان إلى أن سافر الميرزا بالفعل إلى كربلاء لزيارة النصف من شعبان سنة 1291هـ، ثم عطف على سامراء لزيارة الإمامين العسكريين ظاهرا، وللبقاء فيها واقعا، وهناك أخبر المقربين من تلامذته عن عزمه وقراره!!
وقد ذكر مترجم[1]الميرزا في مقدمة التقريرات، ضمن ترجمته القيمة لشخصية الشيرازي عدة احتمالات، ونحن ننقلها من تلك الصفحات:
يرى البعض أن السبب رغبته في الاعراض عن الرئاسة، وتخلصا من قيودها، وطلبا للانزواء والعزلة عن الخلق.
وقيل أن سبب ذلك أنه لما صار الغلاء في النجف سنة 1288 ه - وصار يدر العطاء على أهلها، ثم جاء الرخاء عن قريب جعل الناس يكثرون الطلب عليه، وجعل بعض أعيان النجف يفتل في الذروة والغارب لينفر الناس منه،
[1]بحر العلوم؛ السيد محمد علي، مقدمة تقريرات آية الله المجدد الشيرازي: للمولى علي الروزدري 1. 29.
فتضايق من ذلك، وخرج إلى كربلاء في رجب سنة 1291 ه، ثم توجه إلى الكاظمية فسامراء، ودخلها في شعبان من تلك السنة، وأقام فيها أياما، ثم عزم على الإقامة فيها، وأرسل على كتبه، وأثاثه، وتبعه أصحابه.
وقيل أنه تضايق من وجود بعض الفرق الجاهلة فيها. ولعله يقصد بعض العشائر النجفية، التي كانت المعارك بينها مستمرة، ونتيجة لذلك يتعرض الكثير من المقيمين، وخاصة أهل العلم الأجانب - لأنهم ضعفاء أمام أهل البلد - إلى الإيذاء والسلب.
وقيل تعود الناس على طلب المال منه، وصاروا يتوقعون منه كل شيء حتى فكاك أولادهم من العسكرية ببذل البدل النقدي عنه، وكان بدل الواحد يومئذ مائة ليرة فضاق به الأمر، وعرف أن لهذه التوقعات محركا من بعض أعيان النجف، وهذا لا علاج له إلا بالفرار.
ويقول البعض: (والذي يغلب على الظن أن السبب الوحيد الباعث له على الهجرة أمر وراء ذلك، هو أدق وأسمى وأبعد غورا مما يظن. وهو إرادة الانفراد، لانحياز سامراء وبعدها عن مجتمع العلماء، ومن يدعي العلم، فيتم له فيها ما لا يتم له في غيرها. والقرب من الخاصة فيه العناء والتعب، وفي البعد عنهم الراحة، واجتماع الأمر، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في عهده للأشتر: إنه ليس أشد مئونة على الوالي من الخاص».
وبعد أن رفض السيد بحر العلوم تلك الأسباب، استنتج أن «مقصده من هجرته وحدة المسلمين، وبث روح التآلف بين السنة والشيعة، وإماتة العصبيات والنعرات الطائفية والتي كانت مشتعلة - حينها - في العراق بسبب الحكم العثماني والذي كان يترنح هنا وهناك بسبب غزو الإنكليز على المنطقة، ومحاولة إخراج النفوذ العثماني المنهار منها. وحيث أن غالبية سكان مدينة سامراء من عشائر السنة،
فكانت الأقلية الشيعية فيها تعاني من البعض التعدي والإيذاء وخاصة من جهلة الناس، وأوباش المواطنين، وكذلك الزوار الشيعة الذين كانوا يقصدون سامراء لزيارة مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام فكانوا يقابلون من بعض الأفراد بما لا يليق بروح الأخوة الإسلامية، والتعاطف الوطني، مما سبب انكفاء من الزوار لحرم الإمامين، حفاظا على أرواحهم وأعراضهم. وكان تخطيط مركز من السيد الشيرازي حين شد الرجال، وحط موكبه في سامراء، والتف الشيعة من حوله، وكثر التردد من المسافرين عليها من شتى الأقطار الإسلامية، وخفت تلك الوحشة التي كانت تلف المدينة من قبل»[1].
والذي اختاره السيد بحر العلوم هو الذي يتناسب مع علو همة الميرزا وطبيعة شخصيته ودوره الذي قام به فيما بعد، وأما سائر الاحتمالات فإنها بعيدة عن شخصيته القوية وطبيعة إدارته للمرجعية، وتليق بشخص مغلوب على أمره لا يملك في حل مشاكله سوى الهروب منها زمانا أو مكانا وهذا لا يتوافق بأي نحو مع شخصية الميرزا الشيرازي، الذي سيأتي أنه تصدى للبريطانيين في إيران، وقاوم نفوذهم في العراق، وكانت شخصيته من القوة بحيث يتسابق السفير البريطاني والروسي لخطب وده مستغلين سوء التصرف الذي قام به بعض أتباع الادارة العثمانية في سامراء.
وهكذا يبعد من الاحتمالات ما ذكره الدكتور الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من أن (من الأسباب التي دفعت الشيرازي إلى الهجرة إلى سامراء هو أنه كان يريد تحويلها إلى بلدة شيعية لكي ينقذ الزوار من المضايقات التي يلقونها فيها)[2].
ويشهد لبعد هذا الاحتمال أننا نجد أن الميرزا الشيرازي لم يقم بحركة دعوية تبشيرية في سامراء بمقدار ما قام بإعمار البلد، فقد نصب جسرا من القوارب على
[1]المصدر ص 31.
[2]الوردي؛ د عبد العزيز: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث 3/100.
دجلة بلغت تكاليفة ألف ليرة عثمانية، وبنى حماما للرجال وآخر للنساء وسوقا كبيرة ودورا كثيرة[1]. ولأجل طلبة العلم الذين التحقوا به من النجف بنى مدرسة دينية، ولإقامة الزوار الشيعة مراسمهم بنى حسينية. ومن يريد تحويل بلدة إلى مذهب آخر لا ريب أنه سيبدأ حركة دعوية وتبشيرية بمذهبه، وهذا ما لم ينقل عن الميرزا، بالرغم من بقائه فيها إلى آخر أيام حياته.
إننا نعتقد أن الظروف التي كانت قائمة في تلك الفترة لم تكن في اتجاه التبشير المذهبي بمقدار ما كانت تخدم التقارب والتآلف بين المسلمين، خصوصا وأن السلطان العثماني عبد الحميد كان يبشر بفكرة وحدة المسلمين ولذلك لم يحب أن تتطور قضية سامراء ولذا فقد أرسل إلى والي بغداد يأمره بمعالجة القضية بهدوء، فإذا كان الشيرازي قد فتح مدرسة شيعية فليفتح الوالي إزاءها مدرسة سنية ولا يزيد على ذلك شيئا[2]!.
نعم استفاد البعض ولا سيما الشيخ محمد سعيد النقشبندي من هذا الأمر بعنوان التهويل والتهويش فزار والي بغداد مناديا بالويل والثبور على سامراء التي ستذهب إلى الرافضة، وأن عليهم أن يتحركوا لحفظ أهل السنة من أهل البدع!!(تماما كما نجد في هذه الأيام من المستفيدين والمتاجرين) وكان نتيجة ذلك أن زود النقشبندي بالأموال لفتح مدرسة في سامراء!! وميزانية لانفاقها! وغالبا ما يكون هذا هو الغرض والهدف.
بل إن هذا الخط المتشنج لم يكتف بهذا المقدار، وإنما حاول اصطناع فتنة طائفية عندما دفع بعض الجهلة إلى الاعتداء على ابن الميرزا الشيرازي الأكبر، السيد محمد فضربه على رأسه الأمر الذي جر إلى وفاته، وقيل إن الاعتداء كان على الميرزا نفسه بأن قذف بالحجارة!.طمعا من أولئك بأن يكون هناك رد من
[1]المصدر السابق.
[2]المصدر السابق. 102.
أتباع الميرزا وتحدث الفتنة الطائفية!
إلا أن الميرزا الشيرازي لم يحرك ساكنا، ومنع من أي انتقام أو رد فعل! فأخمد الفتنة بعدما أطلعت قرنها.
بل إن البريطانيين حاولوا الاستفادة من هذا الحادث، وتصوير أنهم حماة للشيعة إذا كان الأتراك حماة السنة، فجاء السفير البريطاني إلى سامراء وعرض على الميرزا حمايته، محتجين على التصرف السيء لمقام مرجعيته، فردهم الميرزا بقوة قائلا: أرجو أن تفهموا جيدا أنه لا دخل لكم ببلادنا مطلقا وما هذه القضية إلا حادث بسيط بين أخوين! ولما وصل خبر المقابلة إلى الباب العالي في اسطنبول، أكبر هذا الموقف وسر به، وأمر والي بغداد أن يذهب إلى سامراء ليقدم للسيد الشيرازي الشكر، ويعتذر له عن الحادث[1].
كان من نتيجة بقاء الميرزا في سامراء، أن عمر مشهد العسكريين بالزوار والقادمين، وأن تحولت سامراء من بلدة صغيرة بيوتها من طين إلى مدينة عامرة، وأصبح الطريق إليها آمنا سالكا بعد أن كان مخوفا يكثر فيه اللصوص وقطاع الطرق!
ومع مجيء تلامذة الميرزا وانتقالهم من النجف الأشرف إليها، تحولت بالتدريج إلى حوزة علمية مهمة، حتى صارت ذات مدرسة علمية لها خصائصها التي تميزها عن غيرها.
من سامراء قاد ثورة التنباك في إيران:
انشغل سلاطين القاجار في الدور الأخير لهم باللعب والبحث عن الأموال
[1]المصدر ص 110، ناقلا عن عبد الرحيم محمد علي في كتابه (آقا بزرك الطهراني).
والانشغال بالشهوات[1]، والبعد عن الادارة الحقيقية للبلد وشؤونها، مما جعل إيران ليس فقط تفقد أجزاءها وأراضيها لصالح الدولة الروسية، بل أصبحت منطقة نفوذ يتنازع فيها اللاعبان الأساسيان: البريطانيون والروس، فكلما أخذ الروس جانبا من النفوذ والمصالح، تقدم البريطانيون ليأخذوا مثيله. فإذا كان للروس نفوذ في المنطقة الشمالية من إيران، فليأخذ البريطانيون المنطقة الجنوبية، وهكذا!
ولم يكن هؤلاء السلاطين يستشعرون أي خطر في ذلك ما دامت الاتفاقيات تؤمن لهم المال والثروة! وهكذا كانت خطوط سكة الحديد، ومؤسسة التلغراف، وأخيرا احتكار التبغ من مناطق النزاع والنفوذ.
تقدم البريطانيون في سنة 1308هـ بمشروع اتفاقية مع ناصر الدين شاه القاجاري، يقضي بأن يكون محصول التبغ في إيران بكامله محتكرا في بيعه وشرائه للشركات البريطانية على أن تتولى تلك الشركة بيعه وتصديره لمدة خمسين سنة!. وكان التبغ آنئذ هو المحصول الزراعي الأساسي في اقتصاد البلد. وفي مقابل ذلك يضمن البريطانيون لناصر الدين شاه مبلغ (15) ألف ليرة ذهبية في السنة! وهذا يعني (1250) ليرة في الشهر. الأمر الذي يستطيع بعض التجار إعطاءه كما ذكر له التجار ذلك!
وقد سعى الميرزا بالحسنى في أول الأمر إلى نصيحة ناصر الدين شاه لإلغاء الاتفاقية وعدم الاستمرار فيها، لما توجبه من ضرر عاجل على المنتجين والتجار المحليين، وتهديد مستقبلي خطير لاستقلال إيران، غير أن الشاه الذي كثرت زياراته لبريطانيا، ومصارفه الشخصية وكان يحتاج إلى سيولة نقدية بيده، لم يلتفت إلى تلك النصائح، ولا إلى مطالبات التجار الذين شكلوا وفدا قابله طالبا منه إلغاءها لأضرارها الكبيرة عليهم، فاضطر الميرزا عندئذ إلى التحرك من خلال
[1]ذكر بعضهم أن ناصر الدين شاه قد تزوج أكثر من 80 زوجة (دواما وانقطاعا)!.