وكتاب السؤال و الجواب، في الفقه (استفتاءات المقلدين).
ورسالة في اجتماع الأمر و النهي (في الأصول).
وملحقات العروة الوثقى.
والصحيفة الكاظميّة، مجموعة أدعية و مناجاة أنشأها بنفسه.
وبستان راز و گلستان نياز (فارسي).
العلامة البلاغي وحوار الأديان والمذاهب
الشيخ محمد جواد البلاغي الربعي
1282 - 1352هـ
يرى بعض الباحثين بأن الاستعمار الأوربي، كان يخطط للبقاء في بلاد المسلمين على مستويات متعددة، مستوى إعداد الكفاءات المرتبطة به، سواء في المجال الإقتصادي أو السياسي، ولقد رأينا كيف أن هذه الأمة بقيت مواردها الإقتصادية وسياساتها العامة تخدم المستعمرين أو على الأقل لا تتعارض معهم، بالرغم من زوال المستعمر ظاهرا من مدة طويلة.
وكذلك على مستوى إضعاف الحالة الدينية الإسلامية في المجتمعات، وقد سلكوا في هذا طرقا شتى، منها تغيير أنماط الحياة الاجتماعية المتأثرة بالدين، وإحلال نمط جديد غير متقيد بالقوانين الإسلامية، ومن ذلك ضرب الأسس الفكرية التي يعتمد عليها الدين والمجتمع[1].
ومن هنا فقد قاموا باستخدام الدعوة إلى المسيحية، طريقا إلى خلخلة الوضع الإسلامي، فبثوا شبهات وأوهاما حول النبي محمد صلى الله عليه وآله ، وسيرته الشخصية، وأثاروا الغبار أمام القوانين الإسلامية المشرقة، لتشويهها في نفوس المسلمين.
وكان لا بد لمواجهة الفكر الخاطئ أن ينبعث فكر نظيف
[1]للتفصيل في هذا الموضوع يمكن مراجعة السيد منذر الحكيم؛ فصل الاستشراق والتبشير والاستعمار من مدخل موسوعة العلامة البلاغي ص 18.
متمكن، فيناقش مطلقي الشبهات بما يعتقدونه، ويكون أقدر منهم على فهم دينهم وكشف مناطق الخلل والعوار الموجود في ذلك الفهم.
ومع أننا نعتقد أن الديانات السماوية في أصولها كاملة، ومنسجمة ولا اختلاف فيها ولا اختلال وأننا{آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[1]، وأن الميثاق المأخوذ على الناس جميعا، والذي حمله المرسلون هو{لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[2].
إلا أن يد التحريف التي امتدت إلى الديانة المسيحية في وقت سابق، فحرفت الانجيل، والأخرى التي امتدت إلى التوراة فحرفت التوراة، هي نفسها في ما بعد التي عملت على محاولة إسقاط قداسة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ، وهي نفسها التي حاولت التشكيك في القرآن الكريم وفي كونه وحياً من الله عزوجل، وهي نفسها التي حاولت أن تعطي صورة ممسوخة لتاريخ رسالة الإسلام.
إننا لا نعتقد أن الاستعمار الذي كان ينظر أولا بالذات إلى المصالح الاقتصادية والثروات، كان حريصا على نشر المسيحية وعلى (التبشير) إلا أنه حصل زاوج مصلحة بين هؤلاء وبين المبشرين الذين كانوا يتوهمون إمكانية تحويل المسلمين إلى المسيحية، حتى لقد (حلم) بعضهم بأن يكون عام 2020م هو عام انتشار المسيحية في بلاد المسلمين.
لقد برز لصيانة هذا الدين أفذاذ تركوا راحتهم ورفاههم وراء أظهرهم، وأقبلوا على التحقيق والتنقيب والبحث فما تركوا شاردة ولا واردة يستطيعون من خلالها
[1]سورة البقرة: من الآية 136.
[2](سورة البقرة: من الآية 83.
إفحام الخصم، وإغلاق فمه إلا وأوردوها.
وكان عين الطليعة في هؤلاء والرائد الصادق في القافلة، آية الله العظمى المقدس الزاهد الشيخ محمد جواد البلاغي أعلى الله في الجنان درجات مقامه.
لقد تهيأ لهذه المهمة الكبيرة رجل كبير بمقاييسها، حيث كانت تستعصي على أكثر الرجال إلا الأوحدي منهم!
أستاذ أعظم مراجع العصر، وأقل العلماء شهرة! الذي «كان أحد مفاخر العصر علما وعملا.. وكان من أولئك الأفذاذ النادرين الذين أوقفوا حياتهم وكرسوا أوقاتهم لخدمة الدين الحنيف والحقيقة.. فهو أحد نماذج السلف التي ندر وجودها في هذا الزمنب كما قال شيخ المحققين آقا بزرك الطهراني.
لنكن معه في المهمة التي قام بها قيام الكفوء المقتدر، من البدايات، طالبا في النجف الأشرف منذ أيام شبابه حيث ولد فيها سنة 1282هـ، وطوى المقدمات المعهودة في الحوزات العلمية، ليلتحق بعدها في الحلقات العالية من دروس الفقه والأصول، بأعاظم مدرسي الطائفة في كربلاء والنجف فقد التحق بدرس الآقا رضا الهمداني (صاحب كتاب مصباح الفقيه) في الفقه والشيخ محمد طه نجف أيضا في الفقه والآخوند محمد كاظم الخراساني في الأصول، وفي الرجال والدراية التحق بخاتمة المحدثين الميرزا حسين النوري صاحب مستدرك الوسائل كما التحق بدرس الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق.
إلى هنا والأمر عادي يسلكه في الغالب أكثر أهل العلم، وطلبة الحوزات العلمية، إلا أنه التفت إلى ضرورة التخصص في المناظرة والبحث ولا سيما مع المسيحيين الذين بدأت طلائع تأثيرهم تصل إلى بلاد المسلمين، وبدأت الهجوم الثقافي على مصادر الدين الإسلامي ياخذ بعدا مهما. فشمر عن ساعد الجد لمقاومة
هذا الغزو فقام بدراسة اللغة العبرية دراسة متقنة لكي يقرأ التوراة والانجيل في لغتهما الأصلية، وبأقدم النسخ المتوفرة، وذلك أن الترجمة تفقد النصوص الكثير من دلالاتها ومعانيها.
كما تعلم اللغة الانكليزية القديمة، حتى يستطيع أن يقرأ الترجمات الأولى لتلك الكتب، وأتبعها بتعلم اللغة الفارسية إذ لم يكن يعرفها لأصوله العربية.
كل ذلك بالاضافة إلى معارفه الفلسفية وقدرته الاجتهادية العالية، مكنته من الولوج في عالم المناظرة الدينية بكفاءة منقطعة النظير.
وكان من نتائج هذا عدد مهم من الكتب في النقاش مع المسيحيين، صارت مرجعا لمن عاصره أو جاء بعده في هذا المجال، من أبرزها:
الهدى إلى دين المصطفى: وهو واسطة العقد في كتبه رحمة الله ، يرد فيه على كتاب طبع في مصر سنة 1900 م، وعربه شخص اسمه (هاشم العربي) وسماه (الهداية) ويتألف من 4 أجزاء. وفيه يبدأ بذكر مقدمات مهمة في أصول الاحتجاج والمناظرة ثم يشرع ببيان المؤاخذات على ذلك الكتاب وبيان جهات التهافت والتناقض في كتب العهدين (القديم والجديد) الموجودة، وأنها بالتالي لا يمكن أن تكون من الله عز وجل. من حالات مستغربة وذنوب مستهجنة نسبها الكتابان لأنبياء الله السابقين عليهم السلام في سيرتهم الشخصية وعدم امانتهم في التبليغ! واستعراض كيف تحدثت التوراة والانجيل عن الأنبياء آدم ونوح وابراهيم ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وايوب وداود وسليمان واليسع وحزقيال وإرميا وعيسى، وما نسبت هذه الكتب المحرفة إليهم من أمور شنيعة، وفي المقابل كيف تحدث عنهم القرآن مكرما ومنزها ومصدقا.
واستطرد بعد ذلك إلى استحالة الذنب من النبي بعدما كان العقل والنقل يدلان على عصمته، فلا يكون ما جاء في تلك الكتب موافقا لعقل ولا نقل، ونقل شيئا
عن عصمة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ومعجزاته. وبين أن شريعته ناسخة لسائر الشرائع وذكر موضوع النسخ ومعناه، واستشهد على وقوع النسخ في الشرائع السابقة بتشريعات اجتماعية وأحكام دينية كانت موجودة في العهد القديم ونسخت في العهد الجديد.
وفي الجزء الثاني ناقش ما ذكروه من (اعتراضات) على القرآن الكريم، بحسب قواعد اللغة والبلاغة، وشرع بدفعها بأسلوب متقن، وأيضا ما ذكروه من مناقشات لقصص القرآن، وهو في كل ذلك يقارن بين القرآن الكريم وبين كتب العهدين، ويبين فيها تفوق القرآن الكريم على ما نقل في العهدين.
ومن كتبه أيضا:
الرحلة المدرسية (أو المدرسة السيارة) 3 أجزاء، وهو عبارة عن حوار تخيلي بين مناقش تلميذ وبين القس الذي يفترض فيه الاجابة على الأسئلة والاشكالات التي يطرحها التلميذ ويتعثر في ذلك لقوة حجة التلميذ وجاء الجزء الأول في موضوع قريب من كتاب الهدى إلى دين المصطفى، وفي أحوال السيد المسيح وتلامذته كما يقررها كتاب العهد الجديد (الانجيل) وعدم إمكان أن يتصف هؤلاء بهذه الصفات المذكورة، وعدم إمكان أن يكون المسيح هو الله تعالى الله.
وجاء الجزء الثاني في توصيف عظمة الإسلام وموافقته للفطرة، وجاذبيته بتشريعاته وملخص لتاريخه، وذب الشبهات عن حروب النبي وغزواته، ثم انتقل الحديث إلى نظرية أصل الأنواع التي ابتكرها داروين، وشرع في النقاش فيها، والرد عليها بشكل علمي موضوعي وبالتفصيل حتى استوعب نصف الجزء الثاني وأكثر الجزء الثالث الذي تعرض فيه أيضا إلى بعض الأمثلة من محكمات القرآن الكريم وقضايا المعاد الجسماني، وأحوال النفس الانسانية، وقضايا المعراج، والثواب والعقاب في القيامة، وغيرها. كل ذلك بأسلوب حواري ممتع ورائع.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
تفسير من آلاء الرحمن: تفسير مزجي للقرآن الكريم يحتوي على مقدمة رائعة ذات فصول ثلاثة في: إعجاز القرآن، وجمعه، وقراءاته، ثم شرع في التفسير إلى أواسط سورة النساء ولم يتمه مع الأسف، إذ وافاه الأجل قبل إكماله.
وأهمية المقدمة أنها أصبحت: مقدمة الكثير من التفاسير باعتبارها تمثل رأي الشيعة في قضايا قرآنية متعددة، وقد خرجت من قلم أحد أعاظم علمائهم، فقد طبعت في تفسير السيد شبر، ومجمع البيان، وصارت مستند الكثير ممن تحدث عن نفي التحريف في القرآن.
ولم يقتصر اهتمام الإمام البلاغي على كتابة التفسير، بل كان له درس في القرآن، وتلامذة تأثروا به يذكر من بينهم العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، ومن بينهم آية الله العظمى السيد الخوئي الذي بدا تأثره به واضحا في توجهه للتفسير أول أمره، وكتابته لمدخل التفسير (البيان في تفسير القرآن).
الرد على القاديانية[1]والبابية[2]والبهائية: كان تخصص العلامة البلاغي وقدرته في مناقشة الآراء
والنحل الباطلة، لافتا للنظر فـ {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}[3]وقد سخر هذه القدرة في محلها الصحيح، فرد على القاديانية والبهائية والبابية.
ويعتقد بعض المفكرين أن الاستعمار البريطاني عمل للسيطرة على بلاد المسلمين في عدة محاور: محور الاحتلال المباشر كما حصل في العراق، ومحور التبشير بالمسيحية وإضعاف التدين الإسلامي، ومحور إنشاء حركات وفرق منشعبة من الإسلام تأخذ شيئا منه وتخلطه بأفكار وأهواء أخر، لتمزيق الكتلة الإسلامية، وكان منها مثل القاديانية والبهائية والبابية، التي وإن كانت لم تؤسسها بالمعنى الدقيق للتأسيس إلا أنها ساعدت ودعمت هذه التوجهات، وصنعت لها حماية حتى يتحقق منها تمزيق الأمة.
وقد تحرك الإمام البلاغي في الجبهات الثلاث، فقد شارك في الحركة العسكرية المضادة للاحتلال البريطاني للعراق وساهم في ثورة العشرين التي قادها استاذه الميرزا الشيرازي، كما جاهد بقلمه في فضح مسألة التبشير المسيحي وبيان تهافت هذه العقيدة بما تقدم الحديث عنه، وأيضا قام بمحاكمة هذه الفرق المتأخرة في عقائدها مبينا زيفها وسقوطها.
الرد على الوهابية: وهو كتاب دعوة الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى، في إبطال فتوى الوهابيين بهدم قبور البقيع، منذ نشوء الحركة الوهابية على أثر تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ت 1206هـ مع حاكم الدرعية الأمير محمد بن سعود، تحرك النزاع الطائفي في وسط المسلمين بشكل كبير، فالحركة الوهابية تعارض الكثير مما تعارف عليه المسلمون (سنة وشيعة)، ويعتقد هؤلاء بأن عليهم
[1]القاديانية ويسمون أنفسهم الأحمدية: طائفة نشأت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي في شبه القارة الهندية. مؤسسها هو ميرزا غلام أحمد القأدياني، نسبة إلى بلدة قاديان، في إقليم البنجاب في الهند، حيث وضع أسس جماعته عام 1889، عندما صرح أنه هو المهدي المنتظر ومجدد زمانه، ومات سنة 1908 كما ادعى ميرزا غلام أحمد أن مجيئه قد بشر به محمد ونبوءات أخرى في مختلف الأديان، وأنه هو المسيح المنتظر. ويعتقدون أن كلمة «خاتم النبيين» تعني أن محمدا هو أفضل الانبياء وأكملهم، وليس آخرهم. وهو مما يوفق في نظرهم بين نبوة مؤسس العقيدة وبين استمرار انتمائهم للإسلام.! رفضوا شريعة الجهاد في الإسلام.
[2]البابية: فرقة تنسب إلى علي بن محمد الشيرازي، الذي سمى نفسه (الباب) أي باب المهدي المنتظر،وقد أعلن دعوته بعد سنة 1844م، وبعد أن تبعه جماعة (منهم امرأة سميت قرة العين) أرسلهم في إيران يبشرون بهذه الدعوة، وبعضهم جاء إلى النجف أيام صاحب الجواهر، فحكم عليه مع إعلان آرائه بالسجن ومات بعد ذلك، مع تبرؤ علماء المسلمين سنة وشيعة من أفكار الفرقة. زعموا أن لديهم كتابا ينسخ القرآن! واسمه (البيان)، وعندما عاد إلى شيرازوأعلن أفكاره حكم علماء شيراز بكفره. وأتباعه يعتقدون بأنه هو المهدي، وأن الأئمة لا تجوز نسبة الصفات البشرية لهم من الموت أو العطش، ثم بدأ أتباعه يتحدثون عن عدم لزوم الصلوات وانتهاء زمن التكليف بها، وألقت (قرة العين) وهي عند بعضهم في منزلة فاطمة الزهراء، الحجاب وظهرت للناس سافرة! وحصلت انشقاقات في صفوفهم.
والبهائية تنسب إلى (بهاء الله) الذي لقب حسين علي النوري نفسه بهذا اللقب، وأن الباب إنما جاء مبشرا به! وقد انتهى أمر الباب باعدامه سنة 1850 م على يد الحكومة الايرانية، بالرغم من وساطات ملحة وأثمان كبيرة قامت بها روسيا وبريطانيا للعفو عنه وترحيله لإحدى الدولتين!.
أما (بهاء الله) فقد تم نفيه من العراق على يد الحكومة العثمانية حتى استقر به المقام في فلسطين، ومات فيها.
***[361]###
[3]سورة آل عمران: من الآية 73.