وتمكين المجلس المنتخب من الرقابة على ما يحصل في المجتمع والدولة. وكان في طليعتهم استاذه الآخوند الخراساني. وبين أتباع (المستبدة) والذين كانوا يخشون من عواقب سيطرة التيار التغريبي العلماني على حركة الشارع المؤمن المخلصة، وتجيير تلك الحركة لصالح أولئك التغريبيين، فوقف بعض العلماء من مؤيدي المستبدة موقفا متحفظا تجاه الحركة الدستورية.
على وقع هذا الاختلاف السياسي كانت النجف الأشرف تعيش صراعا فكريا، وانقساما اجتماعيا أيضا، وكان الشيخ آقا بزرك الطهراني ممن ناصر فكرة أستاذه الآخوند في الدفاع عن الحركة الدستورية والمطالبة بالحريات وتقليص تحكم الشاه. وقد مر حديث عن تلك الأجواء في ذكر حياة الآخوند الخراساني والسيد اليزدي.
في المجال العلمي أتيح للشيخ الطهراني أن يحظى بالدراسة بل الاختصاص بعدد من الأعلام كل منهم يمثل قمة مدرسة في ذلك الزمان، أحدهم الشيخ محمد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند والذي يعد رأس المدرسة الأصولية والذي انتهت إليه في زمانه زعامتها بلا منازع وهو صاحب كتاب كفاية الأصول الذي لا يزال الكتاب الدرسي الأول في المراحل المتقدمة من الأصول قبل لبحوث الخارج، والعمدة الذي يعتمده مدرسو بحوث الخارج كمنهج يسيرون عليه.
وثانيهم: السيد كاظم الطباطبائي عميد الفقهاء في زمانه، صاحب كتاب العروة الوثقى الذي صار منذ تأليفه حتى اليوم محور الدرس في البحث الفقهي العالي وقد ترجمه في نقباء البشر وذكره بأعظم كلمات الثناء.
وثالثهم: المحدث الميرزا حسين النوري الطبرسي (ت 1320هـ) والذي ترجمه تلميذه الطهراني بكل إعجاب وإكبار واصفا إياه بإمام أئمة الحديث والرجال
في العصور المتأخرة، وقد لازمه ست سنين كما قال ملازمة الظل، ثم شرح بعض صفاته وما عرفه عنه[1].
وقد استفاد خلاصة أفضل ما في المدرستين من تحقيق ودقة عقلية، وتتبع أثري وخبري، فأنتج ذلك شخصية المحقق الطهراني.
هذا فضلا عن عدد من الأساتذة الذين ساعدوا في تكوين هذه الشخصية العالمة. مثل الشيخ محمد تقي الشيرازي، وشيخ الشريعة الاصفهاني، والشيخ محمد طه نجف والميرزا حسين الخليلي. وغيرهم.
إنتاجه العلمي:
لم يتوقف المحقق الطهراني آقا بزرك عن التحقيق والكتابة والتتبع، إلى أواخر أيام حياته فقد كتب ترجمة العلامة البياضي العاملي، وعمره ستة وتسعون سنة، وهو يقول أكتب هذه المقدمة مع رعشة يد، وضعف بدن ونحول، وكنت أتمنى لو أنني في زمان آخر حيث يطاوعنى البدن كما كنت في أيام الشباب!
كيف ينشأ من السلب إنتاج عظيم؛ قصة الذريعة:
يمر الكثير من الناس ولا سيما أرباب التوجهات على مشاكل، أو تواجههم تحديات أو تهم. فكيف يتعاملون معها؟
هم ينقسمون في هذا على أقسام:
القسم الأول: من لا يهتم ولا يثيره هذا التحدي أو التهمة والمشكلة، وتكاد ترى أنه لكثرة ما مر عليه من الكلمات والتهم، قد تصلب إلى الحد الذي (يعطيهم أذنا صماء). وهذا هو حال كثير من الناس.
[1]يراجع مقدمة مستدرك الوسائل، طبعة مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.
القسم الثاني: من يكون لديه رد فعل مؤقت، يتمثل في انفعال نفسي وحنق مثلا، أو لعن باللسان، أو مظاهرة صاخبة، أو ما شابه، فلا يلبث بعد أن تبرد الأزمة أن يرجع كل شيء إلى ماكان. ولعلنا نجد في ما مارسه كثير من المسلمين في ردهم على الرسام الدانماركي الذي تعدى على مقام رسول الله صلى الله عليه وآله فيما عرف بمشكلة الرسوم الكاريكاتيرية مثالا واضحا لهذا القسم، فما مرت ستة أشهر على الحادثة وتداعياتها حتى هدأ كل شيء ولم يعد الأمر مثيرا لأحد.
والقسم الثالث: هو من يتخذ من المشكلة أو التحدي وقودا لبرنامج إيجابي طويل المدة يقضي على منشأ تلك المشكلة والمتمثل في الجهل وعدم المعرفة. وهذا هو النحو المطلوب الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء والمحققون. فإن جزءا كبيرا من المشكلة راجع إلى الجهل وإن الآخرين لو قدمت لهم المعرفة لانصاع كثير منهم إلى القبول.
وقد قدم المحقق الطهراني وبعض معاصريه من العلماء نموذجا رائعا في هذا الصدد، وإن كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة الذي جمع فيه قرابة (خمسة وخمسين ألف كتاب ورسالة) مما ألفه الشيعة في مختلف أزمنتهم، لهو جهد ينبغي الاقتداء به من قبل العلماء والعاملين.
1. الذريعة إلى تصانيف الشيعة:
قالوا: إن سبب تاليف المحقق الطهراني لكتاب الذريعة[1]كان بالاضافة إلى ما ذكره من تعليقات وحواش على كشف الظنون الذي ألفه مصطفى عبد الله المعروف بملا كاتب جلبي. «وكان الباعث على تأليف الذريعة هو ما ذكره (جرجي زيدان) في كتابه» تاريخ آداب اللغة العربية ط 1911 م حينما تحدث عن الشيعة فقال ما خلاصته: الشيعة طائفة صغيرة لم تترك أثرا يذكر، وليس لها وجود في
[1]الذريعة تعني الوسيلة.
الوقت الحاضر. فدفع هذا القول بالشيخ آغا بزرك ورفيقيه في العلم السيد حسن الصدر المتوفى عام 1354هـ والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المتوفى عام 1373هـ أن يتعاهدوا ويأخذ كل واحد منهم على عاتقه بيان جانب من جوانب الثقافة الشيعية الغنية والتعريف بها.
وقد تقرر أن يبحث العلامة السيد حسن الصدر حول الآثار العلمية الشيعية، وبيان فضل الشيعة، وسهمهم في تأسيس علوم الإسلام، وظهرت ثمرة بحثه في كتابه «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام «الذي طبع بمساعدة الشيخ نفسه عام 1370هـ.
أما العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء فقد تقرر أن يكتب نقدا لكتاب جرجي زيدان «تاريخ آداب اللغة العربية «ويكشف عن كل أخطائه فيه، وقد نفذ هذه المهمة، وكتب نقدا علميا جامعا للكتاب بمجلداته الأربع وأما الشيخ آقا بزرك فقد تعهد أن يكتب فهرسا يجمع فيه أسماء كل مؤلفات الشيعة[1].
والذريعة كتاب في 29 مجلدا، ومجموع عناوين الكتب التي ذكرها فيه، يقارب 55 ألف عنوان.
والاحاطة بهذه الكتب والوصول إلى أماكن وجودها، والتمييز بين مؤلفيها، وعناوينها، وغير ذلك يحتاج إلى تتبع كبير.
كما أن المحقق الطهراني رحمة الله قام بعدد غير قليل من التحقيقات التاريخية في ثنايا حديثه عن هذه الكتب، وقد وقعت تحقيقاته محل القبول والاستفادة ممن جاء بعده.
حفظ المحقق الطهراني أعلى الله درجاته بعمله ذلك الذي لم يكن مسبوقا به
[1]مقدمة كتاب تاريخ حصر الاجتهاد، نقلا عن محمد رضا الحكيمي في مقال في مجلة الهادي العدد الخامس، السنة الرابعة،
من أحد بهذا النحو، الآلاف من عناوين الكتب عن الضياع، ومكن المحققين ممن أرادوا التعرف على هذه الكنوز التراثية من معرفة أماكنها، والوصول إليها لتحقيقها وإحيائها من جديد، كما رد بأبلغ رد على مقالة أن الشيعة لم يتركوا أثرا علميا مهما. بذكر مآثرهم في العقيدة والفقه وأصوله، والسيرة والتاريخ واللغة العربية والأدب والشعر، والرجال والتراجم، والتفسير وعلوم القرآن المختلفة، وغيرها.
وقد أحصى بعض الباحثين[1]العناوين التي تطرق إليها المحقق الطهراني في الكتاب، فجاء بهذه النتيجة، وهي لا تشمل بطبيعة الحال كل العناوين:
الاجازات العلمية والروائية 806
الكتب والأصول الحديثية 117
العقائد وأصول الدين 94
الامامة 119
تفسير القرآن 355
شرح نهج البلاغة 86
سيرة الحسين 2000
2. طبقات أعلام الشيعة:
كان المحقق الطهراني في أثناء تأليفه لكتاب الذريعة، يسجل ملاحظات ويحفظها في ملفات مختلفة حتى إذا أنهى كتاب الذريعة كان لديه عدد هائل من الملاحظات والتهميشات، في حياة مؤلفي وأعلام الشيعة الذين ذكر أسامي كتبهم ومواضيعها في الذريعة، فقام فيما بعد بتنظيمها وترتيبها وأصبحت كتابا جديدا في
[1]سردرودي، محمد صحتي. آقا بزرك اقيانوس بزوهش (محيط التحقيق) فارسي.
تراجم العلماء والأدباء منذ القرن الرابع الهجري حتى القرن الرابع عشر. وقد خرج هذا بصورة كتاب تاريخي في تراجم أولئك الأعلام يقع في ثلاثين مجلدا، رتبه على أساس القرون بعناوين مستقلة مثل (نوابغ الرواة في رابعة المئات، النابس في القرن الخامس، الثقات العيون في سادس القرون..) وهكذا.
3. تقريراته لدرس أساتذته في الفقه والأصول كالآخوند الخراساني، وشيخ الشريعة )الاصفهاني.
4. تعريف الأنام بالمدنية والإسلام.
5. تاريخ حصر الاجتهاد.
6. النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف.
7. واقعة الطف الخالدة
8. الكشكول
بالإضافة إلى عدد كبير من الدراسات ومقدمات الكتب والتقريظات.
لقطات:
قد ذكر مترجموه الكثير من لقطات حياته تصلح أن تكون كل منها محل اقتداء وتأس من قبل المؤمنين، فمن ذلك ما ذكره صاحب أعيان الشيعة آية الله السيد محسن الأمين، في لقائه به أول الأمر وكيف كان يسعى بدأب.
قال السيد الأمين ما ملخصه، إنني كنت ولأجل جمع وتهيئة المعلومات لكتاب (الأعيان) قد ذهبت لمكتبة شيخ العراقين في كربلاء، وطلبت من مديرها البقاء فيها اسبوعا، فقبل بشرط أن يتولى هو الضيافة، وفي ليلة قال المضيف لي: لدينا الليلة
ضيف هو آقا بزرك، ولم أكن أعرفه قبلها، بل أسمع عنه ولما رأيته لم يكن مجرد مؤلف في المصنفات وإنما هو بحر من المعلومات في الفقه والفلسفة والأصول، وفي الساعة الرابعة والنصف غلب علي التعب فنمت مدة وجلست بعد مدة وهو لا يزال يبحث ويقرأ.
كما أن قصة طباعة الذريعة هي بنفسها تشير إلى الجهد بل الجهاد الذي بذله مؤلفها المحقق الطهراني، فقد أنجز الأجزاء الثلاثة الأولى أيام العهد الملكي في العراق، وكان يفكر في طباعتها، غير أنه لم يكن لديه المال اللازم لذلك، وساق الله سبحانه له أحد التجار الايرانيين والذي تفاعل مع المشروع، فأعطى المحقق الطهراني مالا يكفي لشراء مطبعة
وهنا وقبل طباعة الكتاب جاءه مندوب من وزارة المعارف العراقية (محل وزارة الإعلام اليوم) قائلا له بأنه لا حق له في طباعة الكتاب، لأنه لا يسمح لشخص ايراني أن يمتلك مطبعة في العراق!
الشيخ أعطى المطبعة لشخص عراقي وسجلت باسمه للتغلب على هذه المشكل، وطبع الكتاب أخيرا، ولكن هل انتهت المشاكل؟ كلا، فقد منعت وزارة المعارف التي كان يحكمها توجه طائفي مضاد لمنهج أهل البيت، أن يباع الكتب وأمرت بأن يسحب من الأسواق التي وصل إليها! لماذ؟
قالوا لأن اسم المؤلف إيراني! وهو يوضع على الغلاف؟
فرأى المحقق الطهراني أنه لن ينتفع بهذه المطبعة مع كل العقبات التي توضع أمامها، فاستأذن من دافع المال بأن يبيعها، ليطبع بثمنها الكتاب خارج العراق!
وقد تكرر في زمانه ما كان قد حدث في الأزمنة الماضية، التي شهدت مصادرة الكتب التي تنتمي للمدرسة الإمامية، وإتلافها، والمنع من تداولها كما يلاحظ
الباحث والمؤرخ ذلك. هذا مع أن الكتاب لم يكن سوى فهرس لمصنفات الشيعة في الفنون العلمية المختلفة!
وقد استمر على هذا المنوال يؤلف ويحقق ويكتب إلى أواخر عمره، فها نحن نجده وهو يكتب ترجمة العلامة البياضي العاملي، وقد قارب المئة من الأعوام، مع رعشة يد وضعف بدن ويقول إنني اعتذرت عن ذلك، وكنت أتمنى لو كان هذا في أيام الشباب حيث كان البدن مطيعا.
وقد صدق الأديب والباحث المسيحي د. يوسف داغر حين قال: لو لم يكن في القرن الرابع عشر الهجري للشيعة غير الأميني وغديره، والأمين العاملي وأعيانه، وآقا بزرك وذريعته لكان ذلك يكفي في خدمة المجتمع والعلم. ولذا فإنه قد أهدى كتابه (فهارس المكتبة العربية في الخافقين) إلى آقا بزرك؛ عبقرية التاريخ وشيخ الباحثين.