ويذكر مترجموه صورا زكية عن تلكم النفس الزكية، فقد كان يهرب من الشهرة والأضواء، حتى أنه عندما كتب أوائل كتبه في الرد على المسيحيين، وأحدثت كما كان متوقعا صدى كبيرا، طبعها من دون أن يكتب عليها اسمه، بل كان يكتب أسماء مستعارة مثل عبد الله العربي، أو النجفي أو ما شابه.
وعندما كان يراجع في ذلك وأن وضع الاسم أكثر تأثيرا في القارئ كان يجيبهم بأن الغرض هو وصول الهدى والمعرفة، وليس الاسم مهما.
وينقل عن السيد المرعشى النجفي، تلميذه أن استاذه البلاغي كان فقيرا، ولو شاء الثروة والغنى لعرف الطريق إليه، فتغيب ذات يوم عن الدرس مع تعجب التلاميذ لما عرفوه من حرص مدرسهم على المواظبة على التعليم والتعلم، وكان تعجبهم أشد عندما غاب في اليوم الثاني، فلم يتمالكوا في اليوم الثالث أن ذهبوا إلى منزله يتفقدون استاذهم، يقول: ذهبنا أنا والسيد الخوئي والسيد محمد هادي الميلاني ورأيناه مريضا ودرجة حرارته عالية وتبين لنا أنه لا يملك المال الكافي للذهاب إلى الطبيب فتدبرنا المال وأخذناه إليه.
وهذا الحال هو الذي كان يصنع الصبر في نفوس باقي الطلبة حتى لا ينسحبوا من دراسة العلم على أثر ضغوط الحياة ومتطلباتها، وهذا من مصاديق (حتى لا يتبيغ بالفقير فقره).
وقد نقل الدكتور الصغير عن السيد الخوئي حادثة أخرى تبين مدى زهده وصبره في طلب العلم فقال:السيد الخوئي عاش حياة مرهقة من الحرمان فقرر ترك الدراسة والذهاب إلى بغداد بغية الكسب ولكنه قرر الاستنارة برأي استاذه الذي يعبر عنه في كتبه دائما بـ (بطل العلم المجاهد).
يقول السيد الخوئي قدس سره ، ذهبت إلى الشيخ البلاغي في رمضان وأنا مصمم على
ترك الحياة العلمية والتوجه نحو العمل نظرا للضائقة الاقتصادية المضنية، وحينما استقر به المجلس قرب الشيخ البلاغي، تساءلا عن الحال، فقال البلاغي: هذا شهر رمضان وأنا صائم وأحن كثيرا إلى شرب قدح من الشاي وليس إلى ذلك من سبيل إذ لا يتيسر لي ذلك، ووالدتي عندها شيء من السكر والشاي من مالها الخاص، ولا أجرأ أن أطلب منها ذلك وأنا في حيرة بين الرغبة في الشاي والاشفاق عن الطلب من الوالدة!
يقول السيد الخوئي: قلت في نفسي، هذا أستاذي الأعظم على ما هو عليه من العلم والمنزلة الرفيعة، ولا يستطيع أن يشرب قدحا من الشاي في شهر رمضان، وأنا أريد أن أترك حياة العلم لأني بائس محتاج!! وقررت حينئذاك الصبر على الجوع ومواصلة الدراسة مهما بلغ الأمر![1].
[1]الصغير؛ د محمد حسين: قادة الفكر الديني والسياسي في النجف الأشرف. 96.
مرجعية الوعي والحكمة الاجتماعية
السيد أبو الحسن الاصفهاني
ت 1365
عرف بعض الباحثين المرجعية الدينية بأنها في (مفهومها الواسع، قد تعني قيام المجتهد الجامع للشرائط مقام الإمام عليه السلام في مهماته الأساسية الثلاث الولاية، والفتيا، والقضاء)[1].
وقد تأسست كنظام ينتهي إلى رجوع المؤمنين إلى العلماء المتخصصين، والفقهاء المجتهدين في أمور عباداتهم ومعاملاتهم، وما يرتبط بالجانب الشرعي من حياتهم،على أساس الدليل الفطري الذي يجده كل شخص في نفسه من رجوعه إلى العالم المتخصص في مجاله، وسيرة المتشرعة القائمة على ذلك، إضافة إلى التوجيهات والنصوص الآمرة بالرجوع إلى أهل الذكر وسؤالهم، وأحاديث أهل البيت القائلة بأن (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه)[2]و(أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم)[3].
وبالرغم من أن ما سبق لا يفترض أكثر من حالة رجوع للمتخصص، والولاية في الجملة بناء على الرأي المشهور إلا أن عدم وجود جهة سياسية أو اجتماعية ينتمي إليها المؤمنون في أكثر فترات التاريخ، جعل المرجعية تأخذ هذا الدور بشكل
[1]الحكيم، السيد محمد باقر: دليل الناسك - ص 39.
[2]وسائل الشيعة 27/131.
[3]المصدر /140.
طبيعي. لا سيما مع اطمئنان المؤمنين للمراجع.
أقول: ربما كان لهذا السبب دور في أن تأخذ المرجعية الشيعية مدى واسعا في حياة الشيعة في مختلف أدوارها، وإن كان هذا المدى متأثرا بصورة أو بأخرى بالظروف التي تحيط بالمرجع وبشخصيته أيضا.
وخصوصا مع عدم وجود دستور مكتوب أو نظام معين متفق عليه، يسلكه المرجع في فترة مرجعيته. ولذا وجدنا بعض المرجعيات قد غلب عليها الجانب العلمي وخصوصا في الفقه والأصول وانقطعت بشكل أكبر إلى التدريس، بينما لم يكن باقي الجوانب كالدور السياسي واضحا فيها.
كما تأثرت المرجعية أيضا ببعض الظروف الزمانية فبعضهم عاش في فترة زمنية مزدحمة بالأعلام والأنداد. كما تهيأ للبعض مرجعية عليا على مستوى الطائفة، بينما بقيت بعض المرجعيات في حدود منطقة أو بلد.
مرجعية السيد الاصفهاني:
اجتمعت ظروف متنوعة لتجعل من مرجعية السيد الاصفهاني مرجعية فاعلة، ومؤثرة على مستوى الطائفة بل الأمة.
فمن الناحية التاريخية عاصر السيد أبو الحسن فترة حساسة هي فترة مقاومة الاستعمار البريطاني للعراق، والثورة عليه وشهد جيل الكبار من مراجع الدين أمثال الميرزا محمد تقي الشيرازي، والآخوند الخراساني، والسيد اليزدي. وكان من معاصريه وزملائه أمثال الميرزا النائيني والشيخ الاصفهاني والشيخ ضياء العراقي.
ومع رحيل جيل الأساتذة الكبار برزت شخصية السيد أبي الحسن كمرجع توافق عليه أقرانه، بعد أن أرجع إليه الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي كان كثير
الاحتياط احتياطاته إليه[1]، ولعلنا نجد إشارة في ذلك إلى فهمه الاجتماعي في تقليل الاحتياطات وأخذ جانب التيسير في الفقه.
ولا نجد غير القليل من المراجع الذين ناصر معاصروهم وأندادهم مرجعيتهم، ورفضوا أن ينافسوهم، وأصروا على الغير بأن يرجعوا إليهم، ومن هذا القليل كان السيد أبو الحسن الاصفهاني، فقد أشار السيد البروجردي وهو من أعاظم الطائفة ووصلت إليه المرجعية بعد السيد الاصفهاني، وكان في طبقته من حيث الأساتذة إلا أنه لما طلب منه بعضهم التصدي للمرجعية، وأن ينشر رسالته العملية رفض ذلك مشيرا إلى أن لواء الإسلام اليوم بيد السيد أبي الحسن الاصفهاني وأنه هو المرجع على الاطلاق[2]. وهكذا كان موقف الآقا ضياء العراقي.
1. مرجعية الوعي السياسي والدعوة للاستقلال:
يشكل الوعي السياسي أهمية كبرى في حياة العاملين، وهو أكثر أهمية في حياة القادة والزعماء، فإنه يصون الأمة من الوقوع في حبائل الأعداء المخططين، وهكذا فإن (العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس) كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام .
وكانت الطائفة ولا تزال تحتاج إلى قيادات واعية سياسيا، ولقد كان حضور السيد أبي الحسن في وقته كمرجع واع وذكي، سببا مباشرا في إفشال محاولات كثيرة بذلها البريطانيون وغيرهم في تشويه صورة الزعامة الشيعية، وسرقة ثورة المؤمنين.
لقاء السفير البريطاني مع السيد أبي الحسن:
نقلوا: إن الحاج عبد الهادي الاسترابادي مندوب نوري السعيد رئيس وزراء
[1]هكذا عرفتهم. 101، جعفر الخليلي.
[2]مجلة حوزة عدد 63-64.
العراق في وقته، جاء وقال إن رئيس الوزراء يريد منكم مقابلة السفير البريطاني ومندوب بريطانيا الخاص القادم من لندن. وأن يكون اللقاء سريا ومغلقا.
فرفض السيد أصل اللقاء في البداية، وبعد المفاوضة قبل به شرط أن لا يكون سريا.وفي الترتيب لذلك اللقاء أمر أن يحضر العلماء: الشيخ ضياء العراقي، والشيخ محمد حسين الاصفهاني والشيخ محمد كاظم الشيرازي وغيرهم من كبار أساتذة الحوزة.
وقدم السفير البريطاني ومندوب بريطانيا ومعهما رئيس وزراء العراق نوري السعيد، وبعد أن قدموا التحيات للسيد، قالا: إن بريطانيا قد (نذرت)! أنها إن غلبت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية فسوف تقدم مساعدات مالية للمعابد وعلماء الدين في العالم،! والآن حيث أنها انتصرت عليها فقد قدمت للبابا في الفاتيكان المنحة المالية المذكورة، وجئنا إليكم في النجف لنقدم لكم المنحة المنذورة!
وبعد أن تأمل السيد في عرضهم: قال لهم: لا مانع! وسط ذهول الحاضرين الذي لم يتعودوا أن يقبل مرجع شيعي المال من أمثال البريطانيين!.
السفير البريطاني قدم شيكا بمبلغ مائة ألف دينار عراقي! فأخذه السيد ونظر فيه وأمر بكتابة حولة قدرها مئة ألف دينار، قدمها مع الشيك للمندوب البريطاني قائلا: هذه مائتا ألف دينار مساعدة منا إلى أهالي الجنود المسلمين الذين جندتهم بريطانيا من بلاد الهند وقتلوا في العراق، نرجو أن تصرفوها عليهم في الهند!
وفي القصة من الوضوح ما يغني عن التعليق عليها.
كما أنهم ينقلون لقاء آخر حصل بينه وبين السفير الأمريكي (وهو وإن كان في بعض تفاصيله مشابها للقاء السفير البريطاني في عرض المال على السيد من قبل الحكومة الأمريكية إلا أنه يختلف عنه كما أفاد بعض الكتاب، ولا مانع أن يكون
كلا الرجلين قد عرض المال على السيد بهذه الطريقة إذ وسيلتهم في ذلك المال كما يتصورونه!).
مع ملك الأردن والمطالبة بالاستقلال:
إن حس الاستقلال لدى السيد، واعتقاده بأن نجاة الأمة لا تتم إلا من خلاله، جعله يصر على ملك الأردن أن يترك الاعتماد على الأجانب واعدا إياه بأنه سيؤمن له مصاريفه وحاجته لو استقل عنهم!
(نقل الشيخ محمد حسن زين العابدين عن السيد باقر الذي كان يعمل في تشريفات البلاط الملكي في العراق ايام الملك فيصل الثاني الحادثة التالية، قال: لما ورد الملك عبد الله من الأردن وحل ضيفاً على الملك فيصل في بغداد، رُتبت له زيارة إلى حرم الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام وكان من العادة أن يتم لقاء الضيوف والوفود مع مراجع الدين في الحرم الشريف أيضاً: المرجع الاعلى في ذلك الوقت كان السيد ابو الحسن الاصفهاني بينما آية الله العظمى الشيخ النائيني كان متصدياً للجانب العلمي والدراسي في حوزة النجف الاشرف خرجت مع الملك عبد الله في سيارة التشريفات الخاصة، ومعنا الحرس واعضاء الوفد المرافق.
وكان الموكب مهيباً للغاية وكان الملك من شدة تبختره لا يسعه ثوبه الملكي المزين بالجواهر والنياط، كان يتكلم بتكبر، ولا يرى قيمة لاحد من الجالسين حوله. فقلت في نفسي كيف سيكون لقاء مثل هذا الانسان مع مرجع المسلمين الشيعة، اخشى أن يحصل ما لا يسر، فتوسلت بكل قلبي الى الله عز وجل بالامام علي عليه السلام ان يريه عظمة المرجعية عندنا، فكنت احاول في الطريق أن أمهد لهذا اللقاء بالكلام حول شخصية السيد أبي الحسن الاصفهاني ومكانته العلمية والدينية في العالم الإسلامي وانقياد المسلمين الشيعة إلى أوامره، وان النجف الاشرف مدينة العلم والعلماء ومركز الإشعاع الديني.
فقال لي الملك وهو لم يعر بالاً لكلامي: أنت شيعي والشيعة يغالون في مدح علمائهم. قلت: من أين لك هذا الانطباع الخاطئ عن الشيعة؟ قال: أنا صديق للدولة العظمى انجلترا وقد اخبرني الانجليز عنكم كثيراً.
اضاف الوزير السيد باقر قائلاً: اخذ الملك عبد الله يتكلم باستهزاء وفي نفس الوقت يذكر حكومة بريطانيا باحترام وعظمة، حتى وجدته يشعر بالحقارة امام الانجليز فاستغربت لهذا الملك المتذلل للكافرين والمستكبر على المسلمين!
وبينما كان موكبنا يقترب من النجف الاشرف زاد خوفي مما سيجري بينه وبين السيد الاصفهاني كنت متحيراً ماذا سيحدث بعد قليل؟ فوضت امري الى الله وخاطبت الامام علياً عليه السلام في قلبي أن يحفظ ماء وجهي ويحافظ على عزتنا أمام هذا الملك المتبختر.
ومن اجل احترام طرفي اللقاء كانت طريقة دخولهما تتم عبر بابين منفصلين ينفتحان على الضريح الشريف من جهتين متقابلتين، فيلتقي الطرفان عند الضريح في وقت واحد. واخيراً التقى الطرفان، بل التقى المتباينان، إذ كانت هيئة المرجع الديني الكبير السيد أبي الحسن الاصفهاني هيئة الزهاد، وهيئة الملك المتكبر هيئة المتجبرين!
بعد العناق والتحيات وكلمات جانبية وجه السيد السؤال التالي إلى الملك: من أين تؤمن الموارد المالية للاردن؟ كان السؤال بالنسبة للملك محرجاً، وغير متوقع فأجابه قائلاً: نحن دول صغيرة، لابد لتأمين وضعنا سياسياً واقتصادياً أن نعتمد على الدول العظمى ولقد تكفلت بريطانيا بتزويدنا المياه الصالحة للشرب وتأسيس محطة للكهرباء، ونحن لها من الشاكرين الاوفياء! واستمر الملك يمجد الانجليز ويصفهم بانهم عقول مفتحة ومتطورة.
فرد عليه السيد ابو الحسن الاصهفاني: أليس من المؤسف أن نمد نحن المسلمين