البحث إلى قول أبي حنيفة حول المطلب الذي كان يشرحه، وشرع ببيانه على أحسن ما يرام.
فاندهش شيخ الإسلام من قدرة الآخوند على مباني أبي حنيفة وغيره من أئمّة السنّة، ويقال: إن جُلَّ حديثه في سفره عند رجوعه إلى بلده كان يدور حول شخصية الآخوند، ومكانته العلمية.
وفاة الآخوند:
كما ذكرنا آنفا فإن هذا المرجع الكبير على أثر قيام الروس باحتلال قزوين، عطل درسه ودعا للجهاد لكي يخرج، وقبل خروجه بيوم واحد. توفي ويعتقد أنه مات مسموما!
عروة الفقه الوثقى
السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي
1248 - 1337هـ
من الذرية من يكون مصداق الدعاء (هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)، فيحيي اسم أبيه وعائلته بل منطقته، ولولا هذه الحياة التي يعطيها هذا الولد لانطمس ذكر الوالد بل والعائلة في ملايين البشر الذين ينطفئ ذكرهم.
بلى! من بلدة يزد الراقدة في الصحراء في وسط إيران، انطلق ابن فلاح كلّ فنه ان يزرع الرمان، ليصبح هذا الولد مرجع العرب ومفتدى نفوسهم ومحل استمداد بركتهم، وفقيه الشيعة بحيث يصبح كتابه (متن) الفقه، وآراء سائر العلماء عليه (حواشي)! وليقود العمل السياسي ضد الاستعمار الايطالي بيانا وموقفا، والبريطاني عملا عسكريا، وضد الاحتلال الروسي استعدادا وتحشيدا!
نعم! كان ذلك هو السيد محمد كاظم الذي ولد في يزد في سنة 1248هـ، وتوجه إلى الدراسة الدينية في منطقته في البداية ثم مشهد واصفهان حيث أخذ العلم عن ابن الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب حاشية (هداية المسترشدين) وأخيرا قدم إلى النجف سنة 1281هـ، سنة وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري رحمة الله ، ولذلك لم يحظَ بشرف الحضور في درسه، وإنما درس على يد تلامذته، وكان أهمهم الميرزا الشيرازي الكبير السيد محمد حسن ودرس على يد آية الله الشيخ راضي النجفي والشيخ مهدي آل كاشف الغطاء.
على يد هؤلاء الأعاظم أصبح من أعاظم المجتهدين الفقهاء، وينبغي أن نلاحظ أن كلمة الاجتهاد لكثرة ما أطلقت على من لا يستحقها، قد أصبحت مبتذلة بما يكفي!
ولو نظرنا إلى مقاييس الاجتهاد التي تمثلها شخصية كشخصية السيد اليزدي رحمة الله لرأينا مستوى رفيعا جدا من التخصص الفقهي والأصولي والرجالي واللغوي يحتاج إلى عشرات السنين من الدرس والتحقيق والبحث. وهذا الأمر يلحظه العارفون ففي كل مسألة فقهية من مسائل العروة الوثقى كما سيأتي الحديث عنها تجد تجليا لتلك الملكة الاجتهادية والقدرة الاستنباطية، وفي كل تعبير يلحظ المتخصصون عناية خاصة، ناظرة إلى جهة من جهات الدليل، فليس غريبا بعد ذلك أن تكون العروة الوثقى مدار البحث والتحقيق في دروس (خارج الفقه) منذ أن كتبت وإلى يومنا هذا.
إن ما نشاهده من تمييع لمستوى الاجتهاد في مدرسة الخلافة، بحيث يصبح في كثير من الموارد مرادفا للتخرج بشهادة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية!! كما يلاحظ في تعيين القضاة وأن القاضي مجتهد يفتي برأيه مع أنه لم يقض غير سنوات أربع في كلية الشريعة!
بل ما نشاهده من التسرع في إدعاء الاجتهاد في مدرسة الإمامية، من قبل بعض طلاب العلم الذين ربما أحسنوا الظن بأنفسهم، وكانت ثقتهم عالية بها، فتعجلوا في أمر كانت الخيرة في التريث فيه!
ما نشاهده، لا ينبغي أن يهون نظرتنا إلى مستوى الاجتهاد في تجلياته العالية، وأمثلته السامية كمثال السيد اليزدي رضوان الله تعالى عليه. وعلينا أن ننظر إلى النتائج فقد تجد حصيلة فكر اجتهادي يبقى مئة عام محور الدرس والبحث والنقد والرد من قبل مئات المدرسين والباحثين والعلماء، وبين رأي آخر لا يلتفت إليه سوى قائله!
فقيه من الطراز الأول وتلامذة مؤثرون:
بالرغم من أن السيد اليزدي لم يكن له تلامذة كثيرون في أول الأمر كما ذكر مترجمو سيرته إلا أنه وخصوصا بعد أن آلت إليه المرجعية بوفاه أستاذه الميرزا محمد حسن الشيرازي سنة 1312هـ تكثر طلابه وبرز منهم فقهاء مجتهدون على خطى أستاذهم في المنزلة الرفيعة. وقد لاحظ هؤلاء أن «حوزته الباهرة في هذه الأواخر أجمع و أوسع و أسدّ و أنفع من أكثر مدارس فقهاء عصره و فضلاء مصره».
ويذكر عنه أنه كان بالاضافة إلى ذكائه الحاد، وهيمنته على المباني الأصولية والرجالية والقواعد الفقهية، كان يمتلك حافظة قوية تسعفه حين الاستدلال بذكر الشواهد والأشباه والنظائر[1]بل الروايات بأسانيدها، مما كان يفتقده غيره من معاصريه.
كما أنه كان يربي طلابه على النقاش والحوار، ويشجعهم على ذلك، فلا يمر بالمباحث العلمية سريعا، ولم يكن يهمل إشكالات وتساؤلات تلامذته، فإذا أشكل عليه أحد طلابه كما هو معتاد في بحوث الخارج استلم الاشكال منه، وربما قواه في بداية الأمر، وصنع له شكلا علميا، ثم بدأ في رده بعنوان أنه لو قيل بهذا فيكون جوابه بهذا النحو.
[1]نقل أحد تلامذة الشيخ آقا ضياء الدين العراقي الفقيه والأصولي البارز في عصرنا الحاضر عنه القصة التالية قال: كنت أتمشى على ساحل شط الكوفة، وفي هذه الأثناء جاء السيد اليزدي وانشغل بخلع ملابسه لكي يسبح في الشط، فلما وصلت له سلمت عليه وحييته، فاجابني وسأل عن أحوالي، وقال: أي درس تحضر، فقلت له: درس الآخوند! فقال في أي مسألة يبحث الآن فأخبرته عن مسألة اليوم التي طرحها وقررتها له بشكل جيد، فقال لي، وهو مشغول بلبس إزار للسباحة، وماذا كان نظر الاستاذ في هذه المسألة؟ فأخبرته برأيه، فذكر عددا من موارد النقض من أبواب مختلفة على رأي أستاذي، التي أدهشتني لكثرتها، بينما كان يقول لي: فكر في هذه الموارد إلى أن أنتهي من السباحة! إلا أني رأيت أنني لا أستطيع أن أجيب على كل تلك الموارد، فانسحبت بسرعة قبل أن يخرج من الماء حتى لا أحرج معه! (معربة عن مقدمة كتاب سؤال و جواب) للسيد اليزدي؛ بتحقيق السيد مصطفى المحقق الداماد ص: 2.
ذلك المحفل العلمي أنتج عددا من فحول العلماء الفقهاء، كان منهم:
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: الذي برز في سماء النجف لا سيما بعد وفاة أستاذه اليزدي وقد التصق بالاستاذ كما اختصه وأخاه شيخ أحمد بالاهتمام، وقد نقل بعضهم أن تحرير العروة وصياغتها وهي متينة ترجع إلى أن الشيخين محمد حسين وأحمد كانا يحرران المسألة ويريان رأي السيد فيها ويعرضانها عليه. له عدد كبير من المؤلفات النافعة فقهية وعقدية وفكرية.
الشيخ أحمد كاشف الغطاء، الأخ الأصغر للشيخ محمد حسين.
السيد حسن المدرس: بعد أن حضر في درس السيد اليزدي قرابة سبع سنوات، عاد إلى إيران وقد انتخب واحدا من المجتهدين الناظرين على القوانين التي يسنها مجلس الشورى بحيث لا تكون مخالفة لأحكام الشريعة. وقد استمر في هذا الموقع لسان حق وجرأة خمس دورات برلمانية، إلى اغتاله أعوان البهلوي الأول سنة 1357هـ.
السيد حسين الطباطبائي البروجري، أحد مراجع التقليد الذين رجع الناس إليهم في إيران، وكان بمثابة زعيم الحوزة العلمية فيها.
السيد حسين القمي، من أعاظم العلماء ومراجع التقليد أيضا.
الشيخ محسن (آقا بزرك) الطهراني، يأتي الحديث عنه مستقلا.
الشيخ محمد حسن المظفر.
السيد هبة الدين الشهرستاني، العالم المعروف والسياسي البارز.
وغيرهم ممن أوصل الباحث الجبوري[1]عددهم إلى قرابة 350 عالما فاضلا ومجتهدا فقيها.
[1]الجبوري كامل سلمان. السيد محمد كاظم اليزدي: سيرته وأضواء على مرجعيته ومواقفه، نسخة الكترونية من
http://www. صلى الله عليه وآله lh صلى الله عليه وآله ss صلى الله عليه وآله n صلى الله عليه وآله in.com/
من أدواره السياسية:
تعرض السيد اليزدي أعلى الله مقامه، إلى تجنٍّ كبير على شخصيته من قبل بعض الكتاب حيث وصمه بعضهم بعدما لم يكلف نفسه بالبحث الدقيق بأنه من أنصار الاستبداد وأنه لم يكن على وعي سياسي كاف.
والناظر إلى أدواره السياسية المختلفة يجد فيه فقيها مجاهدا، وعالما واعيا، يتحرك في أكثر من صعيد لمحاربة الاستعمار والنفوذ الأجنبي في بلاد المسلمين، ولم يكن يرى نفسه وقفا على إيران أو على الشيعة حتى، بل كان يرى دائرة مسؤوليته تمتد لتشمل الدفاع عن بلاد المسلمين عموما.
ففي بيان له[1]قال ما ترجمته بالعربية:
بسم الله الرّحمن الرّحيم
في مثل هذا اليوم الذي حملت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية كإيطاليا على طرابلس الغرب من جهة، والروس من جهة أُخرى أشغل شمال إيران بعساكره والإنكليز، أنزل عساكره في جنوب إيران وأحدث بالإسلام خطر اضمحلاله.
فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم، أن يستعدّوا لدفاع الكفار عن ممالك الإسلام، ولا يتقاعدوا بكل صورة عن بذل أنفسهم وأموالهم في سبيل إخراج إيطاليا من طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروس والإنكليز من إيران، فإنّ ذلك أهم الفرايض الإسلامية؛ لكي يُحفظ بعون الله المملكتان الإسلاميتان العثمانية والإيرانية من مهاجمة الصليبيين.
حرّره الأحقر
محمد كاظم الطباطبائي
[1]فقيه دور انديش، نقلا عن سليم الحسني. دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار وأيضا المصدر السابق.
على صعيد مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق فقد شارك السيد اليزدي مشاركة فعالة من خلال تحريك عشائر العراق الذين كانوا يرجعون في التقليد إليه، الأمر الذي أدهش البريطانيين حيث أنهم كانوا يتوقعون موقفا سلبيا على الأقل من الشيعة بالنسبة لاحتلالهم العراق إن لم يكن مؤيدا لهم، نظرا للظلم والاضطهاد الذي وقع عليهم أيام الأتراك العثمانيين. وبالمنطق السياسي المجرد فإنهم يتوقعون منهم أن يجدوا في هزيمة العثمانيين الأتراك أمام البريطانيين نصرا.
إلا أن المرجعية الشيعية في النجف الأشرف تحركت بحزم لمقاومة الاحتلال البريطاني، وشارك أبناء السيد اليزدي في العمل العسكري المباشر، حتى استشهد أحدهم في المعركة وهو السيد محمد.
ويقول بعض المؤرخين بأن البريطانيين بعدما استطاعوا هزيمة الأتراك، واحتلال العراق أرادوا أن يؤدبوا العشائر وأهل النجف، نظرا لمواقفهم القوية تجاه البريطانيين، فأرسلوا للسيد اليزدي رسولا يقول له بان النجف سيتم قصفها، وأنهم لا يريدون تعريضه للأذى فالأفضل أن يخرج من النجف. فسألهم: هل يخرج وحده أو مع عائلته؟ فقالوا بل مع العائلة! فأجابهم أن أهل النجف كلهم عائلته، وأن ما يصيبهم يصيبه، وهو جالس بينهم!
وأما موقفه في قضية المشروطة، فلا بد من الاقرار بوجود اختلاف بين العلماء الذين عاشوا تلك الفترة في تحديد أن مصلحة الدين والشعب في أين تكمن؟ وبناء على ذلك اختلفت أدوارهم حماسة أو تريثا لموضوع الحركة الدستورية.
ففيما كان الشيخ الآخوند الخراساني ومن تبعه من أنصار الحركة الدستورية يرون أن أهم قضية ينبغي الاهتمام بها هو تحديد صلاحيات الملوك والسلاطين القاجار، وإعطاء سلطة أكبر للشعب من خلال الانتخابات النيابية والمجلس
البرلماني، كان يتخوف المتريثون في أمر الحركة الدستورية من سيطرة المتغربين على الأوضاع حيث أن الكفاءات المطلوبة كانت في جانبهم أكثر من المتدينين، وكانوا يحصلون على الدعم الأجنبي بشكل كبير، وهؤلاء لم يكونوا يخفون أنه يريدون مجتمعا بلا حاكمية للدين فيه، وحرية بلا حدود، وتغريبا يلحق إيران بالغرب بشكل صريح وواضح وسريع أيضا. وعلى رأس هؤلاء كان المعروف تقي زاده.
فهؤلاء لم يكن عبثا إصرارهم على أن يكون اسم المجلس (مجلس شوراي ملي) أي مجلس الشورى الوطني بدل الإسلامي، ولم يكن غريبا تصريح أحد منظريهم وهو ميرزا ملكم خان الذي قال: كنت أرى أنه يمكن تغيير إيران إلى أوربا وأن نستفيد من المجتمع الديني في هذا الأمر، لكني علمت فيما بعد أن هذا غير ممكن، ولذا دعوت خصوصا في المحافل الخاصة إلى (إسلام زدائي) أي إلى حذف الإسلام!
وهؤلاء كان لهم أيضا مواقف متشنجة من السيد اليزدي، فقد حاولوا اغتيال السيد في مجلسه بارسال شخص ممن يتعاطف معهم لقتله، وبدؤوا بالارجاف حول بيته لولا أن طوقت العشائر بيت السيد وحمته منهم!
إننا نعتقد أن السيد اليزدي كان يرى الخطر الناشئ من السلاطين القاجاريين وإن كان كبيرا إلا أنه أهون من الخطر المترقب من المتغربين، فإن السلاطين القاجاريين كانوا فسقة وشهوانيين وفاسدين في أنفسهم، ولكن لم يكن لهم برنامج تغريبي للمجتمع يصرون عليه، بعكس هؤلاء المتغربين الذين كانوا يقولون ذلك وينشرونه في الصحافة و(بالفم المليان) ويعملون على ذلك جهارا نهارا.
وربما لهذا السبب التقى في النتيجة أنصار الحركة الدستورية من أتباع الآخوند، مع رأي السيد اليزدي في أن المطلوب هو مشروطة مشروعة، أي حركة دستورية