البرلماني، كان يتخوف المتريثون في أمر الحركة الدستورية من سيطرة المتغربين على الأوضاع حيث أن الكفاءات المطلوبة كانت في جانبهم أكثر من المتدينين، وكانوا يحصلون على الدعم الأجنبي بشكل كبير، وهؤلاء لم يكونوا يخفون أنه يريدون مجتمعا بلا حاكمية للدين فيه، وحرية بلا حدود، وتغريبا يلحق إيران بالغرب بشكل صريح وواضح وسريع أيضا. وعلى رأس هؤلاء كان المعروف تقي زاده.
فهؤلاء لم يكن عبثا إصرارهم على أن يكون اسم المجلس (مجلس شوراي ملي) أي مجلس الشورى الوطني بدل الإسلامي، ولم يكن غريبا تصريح أحد منظريهم وهو ميرزا ملكم خان الذي قال: كنت أرى أنه يمكن تغيير إيران إلى أوربا وأن نستفيد من المجتمع الديني في هذا الأمر، لكني علمت فيما بعد أن هذا غير ممكن، ولذا دعوت خصوصا في المحافل الخاصة إلى (إسلام زدائي) أي إلى حذف الإسلام!
وهؤلاء كان لهم أيضا مواقف متشنجة من السيد اليزدي، فقد حاولوا اغتيال السيد في مجلسه بارسال شخص ممن يتعاطف معهم لقتله، وبدؤوا بالارجاف حول بيته لولا أن طوقت العشائر بيت السيد وحمته منهم!
إننا نعتقد أن السيد اليزدي كان يرى الخطر الناشئ من السلاطين القاجاريين وإن كان كبيرا إلا أنه أهون من الخطر المترقب من المتغربين، فإن السلاطين القاجاريين كانوا فسقة وشهوانيين وفاسدين في أنفسهم، ولكن لم يكن لهم برنامج تغريبي للمجتمع يصرون عليه، بعكس هؤلاء المتغربين الذين كانوا يقولون ذلك وينشرونه في الصحافة و(بالفم المليان) ويعملون على ذلك جهارا نهارا.
وربما لهذا السبب التقى في النتيجة أنصار الحركة الدستورية من أتباع الآخوند، مع رأي السيد اليزدي في أن المطلوب هو مشروطة مشروعة، أي حركة دستورية
ضمن إطار الدين، ويكون البرلمان تحت نظارة المجتهدين لكيلا يسن القوانين المخالفة للشريعة.
إن الذي جعل السيد اليزدي يتخذ موقفا مخالفا لما كان يجري، هو أن الوضع على الارض كان يسير باتجاه سريع نحو الانفلات الاخلاقي أراده المتغربون كذلك من خلال الاستغلال السيء للحرية التي هي مطلب صحيح وخيّر.
«وممّا يؤيّد هذا الرأي[1]مسوّدة البرقيّة التي بعثها إلى الآخوند الآملي نصّها:
من النجف. رقم 676
حضرة ثقة الإسلام الآملي دامت بركاته:
لقد تملّكنا القلق من تجرّؤ المبتدعين، وإشاعة كفر الملحدين، نتيجة الحرية الزائفة، وسوف لن يتمكّنوا من تنفيذ مآربهم بعون الله، وبالطبع فإنّ الوقوف بوجه الكفر، وصيانة العقيدة، وتطبيق القوانين القرآنية القويمة والشريعة المحمّدية الأبدية، يُعتبر من أهم فرائض العلماء الربّانيين، مع الأخذ بعين الاعتبار الأسباب الموجبة لصلاح وصون الدين ودماء المسلمين، لا بأس من بذل الجهود في هذا الصدد.
23 جمادى الأُولى 1325هـ
محمد كاظم اليزدي
وهذا هو السبب الذي جعل آية الله الشيخ فضل الله النوري يواجه تلك المجموعة، فحسب على أنه من أنصار الاستبداد، واعتقل من بيته بواسطة هؤلاء الذين يدعون إلى الحرية ويفترض أنهم قد ثاروا على الاستبداد فلم يتحملوا
[1]الجبوري، 184 مصدر سابق نقلا عن سليم الحسنى في كتابه: دور علماء الشيعة في محاربة الاستعمار.
رأيا مخالفا لهم، واعتقل ثم أجريت له محاكمة صورية سريعة وعلق على حبل المشنقة!!
هذا الأمر الذي حدا ببعض المعاصرين لتلك الفترة، أن يقولوا (أردناه خلاّ فخرج خمراً). ونفس هؤلاء هم الذين قاموا باغتيال السيد عبد الله البهبهاني في منزله!
فقيه العروة الوثقى:
يدل الكتاب على فضل صاحبه ومنزلته، وبالذات في المواضيع الاجتهادية، التي يُقرأ من خلال نتائجها الطريقة التي أعمل صاحب الرأي أدواته حتى وصل إلى تلك النتيجة، وبالتالي يمكن للانسان المتخصص أن يلاحظ أن استخدامة لتلك الأدوات ووصوله لتلك النتيجة أخيرا هل كان بنحو صحيح أو لا؟
ويصدق هذا بشكل واضح في الفقه، فإن استنباط الأحكام واستنتاجها من مداركها وأدلتها، ليست أمرا كيفيا ولا مزاجيا، كما أنها ليست عملية غيبية طوباوية، وإنما هي عملية اجتهادية لها مسالكها ودروبها التي يعرفها أهل الاختصاص في هذا العلم، ولهذا يمكن المقايسة بين (فقاهة) هذا وذاك، وقدرتهما الاجتهادية.
وبناء على هذا فإن احتلال (العروة الوثقى) للسيد اليزدي للموقع الأول في التدريس الفقهي في الحوزات العلمية لم يكن جزافا، وإنما كان بسبب ما للكتاب المذكور من ميزات.
فقد كان كتاب شيخ الطائفة الطوسي أعلى الله مقامه (النهاية في مجرد الفتاوى) محور الدرس الفقهي في الحوزة العلمية منذ تأسيسها على يده في النجف الأشرف، واستمر الأمر هكذا قرابة قرنين من الزمان إلى أن جاء المحقق الحلي رحمة الله ، وكتب (شرائع الإسلام) ليكون محور الدرس الفقهي منذ تأليفه إلى ستة قرون تلت،
وذلك لما كان عليه من حسن التبويب والعبارة الرشيقة والإشارة إلى الأدلة في دورة فقهية كاملة، وكل ذلك بنحو مختصر، هذا بالرغم من وجود كتب فقهية عالية القيمة ككتب العلامة، والشهيدين، وغيرهم.
وأما بعد أن كتب السيد اليزدي العروة الوثقى بتحرير اثنين من أفاضل تلامذته (الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وأخيه الشيخ أحمد) وكانا على مستوى عال من الأدب والتمكن من فنون اللغة العربية، التي لم يكن السيد اليزدي أيضا قاصرا عنها. كما أشار إلى ذلك كاشف الغطاء في كتابه الفردوس الأعلى. صار هذا الكتاب الذي عده العلماء (من أجل كتب الإمامية بيانا و أحسنها تبيانا و أجمعها للفروع الفقهية و أبينها للمسائل الشرعية)[1].
وبالرغم من أن الكتاب لا يحتوي على كل الأبواب الفقهية وإنما اشتمل على أبواب العبادات (والحج فيه غير كامل) ومن المعاملات (الإجارة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والضمان، والحوالة، وقسم من النكاح) إلا أنه صار محلا للتدريس في بحوث الخارج، ومتنا يحشي عليه كل من تصدى للمرجعية، من بعد السيد اليزدي، بدءا من الشيخ عبد الكريم الحائري والمحقق النائيني وآقا ضياء العراقي فضلا عن تلامذة السيد اليزدي كأبي الحسن الاصفهاني والسيد البروجردي وكاشف الغطاء، وسائر العلماء المعاصرين.
كما أنه تم شرحه شرحا استدلاليا من قبل عدد كبير من العلماء والفقهاء، فالمطبوع منها قرابة 15 شرحا استدلاليا بين شرح كامل العروة وشرح بعض أجزائها، وهذا بحسب التتبع الناقص، وإلا فالعدد لا ريب أنه اكبر من هذا.
ولعل الذي جعل الكتاب يلقى هذا الرواج والانتشار بالاضافة إلى ما احتوى عليه من كثرة المسائل التي بلغت (7177) مسألة وهي وإن كانت بالنظر إلى
[1]شبر، سيد على حسينى، العمل الأبقى في شرح العروة الوثقى ج1. 4.
التشقيقات والفروع المذكورة في كل مسألة من الممكن أن تصل إلى ثلاثة أضعاف هذا العدد، بالإضافة إلى ذلك فإن العروة الوثقى في نتائجها تمثل منتهى ما وصل إليه الاستنباط الفقهي والاستدلال بتطبيق المباني الأصولية الأخيرة في المدرسة الإمامية على الموارد المختلفة، وهذا بالطبع لا يتوفر في نهاية الشيخ الطوسي ولا في شرائع المحقق الحلي ولا لمعة الشهيدين.
هذا بالرغم من أن العروة لم تكن كتابا تخصصيا (بالمعنى الدقيق للكلمة) أي لم تكن الاستفادة منها وقفا على تحقق مستوى علمي خاص في الفقه، بل كانت لعموم المقلدين، ومن يمتلك مقدارا من المعرفة الفقهية يستطيع الاستفادة منها، أي لم تكن مثل (كفاية الأصول) للآخوند مثلا حيث أنه لا يستطيع أحد أن يستفيد من مطالبها ما لم يكن متخصصا بمقدار معين في هذا العلم. وربما يكون هذا أيضا من أسباب اشتهار العروة ورواجها في الوسط العلمي الحوزوي.
باقي كتبه وتصانيفه:
إذا كانت (العروة الوثقى) واسطة العقد في كتب السيد اليزدي، فلم تكن (يتيمة الدهر) بل كان إلى جانبها لئالئ ودرر تملأ كف الغواص علما ومعرفة، وإن لم تلق نفس الاهتمام الذي وجه للعروة، بل بقيت على (بكارتها):
فمن كتبه القيمة والمهمة، حاشيته على المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري رحمة الله وهي تقع في جزئين.
ومنها: رسالة في حكم الظنّ المتعلّق بأعداد الصلاة و أفعالها و كيفيّة صلاة الاحتياط.
ورسالة في التعادل و التراجيح.
ورسالة في منجّزات المريض.
وكتاب السؤال و الجواب، في الفقه (استفتاءات المقلدين).
ورسالة في اجتماع الأمر و النهي (في الأصول).
وملحقات العروة الوثقى.
والصحيفة الكاظميّة، مجموعة أدعية و مناجاة أنشأها بنفسه.
وبستان راز و گلستان نياز (فارسي).
العلامة البلاغي وحوار الأديان والمذاهب
الشيخ محمد جواد البلاغي الربعي
1282 - 1352هـ
يرى بعض الباحثين بأن الاستعمار الأوربي، كان يخطط للبقاء في بلاد المسلمين على مستويات متعددة، مستوى إعداد الكفاءات المرتبطة به، سواء في المجال الإقتصادي أو السياسي، ولقد رأينا كيف أن هذه الأمة بقيت مواردها الإقتصادية وسياساتها العامة تخدم المستعمرين أو على الأقل لا تتعارض معهم، بالرغم من زوال المستعمر ظاهرا من مدة طويلة.
وكذلك على مستوى إضعاف الحالة الدينية الإسلامية في المجتمعات، وقد سلكوا في هذا طرقا شتى، منها تغيير أنماط الحياة الاجتماعية المتأثرة بالدين، وإحلال نمط جديد غير متقيد بالقوانين الإسلامية، ومن ذلك ضرب الأسس الفكرية التي يعتمد عليها الدين والمجتمع[1].
ومن هنا فقد قاموا باستخدام الدعوة إلى المسيحية، طريقا إلى خلخلة الوضع الإسلامي، فبثوا شبهات وأوهاما حول النبي محمد صلى الله عليه وآله ، وسيرته الشخصية، وأثاروا الغبار أمام القوانين الإسلامية المشرقة، لتشويهها في نفوس المسلمين.
وكان لا بد لمواجهة الفكر الخاطئ أن ينبعث فكر نظيف
[1]للتفصيل في هذا الموضوع يمكن مراجعة السيد منذر الحكيم؛ فصل الاستشراق والتبشير والاستعمار من مدخل موسوعة العلامة البلاغي ص 18.
متمكن، فيناقش مطلقي الشبهات بما يعتقدونه، ويكون أقدر منهم على فهم دينهم وكشف مناطق الخلل والعوار الموجود في ذلك الفهم.
ومع أننا نعتقد أن الديانات السماوية في أصولها كاملة، ومنسجمة ولا اختلاف فيها ولا اختلال وأننا{آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[1]، وأن الميثاق المأخوذ على الناس جميعا، والذي حمله المرسلون هو{لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[2].
إلا أن يد التحريف التي امتدت إلى الديانة المسيحية في وقت سابق، فحرفت الانجيل، والأخرى التي امتدت إلى التوراة فحرفت التوراة، هي نفسها في ما بعد التي عملت على محاولة إسقاط قداسة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ، وهي نفسها التي حاولت التشكيك في القرآن الكريم وفي كونه وحياً من الله عزوجل، وهي نفسها التي حاولت أن تعطي صورة ممسوخة لتاريخ رسالة الإسلام.
إننا لا نعتقد أن الاستعمار الذي كان ينظر أولا بالذات إلى المصالح الاقتصادية والثروات، كان حريصا على نشر المسيحية وعلى (التبشير) إلا أنه حصل زاوج مصلحة بين هؤلاء وبين المبشرين الذين كانوا يتوهمون إمكانية تحويل المسلمين إلى المسيحية، حتى لقد (حلم) بعضهم بأن يكون عام 2020م هو عام انتشار المسيحية في بلاد المسلمين.
لقد برز لصيانة هذا الدين أفذاذ تركوا راحتهم ورفاههم وراء أظهرهم، وأقبلوا على التحقيق والتنقيب والبحث فما تركوا شاردة ولا واردة يستطيعون من خلالها
[1]سورة البقرة: من الآية 136.
[2](سورة البقرة: من الآية 83.