ضيف هو آقا بزرك، ولم أكن أعرفه قبلها، بل أسمع عنه ولما رأيته لم يكن مجرد مؤلف في المصنفات وإنما هو بحر من المعلومات في الفقه والفلسفة والأصول، وفي الساعة الرابعة والنصف غلب علي التعب فنمت مدة وجلست بعد مدة وهو لا يزال يبحث ويقرأ.
كما أن قصة طباعة الذريعة هي بنفسها تشير إلى الجهد بل الجهاد الذي بذله مؤلفها المحقق الطهراني، فقد أنجز الأجزاء الثلاثة الأولى أيام العهد الملكي في العراق، وكان يفكر في طباعتها، غير أنه لم يكن لديه المال اللازم لذلك، وساق الله سبحانه له أحد التجار الايرانيين والذي تفاعل مع المشروع، فأعطى المحقق الطهراني مالا يكفي لشراء مطبعة
وهنا وقبل طباعة الكتاب جاءه مندوب من وزارة المعارف العراقية (محل وزارة الإعلام اليوم) قائلا له بأنه لا حق له في طباعة الكتاب، لأنه لا يسمح لشخص ايراني أن يمتلك مطبعة في العراق!
الشيخ أعطى المطبعة لشخص عراقي وسجلت باسمه للتغلب على هذه المشكل، وطبع الكتاب أخيرا، ولكن هل انتهت المشاكل؟ كلا، فقد منعت وزارة المعارف التي كان يحكمها توجه طائفي مضاد لمنهج أهل البيت، أن يباع الكتب وأمرت بأن يسحب من الأسواق التي وصل إليها! لماذ؟
قالوا لأن اسم المؤلف إيراني! وهو يوضع على الغلاف؟
فرأى المحقق الطهراني أنه لن ينتفع بهذه المطبعة مع كل العقبات التي توضع أمامها، فاستأذن من دافع المال بأن يبيعها، ليطبع بثمنها الكتاب خارج العراق!
وقد تكرر في زمانه ما كان قد حدث في الأزمنة الماضية، التي شهدت مصادرة الكتب التي تنتمي للمدرسة الإمامية، وإتلافها، والمنع من تداولها كما يلاحظ
الباحث والمؤرخ ذلك. هذا مع أن الكتاب لم يكن سوى فهرس لمصنفات الشيعة في الفنون العلمية المختلفة!
وقد استمر على هذا المنوال يؤلف ويحقق ويكتب إلى أواخر عمره، فها نحن نجده وهو يكتب ترجمة العلامة البياضي العاملي، وقد قارب المئة من الأعوام، مع رعشة يد وضعف بدن ويقول إنني اعتذرت عن ذلك، وكنت أتمنى لو كان هذا في أيام الشباب حيث كان البدن مطيعا.
وقد صدق الأديب والباحث المسيحي د. يوسف داغر حين قال: لو لم يكن في القرن الرابع عشر الهجري للشيعة غير الأميني وغديره، والأمين العاملي وأعيانه، وآقا بزرك وذريعته لكان ذلك يكفي في خدمة المجتمع والعلم. ولذا فإنه قد أهدى كتابه (فهارس المكتبة العربية في الخافقين) إلى آقا بزرك؛ عبقرية التاريخ وشيخ الباحثين.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ملحق
إطلالة عامة على المنهج الدراسي في الحوزة العلمية
نظرا لمساحة الحرية الواسعة في التعليم الحوزوي، من حيث اختيار الطالب الاتجاه العام في الدراسة، بل اختيار الكتاب، ونظرا للتطور الذي حصل في الحوزات خلال القرون الماضية والذي انتهى إلى استبدال بعض الكتب وإحلال كتب أخرى محلها، لذلك لا يمكن وضع جدول دقيق للمنهج التعليمي في كل الحوزات، وما سنعرضه هنا يمثل الحالة العامة والغالبة في الحوزات، وبالذات خلال القرن الأخير من عمر الحوزة العلمية.
ومن الواضح أنه ليس المقصود أن كل طالب حوزوي لا بد أن يدرس كل هذه الدروس، أو أن كل حوزة لا بد أن تشتمل عليها كلها.
تنقسم فترة الدراسة بحسب مستوى المادة المدروسة إلى ثلاثة مستويات:
المقدمات.
السطوح.
بحث الخارج.
كما تنقسم بحسب مواضيع المادة المدروسة إلى
الفقه وأصوله، واللغة العربية، وهذه المواد الثلاث تشكل العمود الفقري للدراسة الحوزوية وتعتبر الدروس الأساسية.
وهناك عدد آخر من المواد الدراسية: منها القرآن (تفسيرا وتدبرا وتجويدا)
والعقائد، والمنطق، والفلسفة، والدراية (والرجال).
في مرحلة المقدمات:
يدرس الطالب في اللغة العربية كتاب الأجرومية أو النحو الواضح، فإذا أنهاه درس شرح ابن عقيل، أو قطر الندى، ثم درس مغني اللبيب، وربما درس شرح ابن الناظم.
كذلك يدرس بعض الطلاب جواهر البلاغة. أو المطول (في البلاغة أيضا).
ولا ينهي الطالب كل هذه المواد في مرحلة المقدمات، فربما درس قسما منها وهو في مرحلة السطوح.
وفي الفقه يدرس الطالب عادة الرسالة العملية، وهي عبارة عن كتاب فتوائي يجمع فتاوى المرجع الذي يقلد مثل (منهاج الصالحين)، وقد كانوا في السابق يدرسون نهاية الشيخ الطوسي، وفي فترة لاحقة المختصر النافع للمحقق الحلي.
وبعدها يدرس الطالب (شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام) للمحقق الحلي.
وفي أصول الفقه يدرس الطالب مقدمة مختصرة عنه، مثل معالم الدين للشيخ حسن بن الشهيد الثاني، أو خلاصة أصول الفقه للشيخ الفضلي. وفيما بعد يدرس أصول الشيخ المظفر، وقد دخل في الفترة الأخيرة كتاب دروس في علم الاصول للشهيد الصدر في حلقته الأولى والثانية كبرنامج دراسي في بعض المدارس.
في هذه المرحلة تدرس بعض الحوزات الحديثة برنامج التدبر في القرآن بحيث يستعين به الطالب على استنطاق آيات القرآن، بينما تفضل حوزات أخر تدريس قسم من أحد التفاسير المعروفة، مثل جوامع الجامع للمفسر الطبرسي.
كما شاع في الفترات الأخيرة تدريس علوم القرآن، ويستفيد بعض المدرسين من أجواء شهر رمضان فيشرعون في تدريس آيات الأحكام من القرآن.
كما يدرس الطالب في هذه المرحلة بعض دروس العقائد مثل شرح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي، وفي الفترات الأخيرة صار كتاب عقائد الإمامية للشيخ المظفر بديلا عنه في هذه المرحلة. وفي مرحلة لاحقة يدرس الطالب شرح التجريد. للعلامة الحلي.
والمنطق أيضا يدرس في هذه المرحلة، والشائع في الفترة الأخيرة أنه بعد دراسة موجز المنطق للسيد الشيرازي، أو خلاصته للشيخ الفضلي، أن يدرس منطق الشيخ المظفر.
وتدرس الفلسفة في بعض الحوزات، في هذه المرحلة أيضا بعد قطع شوط من الدراسة، فيدرس الطالب بداية الحكمة للسيد الطباطبائي وربما درس بعضهم منظومة الملا هادي السبزواري.
كما أن بعض الطلاب يدرسون علم الدراية والرجال، على ضوء كتاب الرعاية في علم الدراية للشهيد الثاني أو مقباس الهداية للشيخ المامقاني.
في مرحلة السطوح:
وبعضهم يقسمها إلى السطوح والسطوح العالية. وفيها يدرس الطالب في الفقه كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (يصطلح عليه باللمعة) الأصل للشهيد الأول والشرح للشهيد الثاني، وهو متن فقهي استدلالي، ثم كتاب المكاسب (أو المتاجر) للشيخ الأنصاري.
وأما أصول الفقه فيدرس في هذه المرحلة، كتاب فرائد الأصول المعروف بالرسائل للشيخ الأنصاري وبعده كفاية الأصول للآخوند الخراساني، وهو كتاب
عميق في هذا الباب، وفي الفترة الأخيرة بدأت بعض الحوزات بتدريس الحلقة الثالثة من (دروس في علم الأصول) للشهيد الصدر.
وفي الفلسفة يدرس كتاب (نهاية الحكمة) للسيد الطباطبائي. والبعض يدرس الحكمة المتعالية للملا صدرا، أو الهيات الشفاء لابن سينا.
مرحلة بحث الخارج:
بعد أن يطوي الطالب كل تلك الدروس السابقة في مختلف المواد يكون قد تهيأ ذهنيا، ونمت قدرته العقلية والاستدلالية، فيدخل في بحث الخارج حيث يقوم استاذ البحث باعتماد متن معين وهو غالبا في الفقه (العروة الوثقى) للسيد اليزدي، وفي الأصول (كفاية الأصول) للآخوند الخراساني، حيث يبدأ المدرس ببيان المسألة محل البحث، ويبين استدلال المصنف عليها، ثم ما قاله أعلام المدرسة (الفقهية أو الأصولية) وبعدها يناقش كلا من أدلة المصنف وأدلة المتأخرين عنه، ويتخلص أخيرا إلى مختاره في المسألة وأدلته عليها فربما وافق المصنف أو خالفه في الحكم أو في طريق الاستدلال.
والمفروض ان يكون تلميذ البحث الخارج بعد مدة من الزمان تختلف بحسب الذكاء، قادرا على تكوين الآراء الخاصة به، ومناقشة أستاذه أو من سبقه.
المصادر
الأحسائي،ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي تحقيق آقا مجتبى العراقي.سيد الشهداء - قم 1983م.
آل سيف، فوزي:صفحات من التاريخ السياسي للشيعة. دار الصفوة 1431هـ.
آل سيف، فوزي: بناء القادة في منهج أهل البيت.مؤسسة الوفاء بيروت 1414هـ.
الأمين حسن مستدركات أعيان الشيعة دار التعارف للمطبوعات - بيروت 1418هـ.
الأمين، محسن:أعيان الشيعة. دارالتعارف للمطبوعات - بيروت.
الأميني، عبد الحسين: الغدير.دار الكتاب العربي ذ بيروت 1397
الأنصاري، مرتضى: التقية. مؤسسة قائم آل محمد - قم 1412هـ.
بابويه، محمد بن علي بن: عيون أخبار الرضا عليه السلام. مؤسسة الأعلمي 1404هـ.
بابويه، محمد بن علي بن: المقنع. مؤسسة الإمام الهادي قم 1415هـ.
بابويه، محمد بن علي بن: الاعتقادات في دين الإمامية. دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت 1414هـ.