4. مرجعية الحضور الاجتماعي:
الذي ينظر إلى مرجعية السيد الاصفهاني يرى الوضع الاجتماعي والاهتمام بشؤون المجتمع أمرا حاضرا لديه، فهو حين يرى وضع طلاب العلم حرجا يقوم بالانفاق بسخاء على هذه الفئة المتفرغة للدراسة الدينية، فقد ذكروا أنه كان يؤمن نفقات البيوت المستأجرة لطلاب العلم والتي كانت بحدود مائتي (200) بيت ليتفرغ الطلاب للتعلم والدراسة بعيدا عن هم الديون. ولو أردنا تحويلها لهذا الزمان لكان علينا أن نحسب أن تكاليف الايجار وحدها تتجاوز السبعين ألف دولار شهريا.
هذا فضلا عن رواتب أهل العلم التي وصلت كما قال بعضهم إلى (20000) عشرين ألف[1]وهو مبلغ لم يتيسر لمن كان قبله كما قال صاحب أعيان الشيعة.
وأما على المستوى الاجتماعي العام، فإنه بعد أن شحت الأرزاق على اثر الحرب، وقام بعض التجار الجشعين باستغلال هذا الظرف الضاغط، لكي يزيدوا من ارباحهم غير مبالين بحالة الناس العامة، قام بتشجيع عدد من التجار الأخيار لتأسيس تعاونيات تجارية وخصوصا في إيران تقوم بجمع الحبوب واحتياجات الناس العامة، وجعلها في مخازن لتوزيعها في السوق بنحو عادل يفسد على المحتكرين تخطيطهم في إغلاء الاسعار.
كما سعى في تأمين حاجات المؤمنين في عدد من مجتمعاتهم، فقد ذكروا أنه كان يأمر بارسال (61) طنا من القمح لتغطية حاجات المحتاجين في النجف وكربلاء والكاظميين وسامراء[2].
[1]إن هذا المبلغ يعتبر بمقاييس تلك الفترة كثيرا جدا بملاحظة: أن رئيس الشرطة في بلدة العباسيات كان راتبه 14 دينار. كما يظهر من قصة السيد معه. وهذا يبين مقدار المصرف المذكور من السيد. وأن قيمة تأجير البيت كانت بحدود 5 دينار. فإن المبلغ المذكور يعني راتب قرابة 1500 شخص من هذه المرتبة. أو مقدار تأجير 400 منزل!.
[2]ديدار با ابرار: شمارة 56 صفحه: 57.
بل كان يعطي للخبازين مبالغ مالية لكي يعطوا للفقراء من أهل العلم وعامة الناس الخبر مجانا.
5. مرجعية الحكمة الادارية:
أن تكون عالما أو مرجعا دينيا لا يعني بالضرورة أن تنجح في معالجة الأزمات الاجتماعية، وذلك أن العلم ينتمي إلى جانب العقل النظري بينما الحكمة في المعالجة تنتمي إلى العقل العملي، ولهذا ربما وجدنا شخصا في أعلى الدرجات العلمية لكنه من الناحية العملية والادارية لا يمتلك نفس القدرة.
وقد اجتمع للسيد أبي الحسن الاصفهاني كلا القدرتين، بل ربما كان الجانب الثاني أظهر في مرجعيته.
إن الحكمة وإتيان الأمور من مداخلها الطبيعية، والذكاء الاجتماعي لهي من الصفات الأساسية التي يحتاج إليها المرجع لمعالجة الأمور. فإن الحقل الاجتماعي يختلف عن الشركة، كما يختلف عن المعسكر. وما يجري فيهما من طرق وأساليب قد لا ينفع في الحالة الاجتماعية.
إن توظيف المال في حل المشاكل قد لا يكون مقبولا أو معقولا في المعسكر، لكنه يعد ممارسة ذكية في المجتمع. فـ (خير المال ما صين به العرض) و(خير المال ما أكسب ثناء وشكرا) (وأفضل المال ما استرق به الأحرار) كما في روايات أمير المؤمنين عليه السلام .
ولقد وجدنا هذه الجهة واضحة في مرجعية السيد الاصفهاني، ونذكر بعض ما نقله معاصروه ومؤرخو حياته:
رئيس الشرطة عندما يتغير:
فقد نقل حفيده السيد عبد الحميد عن السيد محمد حسين مير سجادي، ما يلي: أن رئيس شرطة العباسية كان من غير الشيعة، وغير ملتزم بالصلاة وشارب للخمر،وكان يخضع من سواه لسلطته وكأنه رئيس الدولة. وكان شديد القسوة على الناس عموما والشيعة خصوصا.
يقول: فلما زرت النجف ذكرت الأمر للسيد أبي الحسن،فقال لي: إذا رجعت للعباسية فقل لرئيس الشرطة إن السيد يسلم عليك ويطلب حضورك عنده!
خشيت يقول مير سجادي أنه لو علم بأني اشتكيت حالنا عندكم فسوف يزداد ظلما وعنادا.
قال السيد: سوف لا يعلم بأنك أخبرتني عن حاله معكم!
يقول: بعد رجوعي ذهبت لرئيس الشرطة وأخبرته، أن السيد يسلم عليك ويريد أن يتعرف عليك، فقال: لا علاقة لي به ومالي وللدين وعلمائه ومراجعكم؟ ثم تأمل قليلا وقبل، وقال: نذهب معا إلى النجف.
ذهبنا وعلمته بعض المراسم المرتبطة بزيارة الامام علي، ثم ذهبنا إلى بيت المرجع الكبير الاصفهاني، وقلت له: إن من آدابنا نحن الشيعة أن نقبل يد مراجعنا إجلالا واحتراما.
دخلنا على السيد الذي استقبلنا بحفاوة، ورحب به كأنه يعرفه منذ زمن. وجلست بعيدا عنهما وأنا في قلق من رد فعل رئيس الشرطة، عندما قال له السيد: إن الناس في العباسيات مسلمون وأنا سمعت أنك رئيس الشرطة هناك. فقال: نعم! فقال السيد: كم تعطيك الحكومة؟ قال:تعطيني أربعة عشر دينارا.
فقال السيد: عجيب: أنت رئيس شرطة ولك مصاريف كثيرة بحكم مكانتك بين الناس أظن هذا الراتب لا يفي بجميع احتياجاتك.
قال: نعم إنه قليل، ولكن لا بد من القناعة!
قال السيد: إن لدي في الحلة وكيلا يجمع الحقوق لي، وسوف أكتب لك رسالة إليه ليعطيك من تلك الأموال أربعة عشر دينارا كل شهر وهذا سر بيني وبينك ولا تطلع عليه أحدا.
وفرح رئيس الشرطة وهو يتصاغر بين يدي السيد، فأضاف السيد قائلا: تعلم أن هناك فرقا بين المال الذي تستلمه من الحكومة والمال الذي تستلمه مني، المال الذي تستلمه مني حلال لا يعطى إلا للمصلين، أما المال الذي تأخذه من الحكومة فهو خليط بالحرام ولعله حرام كله.
وقبل أن يخرج، ناداه السيد عند الباب وهمس في إذنه: لا تنس أن تواظب على صلاتك في أوقاتها لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتسعدك في الدنيا والآخرة!
وبعد عودته إلى بلده طلب من مرافقه المير سجادي أن يعلمه ويعلم عائلته الأحكام الشرعية وحسن سلوكه مع الناس، ولم يعد إلى الظلم والفساد[1].
وربما يتردد البعض في إنفاق المال في هذه الجهات، لكن لا ريب أن دفع الضرر عن المؤمنين وهداية شخص مع عائلته إلى الصراط المستقيم، تستحق إنفاق هذا المبلغ.
وشيخ القبيلة يتحول من عدو إلى صديق:
ومثل ذلك الانفاق في إزالة العوائق عن نشر العقيدة والأحكام، وتسهيل عمل
[1]قصص وخواطر ص 102 باختصار
المبلغين في هداية الناس، وكم كان للسيد الاصفهاني من تجارب نافعة لمن أراد أن يمارس الادارة الاجتماعية الحكيمة. فمن ذلك ما نقل من:
أنه قد أرسل أحد وكلائه إلى شمال العراق، ولعله الشيخ البشيري الذي مر ذكره غير أن رئيس قبيلة كبيرة هناك عارض تحرك هذا العالم، ولم يتمكن من القيام بدوره، فاشتكى العالم لمركز الشرطة. مدير الشرطة قال: إن الطريق الوحيد هو أن تطلب من المرجع الاصفهاني أن يتصل بوزير الداخلية حتى يأمرنا بمواجهة رئيس القبيلة مع قبيلته.
العالم الذي تحمس للموضوع جاء عارضا الأمر على السيد أبي الحسن، وقدم له الاقتراح الذي ذكره مدير الشرطة.
فقال له السيد الاصفهاني: لكن عندي حلا أفضل.وكتب السيد رسالة إلى شيخ القبيلة ومعها خمسمائة دينار وهي كثيرة بحسب ذلك الزمان.
لما استلم شيخ القبيلة الرسالة ومعها المبلغ تغير، واعتذر عما بدر منه، وأمر قبيلته بأن يتعاونوا معه ويستمعوا إليه[1]. وكان هذا الحل لا شك أفضل من التصعيد والمشاكل.
[1]قصص وخواطر 506. عن كرامات الصالحين.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
فقه الخلاف للاتفاق والوحدة
السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي
- 1290 1377هـ
قامة شاهقة تقرب لك جيل الكبار من المؤسسين في المذهب. ذلك هو السيد عبد الحسين[1]شرف الدين.الذي جمع أطراف المجد في عباءة ثم لبسها، فهو ذلك العالم القدير المجتهد الذي كان (إماما في اللغة وعلوم العربية والمنطق والتاريخ والحديث والتفسير والرجال والرواية والأنساب والفقه والأصول والكلام)[2]، وهو ذلك المناظر المحاور المتألق في حلبات النقاش كتابة وشفاها، الذي يحلق عاليا فوق الشبهات والاشكالات المثارة فينقض عليها واحدة بعد الأخرى فيدمرها تدميرا، (وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)[3]، وهو المجاهد الثائر في وجه الاستعمار الفرنسي لكيلا يطرد هذا الجسم الغريب من أرض أجداده في جبل عامل، ولو واجه الاغتيال ومحاولات الاعتقال والمطاردة، والهجرة من بلد إلى بلد.
وهو المصلح الذي يخطط لانهاض أبناء مجتمعه عبر المؤسسات التربوية التعليمية والدينية الثقافية، الذي يتحرك
[1]يوجد بين الشيعة من يسمى بعبد النبي وعبد الزهراء وعبد الحسين، وهكذا. وبطبيعة الحال ليس المقصود هنا بالعبودية، العبودية المساوية للعبودية لله، فهذا لا يجيزه الإمامية لغير الله عزوجل، وإنما هي عبودية الطاعة والاحترام، وهي هنا تماما مثلما عبر القرآن الكريم {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (سورة النور: من الآية 32) فهؤلاء ليسوا عبيد عبادة، وإنما عبيد طاعة.
[2]كلمة آية الله العظمى الشيخ مرتضى آل ياسين في حقه. في مقدمة كتاب المراجعات.
[3]الشورى: من الآية 24.
بدأب وحماس مثيرا الهمم ومحرضا للعزائم، حتى يغير وضع منطقة الجنوب اللبناني وأهلها، فينقلهم من ظلمات الاستغلال والاستعباد إلى نور الاستقلال والحرية.
وهو داعية الوحدة بين المسلمين الذي لم يكل دعوة آتت ثمارا، وفي نفس الوقت المنافح عن حق الشيعة على المستويين النظري والعملي. وهذا من العجيب عند البعض.
ذلك أن هناك تصورا خاطئا عند أكثر من فئة:
فهناك بعض شيعة أهل البيت يرون أن الولاء لأهل البيت عليهم السلام هو في علاقة عكسية مع الدعوة للوحدة، فإذا أراد شخص أن يعلن عن شدة ولائه فلا بد أن يرفض الوحدة ودعوات التقارب مع باقي المسلمين، بل لقد أصبح قسم من هؤلاء الناس يقيسون مقدار (تشيع) الشخص بقلة اهتمامه بالطرف الآخر، بل بشدة مناكفته لهم، ويعرض هؤلاء عن كل صوت معتدل في الطرف الآخر السني، وكل توجه متوازن بينهم، وأي مشروع تعاون يستحق البناء عليه لمستقبل الأمة، بزعم أن التشيع لأهل البيت يعني هذا!
وبالطبع لا يعدم هؤلاء قضايا تاريخية، وروايات منقولة، وأجواء سياسية معاصرة، وزعماء في الطرف الآخر متشنجين، فيصبح كل ذلك وقودا في نار الخلاف المشتعلة أصلا، تزيد لهبها وأوارها.
وفي الطرف الآخر فإن هناك من السنة من يرون أن الوحدة لا يمكن أن تنسجم مع الدعوة إلى التشيع ونشر أفكاره! فإن ذلك كما يزعمون خطر على الأمة، وتهديد لنسيجها الاجتماعي، ولا يمكن لانسان أن يدعو إلى الوحدة وفي نفس الوقت يدعو إلى التشيع ويبشر بأفكاره! فالوحدة في رأي هؤلاء إبقاء ما كان على ما هو عليه، وأن لا تحرك السواكن!