وكان الوضع أيام ولده مظفر الدين أسوأ حيث أنغمس هذا في ملذاته، وأفرغ الخزينة بمصروفاته على شهواته والحاشية السيئة المحيطة به، ومن الطبيعي أن لا يقبل هؤلاء دستورا وبرلمانا شعبيا يحاسب الحاكم ويقرر في شؤون الميزانية.
وقد أصدر الآخوند بيانا شديد اللهجة يعارض فيه توجه مظفر الدين شاه للاقتراض من الدول الأجنبية لأن ذلك من شأنه أن يهدد استقلال إيران، ويجعلها رهينة لتلك الدول. ودعاه فيها إلى التراجع عن ذلك، وفي المقابل إلى إقرار الدستور والانتخابات النيابية. كما دعا عامة الشعب إلى الاصطفاف خلف دعاة الدستور (المشروطة). ولعل هذا بعد الحركة الشعبية من الأسباب المهمة التي جعلت مظفر الدين شاه يستجيب ويعلن الانتخابات النيابية، والتي نتج عنها مجلس الشورى الوطني، وهذا وضع الدستور المعروف بدستور 1906 م.
بعد انقلاب محمد علي شاه على الدستور والمجلس النيابي وقصفه للمجلس وإعلانه الأحكام العرفية ومطاردته لزعماء المشروطة ومؤيديها، بعث الآخوند الخراساني للشاه محمد علي رسالة احتجاج قوية، قال فيها: أنه بمجيء القاجاريين جزئت إيران وفقدت ثلثيها التاريخيين والثلث الثالث هو تحت سلطة الأجانب!
ودعى في نهاية الرسالة التي وزعت على الجمهور إلى مقاومة هذا السفاك الجبار، والعصيان المدني عليه.
وكان مع الآخوند في رسائله وبياناته عدد مهم من الآيات العظام والفقهاء الكبار، يوقعون عليها ولكن المتصدر في ذلك هو الآخوند نفسه. وقد نظّر لهذه الحركة من الجهة الفقهية وأصّلها علميا أحد أهم أعوان الآخوند وهو الميرزا النائيني في كتابه المهم: تنبيه الملة وتنزيه الأمة، والذي أوضح فيه مساوئ الاستبداد من جهة، ومشروعية الانتخابات والمجلس والدستور.
وعلى أثر الرسالة التي وقعها عدد من العلماء والقاضي بعدم كفاءة محمد علي
شاه، ووجوب عزله حصلت تحركات في مختلف محافظات إيران، فابتدأت في تبريز وامتدت إلى رشت حيث اصطدم أنصار الدستور بالقوات الحكومية وانتصروا عليها، وهكذا تصاعدت هذه الحركة في المناطق، انتهت إلى لجوء محمد علي شاه إلى السفارة الروسية.
نجح أنصار الحركة الدستورية،في السيطرة على الأوضاع وأصبحوا الحاكمين، وبدأت مشاكل ما بعد الانتصار، فالولايات التي بدأت الحركة وواجهت جنود الشاه كانت تريد الأولوية، وزعماء القبائل الذين سيطروا على الأوضاع في مناطقهم كانوا يريد الثمن، وأسوأ من هؤلاء كان العلمانيون الذين كانوا يريدون دولة من غير دين ولا علماء ويعلنون عن ذلك صراحة وقد اصبح لهم صولة وجولة لا سيما في المجلس النيابي، وهؤلاء بدؤوا بتطبيق الفهم الخاطئ للحرية غير المقيدة بقيد.
بل بلغ الأمر بمتطرفيهم أن بدؤا يتتبعون من كان مخالفا للحركة الدستورية، فبدؤوا بمضايقتهم وحتى اغتيالهم، بل حتى اغتيال من كان مؤيدا للحركة الدستورية المقيدة بالشريعة، كما حصل للسيد عبد الله البهبهاني.
بل إنهم كشفوا عن وجههم الأصلي بفترة قصيرة، في ارتباطهم بالأجانب، فبعد سيطرة المتغربين على المجلس أصدروا قانونا بتعيين مستشار مالي من أمريكا وهو (مورجان شوستر) لمدة 3 سنوات على أنه مدير البنك المركزي لإيران والمسؤول عن الخزانة.
ونظرا لنفوذ روسية في إيران نظرا لما قدمته من قروض لمحمد علي شاه وأبيه هددت روسية أنه إن لم يعزل شوستر ستحتل شمال إيران، وتتقدم باتجاه طهران، وفي المقابل هددت بريطانيا بأنه إن لم يعزل فستأخذ الجنوب وتديره كما تشاء.
وهكذا سرق المتغربون الحركة الدستورية من الشارع العلمائي الديني، وساروا بها باتجاه أهدافهم، وسجنوا الشيخ فضل الله النوري الذي كان يطالب بمشروعية
المشروطة من خلال تعيين المجتهدين كجهة إشراف على الأحكام الصادرة من المجلس، وهنا تحرك الآخوند ورأى أن الحركة التي كانت في الاتجاه الصحيح قد سرقت، وذلك يؤذن بخطر كبير، وأن لهؤلاء نية سوء في حق الشيخ النوري فأرسل رسالة يحتج فيها على أعمالهم، ويطالبهم فيها بترك الاضطهاد لمن يختلف معهم، ولكن أخفاها هؤلاء إلى أن تم إعدام الشيخ النوري، وقد حزن الآخوند لأجله، وأقام الفاتحة على روحه.
كانت قيادة العلمانيين في الحركة الدستورية بيد تقي زاده، فأصدر الآخوند والمازندراني أمرا بإخراجه من المجلس، لكونه ضد مصالح إيران والإسلام، وبالفعل فلم يكن بُدٌّ أمام تقي زاده الذي كان يصرح باستمرار أنه لن تتقدم إيران إلا بترك الإسلام خلفها، وتتبع أوربا، لم يكن أمامه بد من أن يخرج من إيران ويستقر في أوربا.
وبطبيعة الحال فإن ظهور هؤلاء في واجهة الحركة الدستورية قد أصابها في المقتل، ذلك أن الكثير من العلماء، وطبقات الشعب رأت أن (نار الشاه خير من جنة الدستوريين) وذلك أن الشاه وإن كان ظالما دنيويا إلا أنه يحترم دين الناس، وهؤلاء لم يتمكنوا حتى الآن ومع ذلك أعلنوا الحرب على دين الشعب وعلمائه! وفي نفس الوقت لم يصنعوا شيئا لدنيا الناس فقد عينوا الأجانب مرة أخرى لإدارة الاقتصاد الوطني، فلا دينهم معهم بخير ولا دنياهم.
كتب وتأليفات:
ذكر مترجمو حياة الآخوند الخراساني له عددا من الكتب الفقهية والاصولية، ونحن ننقلها كما ذكروها[1]:
[1]مقال عن أعلام المرجعية الشيعية في موقع مؤسسة زين الدين للمعارف الإسلامية الالكتروني.
الاجتهاد والتقليد.
الأصول في مباحث الألفاظ.
تعليقه على كتاب الطهارة.
تعليقه على أسفار ملا صدرا الشيرازي.
تعليقه على منظومة السبزواري.
التكملة للتبصرة، تلخيص كتاب التبصرة للعلامة الحلي.
تعليقه (حاشية) على رسائل الشيخ الأنصاري في الأصول.
حاشية على كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري.
درر الفوائد في شرح الفرائد، تحقيق مهدي شمس الدين.
رسالة في الدماء الثلاثة (الحيض، والاستحاضة، والنفاس).
رسالة في الطلاق، لم تكمل.
رسالة في الإجازة، لم تكمل.
رسالة في العدالة.
رسالة في الوقف.
رسالة في الرضاع.
روح المعاني في تلخيص نجاة العباد.
روح الحياة في تلخيص نجاة العباد، وأضاف عليها فتاوى فقهية لمقلديه.
شرح التبصرة.
الشذرات والقطرات.
شرح تكملة التبصرة.
شرح خطبة (أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به) الموجود في كتاب «نهج البلاغة»، بقلم تلميذه الشيخ عبد الرسول الأصفهاني.
الفوائد الأصولية والفقهية، يحتوي على خمس عشرة فائدة.
قطرات من يراع بحر العلوم، أو شذرات من عقدها المنظوم، وهو عدة رسائل جمعت بعد وفاته، وذلك عام 1331هـ.
القضاء والشهادات، لم يتم.
كفاية الأصول، يقع في جزئين، أحدهما في مباحث الألفاظ، والثاني في الأدلة العقلية.
اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة.
منهج الرشاد.
ويظهر أن شهرته العلمية قد تجاوزت النجف الأشرف لتصبح على مستوى العالم الإسلامي فقد نقلوا أنه تلقى حاكم النجف العثماني يومذاك من آل الآلوسي في الأستانة كتابا جاء فيه: بلغنا أن عالما خراسانيا ظهر في النجف، وجدد معالم الأصول، وأنه في هذا العصر كالعضدي في زمانه، فأرسل ترجمته بقدر ما تستطيع[1].
بل قالوا أن شيخ الإسلام نفسه اشتاق لرؤية الآخوند، والارتشاف من نمير علمه، فزار العراق على أساس زيارة قبر أبي حنيفة في بغداد، ومن ثمّ عرَّج على مدينة النجف الأشرف ليشاهد الحوزة التي مضى عليها حوالي الألف عام، فدخل إلى مسجد الطوسي، حيث كان الآخوند يلقي درسه، فلمّا رآه وهو يدخل قام بنقل
[1]المصدر السابق.
البحث إلى قول أبي حنيفة حول المطلب الذي كان يشرحه، وشرع ببيانه على أحسن ما يرام.
فاندهش شيخ الإسلام من قدرة الآخوند على مباني أبي حنيفة وغيره من أئمّة السنّة، ويقال: إن جُلَّ حديثه في سفره عند رجوعه إلى بلده كان يدور حول شخصية الآخوند، ومكانته العلمية.
وفاة الآخوند:
كما ذكرنا آنفا فإن هذا المرجع الكبير على أثر قيام الروس باحتلال قزوين، عطل درسه ودعا للجهاد لكي يخرج، وقبل خروجه بيوم واحد. توفي ويعتقد أنه مات مسموما!
عروة الفقه الوثقى
السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
1248 - 1337هـ
من الذرية من يكون مصداق الدعاء (هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)، فيحيي اسم أبيه وعائلته بل منطقته، ولولا هذه الحياة التي يعطيها هذا الولد لانطمس ذكر الوالد بل والعائلة في ملايين البشر الذين ينطفئ ذكرهم.
بلى! من بلدة يزد الراقدة في الصحراء في وسط إيران، انطلق ابن فلاح كلّ فنه ان يزرع الرمان، ليصبح هذا الولد مرجع العرب ومفتدى نفوسهم ومحل استمداد بركتهم، وفقيه الشيعة بحيث يصبح كتابه (متن) الفقه، وآراء سائر العلماء عليه (حواشي)! وليقود العمل السياسي ضد الاستعمار الايطالي بيانا وموقفا، والبريطاني عملا عسكريا، وضد الاحتلال الروسي استعدادا وتحشيدا!
نعم! كان ذلك هو السيد محمد كاظم الذي ولد في يزد في سنة 1248هـ، وتوجه إلى الدراسة الدينية في منطقته في البداية ثم مشهد واصفهان حيث أخذ العلم عن ابن الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب حاشية (هداية المسترشدين) وأخيرا قدم إلى النجف سنة 1281هـ، سنة وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري رحمة الله ، ولذلك لم يحظَ بشرف الحضور في درسه، وإنما درس على يد تلامذته، وكان أهمهم الميرزا الشيرازي الكبير السيد محمد حسن ودرس على يد آية الله الشيخ راضي النجفي والشيخ مهدي آل كاشف الغطاء.
على يد هؤلاء الأعاظم أصبح من أعاظم المجتهدين الفقهاء، وينبغي أن نلاحظ أن كلمة الاجتهاد لكثرة ما أطلقت على من لا يستحقها، قد أصبحت مبتذلة بما يكفي!
ولو نظرنا إلى مقاييس الاجتهاد التي تمثلها شخصية كشخصية السيد اليزدي رحمة الله لرأينا مستوى رفيعا جدا من التخصص الفقهي والأصولي والرجالي واللغوي يحتاج إلى عشرات السنين من الدرس والتحقيق والبحث. وهذا الأمر يلحظه العارفون ففي كل مسألة فقهية من مسائل العروة الوثقى كما سيأتي الحديث عنها تجد تجليا لتلك الملكة الاجتهادية والقدرة الاستنباطية، وفي كل تعبير يلحظ المتخصصون عناية خاصة، ناظرة إلى جهة من جهات الدليل، فليس غريبا بعد ذلك أن تكون العروة الوثقى مدار البحث والتحقيق في دروس (خارج الفقه) منذ أن كتبت وإلى يومنا هذا.
إن ما نشاهده من تمييع لمستوى الاجتهاد في مدرسة الخلافة، بحيث يصبح في كثير من الموارد مرادفا للتخرج بشهادة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية!! كما يلاحظ في تعيين القضاة وأن القاضي مجتهد يفتي برأيه مع أنه لم يقض غير سنوات أربع في كلية الشريعة!
بل ما نشاهده من التسرع في إدعاء الاجتهاد في مدرسة الإمامية، من قبل بعض طلاب العلم الذين ربما أحسنوا الظن بأنفسهم، وكانت ثقتهم عالية بها، فتعجلوا في أمر كانت الخيرة في التريث فيه!
ما نشاهده، لا ينبغي أن يهون نظرتنا إلى مستوى الاجتهاد في تجلياته العالية، وأمثلته السامية كمثال السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه. وعلينا أن ننظر إلى النتائج فقد تجد حصيلة فكر اجتهادي يبقى مئة عام محور الدرس والبحث والنقد والرد من قبل مئات المدرسين والباحثين والعلماء، وبين رأي آخر لا يلتفت إليه سوى قائله!