این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الآخوند: بطل الدستور
الشيخ محمد كاظم الهروي الخراساني
1255 - 1329هـ
شهدت بلادنا الإسلامية مؤخرا حركة باتجاه تكريس الدستور ففيما قطعت بعض هذه الدول شوطا كبيرا في إقرار دساتير تلاحظ حقوق الانسان وتؤكد على الحريات وتضبط تصرفات الحاكم، لا تزال بعض الدول الأخرى تتعلل، وتتعطل ولا سيما حين تبرر ذلك بعدم الحاجة إلى الدستور ما دام لدينا القرآن الكريم! وكأن هناك منافاة بين كتابة دستور مدون حديث يستوحي القيم القرآنية وبين وجود القرآن في الأمة!
وربما برر بعض هؤلاء المنع عن كتابة الدستور بأنه فكرة غربية وافدة! وهم في هذا يذكروننا بما نقل عن ناصر الدين شاه أنه كان يحب كل شيء من أوربا، إلا الأفكار السياسية! فهو يريد التحديث والصناعة والحريات الشخصية والاجتماعية، لكن حين تصل المسألة إلى التحديث السياسي بما فيه من انتخابات ودستور ومحاسبة للحاكم ومشاركة من قبل الشعب فإنه يكره ذلك ولا يحب أحدا من شعبه أن يطلع عليه.
وأعجب هؤلاء من يُنظّرون ويكتبون بأن شعوبنا لم تصل حتى الآن إلى درجة استحقاق الديمقراطية، وأن لنا بالتالي (خصوصية) تختلف عن غيرنا! ولا أعلم هل يرون أنفسهم جزءا من هذه الشعوب التي لم تصل إلى درجة الانسان المطالب بحقه، والمسؤول عن مصيره؟ أو أنهم يرون أنفسهم من طينة أخرى! ومن كوكب آخر! وهل يرون أن الحاكمين لهذه الشعوب هم
من نفس المستوى أو أنهم (سوبر انسان)؟ فإذا كانوا من نفس المستوى وأنهم لا يستطيعون أن يديروا أنفسهم فكيف يديرون ملايين من الناس؟ وإذا لم يبلغوا الرشد السياسي حتى يستحقوا الديمقراطية والشورى كشعوبهم فلماذا يحكمونهم؟ وإذا كانوا من نسيج آخر فليخبروا شعوبهم بذلك!!
إنما هو الاستبداد الذي يتشكل كالحرباء في كل لون، فإذا أمكن السيطرة على الناس بواسطة الدين فليكن الدين! وإذا أمكن السيطرة عليهم بواسطة الفساد المالي فليكن! وإذا أمكن بأشكال أخر فلتكن. المهم أن يدوم العرش والسلطان لهم! وأما حقوق الناس ومشاركتهم فضلا عن محاسبتهم لحاكميهم، فلتكن آخر قضية يتحدث عنها!
قبل أكثر من قرن من الزمان تحرك فقهاء كبار وعلماء أعاظم في الطائفة الشيعية، لكي يجددوا حياة المجتمع السياسية في إيران عبر الدعوة إلى دستور يقيد حركة الحاكم ضمن إطار مصلحة البلد، ويعطي للمجتمع حق المساءلة للحكومة في قراراتها، بل يقرر نوابه ووكلاؤه ما الذي ينبغي أن تصنعه الحكومة وما الذي يجب أن ترفضه.
وكان على رأس المطالبين بذلك والداعين إليه، آية الله العظمى الآخوند[1]الخراساني، صاحب كفاية الأصول، والمرجع المتميز في زمانه. في ما سمي بقضية المشروطة.
وقد تكون الدعوة إلى الدستور اليوم، والحكم البرلماني، من الأمور العادية والشائعة، لكننا لو وضعنا القضية في إطارها الزمني، أي قبل مئة سنة من الزمان حيث لم يكن الوعي السياسي ووسائل الاتصال كما هي اليوم، لوجدنا أنها دعوة متقدمة وسابقة لزمانها كثيرا.
[1]الآخوند: كلمة فارسية معناه العالم الكبير.
هلم عزيزي القارئ لنتعرف على هذا العالم العارف بزمانه والسابق لأوانه في وعيه، وكيف كانت بداياته والظروف التي عاش فيها.
بحسب التصنيف السياسي المعاصر فإن أصول الشيخ الآخوند أفغانية فأبوه من هراة وهي بلدة أفغانية، ولذا يقال له الهروي. وهذا يشير إلى معنى قد أكدنا عليه مرارا؛ أن الشيعة يقدسون العلم دون النظر إلى المنطقة التي يكون منها العالم، فالآخوند الذي أصوله أفغانية يكون مرجعا مع تميزه العلمي للإيراني والعراقي والباكستاني.
أما ولادته فكانت في طوس سنة 1255هـ، ودرس فيها مقدمات العلوم الحوزوية، ثم جاء إلى طهران ابن 22 سنة، وتركها بعد عشر سنوات متجها إلى النجف، قبل وفاة الشيخ الانصاري بأقل من ثلاث سنوات حضر فيها درسه، وبعده حضر عند تلميذ الانصاري الميرزا الشيرازي الكبير الذي كان يشير إليه بالفضيلة، ويحث متوسطي الطلاب على الأخذ منه، ومع هجرة الميرزا إلى سامراء، بقي الآخوند في النجف واستقل فيها بالتدريس، ونمى درسه خصوصا بعد وفاة الميرزا حبيب الله الرشتي 1313هـ حتى بلغ عدد طلابه فيما قيل ألفا من الطلاب، وتخرج على يده من المجتهدين اكثر من مئة وعشرين مجتهدا، بعضهم تسنم سدة المرجعية والبعض الآخر كان له دور في غاية الأهمية في الحوزة العلمية، والتحقيق والبحث.
فمن هؤلاء كان السيد أبو الحسن الإصفهاني، والسيد حسين البروجردي، والشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ محمد حسين الاصفهاني، والشيخ ضياء الدين العراقي، والسيد حسين القمي، والسيد محسن الحكيم، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والسيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد محسن الأمين
العاملي، والشيخ آقا بزرك الطهراني والسيّد صدر الدين الصدر والسيّد هبة الدين الشهرستاني. وغيرهم.
والحديث عن الجانب العلمي في حياة الآخوند مفصل، ويكفي أن يكون قد تخرج على يده كما نقل مترجمو حياته قرابة مئة من المجتهدين، وترك بعده عددا من الكتب لو لم يكن فيها غير كفاية الأصول، لكفى بذلك شاهدا على عظمة الآخوند العلمية، وسيأتي ذكر بعض أسماء كتبه لاحقا.
إلا أن الجانب الاستثنائي الذي ينبغي توجيه النظر إليه هو:
دوره السياسي في الثورة الدستورية (المشروطة):
ولمعرفة هذا الدور نشير بشكل سريع إلى الوضع السياسي الذي عاشته إيران في زمانه، حتى نضع هذا الدور في سياقه الزمني، وسنستفيد مما ذكره الدكتور الوردي وغيره في هذا الصدد:
المشروطة هي حركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران، وسميت بهذا لأن القائمين بها اعتبروا أن مواد الدستور، هي بمثابة الشروط التي يجب أن يتقيد بها الملك في حكم رعيته وهي فكرة مستمدة من نظرية العقد الاجتماعي التي شاعت في أوربا بعد الثورة الفرنسية.
وكان ناصر الدين شاه معجبا بالحضارة الغربية ومنجزاتها إلا أنه كان يخشى تأثير الأفكار الأوربية على رعاياه ويخشى أن تنتشر بينهم فكرة المشروطية.
قتل ناصر الدين شاه في 1896، وجاء مكانه ابنه مظفر الدين شاه، وهو حاكم متهافت الشخصية، ومولع بالشهوات والسفر لأوربا لهذا الغرض، غير أن الخزينة الايرانية كانت فارغة ولم تكن تلبي متطلباته تلك، فالتجأ إلى القروض الأجنبية، واقترض من روسيا مثلا (خلال عامي 1900-1902م مبلغ 4400000) جنيه
أمدته بها في مقابل امتيازات كمركية وتجارية، مما أدى إلى سيطرتهم على السوق وانزعاج التجار، فقاموا بإضراب عام زاد شلل الاقتصاد الذي كان مشلولا بفعل سياسات الحاكم.
عاقبت حكومة مظفر الدين شاه التجار بجلدهم بالسياط، الأمر الذي دعا هؤلاء وعامة الناس إلى الالتجاء لمرقد عبد العظيم والبقاء فيه، محتمين بدعم كبار علماء الدين في طهران. مطالبين فيه بإقالة عين الدولة (رئيس الوزراء) وتأسيس دار للعدالة، فتعهد مظفر الدين شاه بإجابة مطالبهم.
غير أنه ما لبث أن اصيب الشاه بالشلل وسيطر عين الدولة على الوضع، وأمر بالقبض على السيد الطباطبائي أحد زعماء المحتجين، وحصل اصطدام بين الجنود والأهالي سقط فيه عدد من الناس قتلى.
انتهى الأمر بأن عزل الشاه مظفر الدين رئيس الوزراء عين الدولة، ونصب مكانه (نصر الله خان) وهو من انصار المشروطة. وأصدر أمرا بإجراء انتخابات للمجلس النيابي (مجلس الشورى الوطني) الذي قام بوضع دستور 1906، وهو دستور يقوم على المبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان، وأن يكون موافقا للشريعة الإسلامية!!
وقد استقبل الآخوند والعلماء المناصرون للحركة الدستورية افتتاح البرلمان بترحيب كبير، وأرسل الآخوند بيانا في افتتاح البرلمان دعا فيه وكلاء البرلمان لأن يتعاونوا حتى يتحقق إعمار إيران وتقدمها وأن يؤكدوا على استقلالها عن الأجانب، وبالفعل فإن أول قانون أقره البرلمان هو رفض الاقتراض الخارجي.
توفي مظفر الدين شاه وخلفه ابنه محمد علي، وهذا كان سيء السيرة وضد المشروطة، وكان يشيع أن الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية. وبعد سنتين من تأسيس المجلس أعلن الشاه الأحكام العرفية وزعم (أنّ افتتاح المجلس وتحقير
الإسلام توأمان)، وقصف المجلس بالمدافع. وهرب الكثير من زعماء المشروطة أو اختفوا بينما اصدر الشاه أوامره في سائر مدن إيران بقمع أنصار المشروطة، وفي المقابل بدأت المقاومة الشعبية من تبريز التي سيطر عليها أنصار المشروطة ثم رشت، ثم قزوين وأخيرا طهران، حيث هرب الشاه محمد علي ملتجئا إلى السفارة الروسية، وحينها أعلن الثوار بقيادة العلماء عزله عن الحكم.
استفتى الناس العلماء في شأن المشروطة، فكان جواب العلماء الثلاثة: (إن قوانين المجلس على الشكل الذي ذكرتموه هي قوانين مقدسة ومحترمة وهي فرض على جميع المسلمين أن يقبلوا هذه القوانين وينفذوها، وعليه نكرر قولنا: إن الاقدام على مقاومة المجلس العالي بمنزلة الاقدام على مقاومة احكام الدين الحنيف فواجب على المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس)[1].
تم عزل محمد علي شاه من الحكم، ولجأ إلى السفارة الروسية في طهران، وعين ابنه الصغير حاكما مع وصي عليه.
المواجهة على مستويي الاستبداد والانحراف:
كانت إيران قد وصلت إلى أدنى درجات ضعفها بمجيء الحكام القاجاريين بدءا من ناصر الدين شاه، الذي كان مهزوما في داخله بقدر ما كان متأثرا بمنجزات الحضارة الغربية، ولم يكن يحمل في داخله همّاً وطنيا، بل أصبحت إيران في عهده مسرح تنافس بين البريطانيين والروس بحيث كان كل فريق يضغط على الشاه لتحصيل إمكانات وصلاحيات إذا حصل الفريق الآخر عليها، وبلغ الحال إلى أنهم كانوا يتدخلون في الدولة بنحو كما يقول ناصر الدين شاه في مذكراته: عندما أريد أن أذهب إلى شمال ايران يعترض الروس، وإذا اردت الذهاب إلى الجنوب يعترض الانكليز.
[1]نقل بالمعنى وبتصرف من لمحات اجتماعية من تاريخ العراق 3. 118 د. علي الوردي.
وكان الوضع أيام ولده مظفر الدين أسوأ حيث أنغمس هذا في ملذاته، وأفرغ الخزينة بمصروفاته على شهواته والحاشية السيئة المحيطة به، ومن الطبيعي أن لا يقبل هؤلاء دستورا وبرلمانا شعبيا يحاسب الحاكم ويقرر في شؤون الميزانية.
وقد أصدر الآخوند بيانا شديد اللهجة يعارض فيه توجه مظفر الدين شاه للاقتراض من الدول الأجنبية لأن ذلك من شأنه أن يهدد استقلال إيران، ويجعلها رهينة لتلك الدول. ودعاه فيها إلى التراجع عن ذلك، وفي المقابل إلى إقرار الدستور والانتخابات النيابية. كما دعا عامة الشعب إلى الاصطفاف خلف دعاة الدستور (المشروطة). ولعل هذا بعد الحركة الشعبية من الأسباب المهمة التي جعلت مظفر الدين شاه يستجيب ويعلن الانتخابات النيابية، والتي نتج عنها مجلس الشورى الوطني، وهذا وضع الدستور المعروف بدستور 1906 م.
بعد انقلاب محمد علي شاه على الدستور والمجلس النيابي وقصفه للمجلس وإعلانه الأحكام العرفية ومطاردته لزعماء المشروطة ومؤيديها، بعث الآخوند الخراساني للشاه محمد علي رسالة احتجاج قوية، قال فيها: أنه بمجيء القاجاريين جزئت إيران وفقدت ثلثيها التاريخيين والثلث الثالث هو تحت سلطة الأجانب!
ودعى في نهاية الرسالة التي وزعت على الجمهور إلى مقاومة هذا السفاك الجبار، والعصيان المدني عليه.
وكان مع الآخوند في رسائله وبياناته عدد مهم من الآيات العظام والفقهاء الكبار، يوقعون عليها ولكن المتصدر في ذلك هو الآخوند نفسه. وقد نظّر لهذه الحركة من الجهة الفقهية وأصّلها علميا أحد أهم أعوان الآخوند وهو الميرزا النائيني في كتابه المهم: تنبيه الملة وتنزيه الأمة، والذي أوضح فيه مساوئ الاستبداد من جهة، ومشروعية الانتخابات والمجلس والدستور.
وعلى أثر الرسالة التي وقعها عدد من العلماء والقاضي بعدم كفاءة محمد علي