دجلة بلغت تكاليفة ألف ليرة عثمانية، وبنى حماما للرجال وآخر للنساء وسوقا كبيرة ودورا كثيرة[1]. ولأجل طلبة العلم الذين التحقوا به من النجف بنى مدرسة دينية، ولإقامة الزوار الشيعة مراسمهم بنى حسينية. ومن يريد تحويل بلدة إلى مذهب آخر لا ريب أنه سيبدأ حركة دعوية وتبشيرية بمذهبه، وهذا ما لم ينقل عن الميرزا، بالرغم من بقائه فيها إلى آخر أيام حياته.
إننا نعتقد أن الظروف التي كانت قائمة في تلك الفترة لم تكن في اتجاه التبشير المذهبي بمقدار ما كانت تخدم التقارب والتآلف بين المسلمين، خصوصا وأن السلطان العثماني عبد الحميد كان يبشر بفكرة وحدة المسلمين ولذلك لم يحب أن تتطور قضية سامراء ولذا فقد أرسل إلى والي بغداد يأمره بمعالجة القضية بهدوء، فإذا كان الشيرازي قد فتح مدرسة شيعية فليفتح الوالي إزاءها مدرسة سنية ولا يزيد على ذلك شيئا[2]!.
نعم استفاد البعض ولا سيما الشيخ محمد سعيد النقشبندي من هذا الأمر بعنوان التهويل والتهويش فزار والي بغداد مناديا بالويل والثبور على سامراء التي ستذهب إلى الرافضة، وأن عليهم أن يتحركوا لحفظ أهل السنة من أهل البدع!!(تماما كما نجد في هذه الأيام من المستفيدين والمتاجرين) وكان نتيجة ذلك أن زود النقشبندي بالأموال لفتح مدرسة في سامراء!! وميزانية لانفاقها! وغالبا ما يكون هذا هو الغرض والهدف.
بل إن هذا الخط المتشنج لم يكتف بهذا المقدار، وإنما حاول اصطناع فتنة طائفية عندما دفع بعض الجهلة إلى الاعتداء على ابن الميرزا الشيرازي الأكبر، السيد محمد فضربه على رأسه الأمر الذي جر إلى وفاته، وقيل إن الاعتداء كان على الميرزا نفسه بأن قذف بالحجارة!.طمعا من أولئك بأن يكون هناك رد من
[1]المصدر السابق.
[2]المصدر السابق. 102.
أتباع الميرزا وتحدث الفتنة الطائفية!
إلا أن الميرزا الشيرازي لم يحرك ساكنا، ومنع من أي انتقام أو رد فعل! فأخمد الفتنة بعدما أطلعت قرنها.
بل إن البريطانيين حاولوا الاستفادة من هذا الحادث، وتصوير أنهم حماة للشيعة إذا كان الأتراك حماة السنة، فجاء السفير البريطاني إلى سامراء وعرض على الميرزا حمايته، محتجين على التصرف السيء لمقام مرجعيته، فردهم الميرزا بقوة قائلا: أرجو أن تفهموا جيدا أنه لا دخل لكم ببلادنا مطلقا وما هذه القضية إلا حادث بسيط بين أخوين! ولما وصل خبر المقابلة إلى الباب العالي في اسطنبول، أكبر هذا الموقف وسر به، وأمر والي بغداد أن يذهب إلى سامراء ليقدم للسيد الشيرازي الشكر، ويعتذر له عن الحادث[1].
كان من نتيجة بقاء الميرزا في سامراء، أن عمر مشهد العسكريين بالزوار والقادمين، وأن تحولت سامراء من بلدة صغيرة بيوتها من طين إلى مدينة عامرة، وأصبح الطريق إليها آمنا سالكا بعد أن كان مخوفا يكثر فيه اللصوص وقطاع الطرق!
ومع مجيء تلامذة الميرزا وانتقالهم من النجف الأشرف إليها، تحولت بالتدريج إلى حوزة علمية مهمة، حتى صارت ذات مدرسة علمية لها خصائصها التي تميزها عن غيرها.
من سامراء قاد ثورة التنباك في إيران:
انشغل سلاطين القاجار في الدور الأخير لهم باللعب والبحث عن الأموال
[1]المصدر ص 110، ناقلا عن عبد الرحيم محمد علي في كتابه (آقا بزرك الطهراني).
والانشغال بالشهوات[1]، والبعد عن الادارة الحقيقية للبلد وشؤونها، مما جعل إيران ليس فقط تفقد أجزاءها وأراضيها لصالح الدولة الروسية، بل أصبحت منطقة نفوذ يتنازع فيها اللاعبان الأساسيان: البريطانيون والروس، فكلما أخذ الروس جانبا من النفوذ والمصالح، تقدم البريطانيون ليأخذوا مثيله. فإذا كان للروس نفوذ في المنطقة الشمالية من إيران، فليأخذ البريطانيون المنطقة الجنوبية، وهكذا!
ولم يكن هؤلاء السلاطين يستشعرون أي خطر في ذلك ما دامت الاتفاقيات تؤمن لهم المال والثروة! وهكذا كانت خطوط سكة الحديد، ومؤسسة التلغراف، وأخيرا احتكار التبغ من مناطق النزاع والنفوذ.
تقدم البريطانيون في سنة 1308هـ بمشروع اتفاقية مع ناصر الدين شاه القاجاري، يقضي بأن يكون محصول التبغ في إيران بكامله محتكرا في بيعه وشرائه للشركات البريطانية على أن تتولى تلك الشركة بيعه وتصديره لمدة خمسين سنة!. وكان التبغ آنئذ هو المحصول الزراعي الأساسي في اقتصاد البلد. وفي مقابل ذلك يضمن البريطانيون لناصر الدين شاه مبلغ (15) ألف ليرة ذهبية في السنة! وهذا يعني (1250) ليرة في الشهر. الأمر الذي يستطيع بعض التجار إعطاءه كما ذكر له التجار ذلك!
وقد سعى الميرزا بالحسنى في أول الأمر إلى نصيحة ناصر الدين شاه لإلغاء الاتفاقية وعدم الاستمرار فيها، لما توجبه من ضرر عاجل على المنتجين والتجار المحليين، وتهديد مستقبلي خطير لاستقلال إيران، غير أن الشاه الذي كثرت زياراته لبريطانيا، ومصارفه الشخصية وكان يحتاج إلى سيولة نقدية بيده، لم يلتفت إلى تلك النصائح، ولا إلى مطالبات التجار الذين شكلوا وفدا قابله طالبا منه إلغاءها لأضرارها الكبيرة عليهم، فاضطر الميرزا عندئذ إلى التحرك من خلال
[1]ذكر بعضهم أن ناصر الدين شاه قد تزوج أكثر من 80 زوجة (دواما وانقطاعا)!.
الفتوى الدينية، وأصدر فتواه المعروفة بتحريم استعمال التبغ، وأنه على حد إعلان الحرب مع صاحب الزمان عجل الله فرجه وكان نصها
بسم الله الرحمن الرحيم: استعمال التنباك والتتن حرام[1]بأي نحو كان، ومن استعمله كمن حارب الامام عجل الله فرجه. محمد حسن الحسيني الشيرازي.
أعقب هذا التحريم الذي وصلت نسخه إلى إيران، وقام المؤمنون بتكثير نسخه وإيصالها إلى كل المناطق، التزام تام بالامتناع عن أي نحو من أنحاء الاستعمال للتنباك والتتن، حتى لقد وصل التحريم والمنع إلى قصر ناصر الدين شاه نفسه، فرفضت زوجاته وخدمه إعداد (الأرجيلة) له، نظرا لأن (الميرزا) قد حرمه!
وكان من الطبيعي مع هذه المقاطعة الشعبية الشاملة أن يضطر الشاه إلى فسخ الاتفاقية وأن ترحل الشركة البريطانية.
بحر علم وتربية:
وإذا كان الميرزا الشيرازي، بما قام به قد ضمن استقلال ايران، ووقف أمام محاولات ناصر الدين شاه في بيع البلد للبريطانيين، فإن دوره لم يقتصر على ذلك وإن جل وعظم! وإنما كان له دور علمي متميز، بحيث أننا نجد أن أكثر الأسماء اللامعة في سماء الحوزة العلمية وتاريخها الحديث هم من تلامذة درسه، وحضار بحوثه، ولكل منهم دور كبير، وإذا كان بعض كتاب سيرته قد ذكر أسماء أكثر من 270 عالما وفقيها تخرجوا على يده، فإنه يكفي للنظر في دوره العلمي، تتبع أسماء عدد من تلامذته، مثل: الميرزا حبيب الله الرشتي صاحب كتاب بدائع الأفكار، والشيخ آقا رضا الهمداني صاحب مصباح الفقيه، والميرزا حسين النوري الذي يوصف بأنه خاتمة المحدثين،
[1]للفقيه الجامع للشرائط مقامات متعددة، منها الإفتاء وبيان الحكم في المواضيع العامة، وهو مقام المفتي، وله أيضا مقام الولاية، فقد يقوم بتحريم شيء من الأشياء لفترة زمنية أو في مكان محدد أو على أشخاص معينين والفتوى المذكورة هي من النوع الثاني، ولذلك فإنه ما أن انتهت ظروفها الموضوعية، حتى انتهى حكم التحريم.
والشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين، والسيد حسن الصدر والشيخ الآخوند محمد كاظم الخراساني، صاحب كفاية الأصول، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب العروة الوثقى، والشيخ الميرزا حسين النائيني استاذ الفقهاء، والشهيد الشيخ فضل الله النوري، والسيد حسين القمي. وغيرهم.
وقد ترك كتبا تخصصية مهمة في بابها منها:
اجتماع الأمر والنهي.
تعليقة على معاملات الأقا البهبهاني.
تلخيص إفادات أسئلة الشيخ الأنصاري في الأصول.
حواشي على كتاب «سراج العباد» للشيخ الأنصاري.
حاشية على كتاب «نجاة العباد».
رسالة في المشتق.
الرضاع.
زبدة المسائل (سؤال وجواب باللغتين العربية والفارسية).
كتاب الطهارة إلى الوضوء.
كتاب من أول المكاسب إلى آخر المعاملات.
وإذا كانت حياة الميرزا الشيرازي حافلة بالنشاط والحركة، وكانت عجيبة في كثير من تفاصيلها بدءا من نبوغه وتفوقه المبكر، وإلى مجيء المرجعية إليه من دون أن يسعى إليها، وإلى قراره بالهجرة إلى سامراء وانتقاله عن النجف الأشرف، وإلى خوضه معركة استقلال إيران وكسره لعظم التبعية الشاهنشاهي، فإن موقف
الناس منه بعد وفاته 1312هـ، وتشييعهم لجنازته من سامراء إلى النجف (والمسافة تتجاوز 300 كيلومتر) كان «من أعجب الحوادث في حينها إذ حملت على الأعناق في معظم الطريق بين البلدتين فكانت كلما قاربت بلدة خرج أهلها لاستقبالها مسافة ثم ودعوها مسافة.
روى السيد حسن الصدر قصة الجنازة بتفصيل إذ كان من الذين رافقوها طيلة الطريق، فقال ما خلاصته: إنهم حين قاربوا بلدة (بلد) خرج أهلها بالأعلام السود واللطم فحملوا النعش إلى البلدة وبات النعش فيها في تلك الليلة وعند الصباح خرجوا فاستقبلهم أهل الدجيل وحملوا النعش إلى بعد فرسخين أو ثلاثة من الكاظمية حيث كان الكاظميون في استقبالهم وجرى في الكاظمية تشييع عظيم حتى خيف أن ينكسر الصندوق من شدة الزحام، وبات النعش في الحرم الكاظمي، وفي الصباح خرجوا نحو بغداد فاستقبلهم البغداديون حتى الذميين منهم وأرسل المشير رجب باشا الجنود لاستقبال النعش وقد نكسوا بنادقهم بهيئة الحزن وحين وصل النعش إلى جسر الحر وضع على الأرض وأحاط الناس به لاطمين»[1].
[1]الدوري، د عبد العزيز: مصدر سابق 3/122 نقلا عن (آقا بزرك الطهراني).
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الآخوند: بطل الدستور
الشيخ محمد كاظم الهروي الخراساني
1255 - 1329هـ
شهدت بلادنا الإسلامية مؤخرا حركة باتجاه تكريس الدستور ففيما قطعت بعض هذه الدول شوطا كبيرا في إقرار دساتير تلاحظ حقوق الانسان وتؤكد على الحريات وتضبط تصرفات الحاكم، لا تزال بعض الدول الأخرى تتعلل، وتتعطل ولا سيما حين تبرر ذلك بعدم الحاجة إلى الدستور ما دام لدينا القرآن الكريم! وكأن هناك منافاة بين كتابة دستور مدون حديث يستوحي القيم القرآنية وبين وجود القرآن في الأمة!
وربما برر بعض هؤلاء المنع عن كتابة الدستور بأنه فكرة غربية وافدة! وهم في هذا يذكروننا بما نقل عن ناصر الدين شاه أنه كان يحب كل شيء من أوربا، إلا الأفكار السياسية! فهو يريد التحديث والصناعة والحريات الشخصية والاجتماعية، لكن حين تصل المسألة إلى التحديث السياسي بما فيه من انتخابات ودستور ومحاسبة للحاكم ومشاركة من قبل الشعب فإنه يكره ذلك ولا يحب أحدا من شعبه أن يطلع عليه.
وأعجب هؤلاء من يُنظّرون ويكتبون بأن شعوبنا لم تصل حتى الآن إلى درجة استحقاق الديمقراطية، وأن لنا بالتالي (خصوصية) تختلف عن غيرنا! ولا أعلم هل يرون أنفسهم جزءا من هذه الشعوب التي لم تصل إلى درجة الانسان المطالب بحقه، والمسؤول عن مصيره؟ أو أنهم يرون أنفسهم من طينة أخرى! ومن كوكب آخر! وهل يرون أن الحاكمين لهذه الشعوب هم