ولقد رأيت في "المرتضى" أديبا ناقدا يعتبر في طليعة الناقدين، وأديبا ناثرا يعد من خيرة الأدباء المترسلين، وأديبا شاعرا، يسلك به في الشعراء الآليين الذين يملكون المادة الصالحة، والآلة المرهفة، ولا يملكون القدرة على الانتفاع بهما من أجل تحويلها إلى بضاعة تدخل سوق الأدب فتصيب حظا بالغا من تقدير ورواج[1].
أساتذته:
توفر للشريف المرتضى عدد من الأساتذة الذين كان كل واحد منهم، فريدا في فنه وعلمه، فقد درس على يد الخطيب الأديب ابن نباتة[2]، الذي كان يقول إنه حفظ مائة فصل من خطب علي ابن أبي طالب ففاضت من جنانه ولسانه. وقد استفاد منه علماً كثيراً في الأدب والشعر والخطابة ويعده بعض العلماء أوحد أهل زمانه علماً وخطابة.
كما أخذ اللغة وعلومها عن محمد بن عمران المرزباني الكاتب المتوفى سنة 384هـ كما ذكر ذلك في ترجمته، في مقدمة الذريعة إلى أصول الشيعة.
أما أستاذه المبرز فقد كان الشيخ المفيد محمد بن النعمان البغدادي العكبري الذي انتهت إليه رئاسة الشيعة الإمامية في زمانه،وقد أخذ الشريف العلم على يديه مدة تصل إلى عقدين من الزمن.
[1]الأمين؛ السيد محسن: أعيان الشيعة ج 8 ص 213. ظاهرا عن كتاب (أدب المرتضى).
[2]عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل الفارقي، كان خطيب حلب، وبها اجتمع مع أبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، فكثرت خطبه في الجهاد ليحض الناس على نصر سيف الدولة، توفي سنة 374 ذكر ذلك في الدرجات الرفيعة وفي فلاسفة الشيعة ولعله المشهور بينهم، غير أن باحثين آخرين رأوا الذي درس عليه الأدب واللغة هو ابن نباتة السعدي: عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد ابن نباتة (بضم النون أبو نصر التميمي السعدي الشاعر ولد سنة 327 وتوفى ببغداد سنة 405 خمس وأربعمائة. له ديوان شعره مشهور.
عصره:
عاش الشريف المرتضى في عصر البويهيين، وهؤلاء لأسباب مختلفة أطلقوا عنان الأفكار، وقُدر في زمانهم العلم وتنوفس فيه، فراجت سوقه.
ولهذا فإنه بالرغم من توجهات البويهيين الشيعية الواضحة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من جعل (عبد الجبار الهمداني)[1]القاضي الأكبر، وهذا بدوره لم يأل جهدا في تشييد الفكر الاعتزالي في العقائد حيث كتب وهو في ذلك المنصب كتابه المعروف (المغني في التوحيد والعدل)، وفي مبحث الامامة جاء بحجج المعتزلة كاملة وفيها تخطئة لنظرية الإمامية القائمة على النص والنصب، وأن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله هو علي بن أبي طالب بلا فصل! ولم يلاحظ حال الحاكمين البويهيين ولا الوزير الأول الصاحب بن عباد الذي يعد من أعيان الإمامية وكبارهم.
وهذا يدل على جو الحرية الفكرية الذي وفره الحاكمون والمتنفذون آنئذ وهو الذي ينبغي أن يكون القاعدة السائدة في بلاد المسلمين.
كتبه:
ألف الشريف كتبا كثيرة بلغت (117 كتابا ورسالة وعدها محقق كتاب الانتصار بـ 123)، وإن نظرة فاحصة على أهم الكتب التي ألفها الشريف تبين لنا صحة ما ذكره آنفا الدكتور محي الدين، من كونه مبتكرا في علوم كثيرة في الأفق الشيعي الإمامي.
[1]عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد آبادي، أبو الحسين ت 415 ه: قاض، أصولي. كان شيخ المعتزلة في عصره. وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره. ولي القضاء بالري، ومات فيها. له تصانيف كثيرة، منها: (تنزيه القرآن عن المطاعن - ط) و (الأمالي) و (المجموع في المحيط بالتكليف - ط) الأول منه، و (شرح الأصول الخمسة - ط) و (المغني في أبواب التوحيد والعدل - ط) أحد عشر جزءا، و (تثبيت دلائل النبوة - ط) و (متشابه القرآن - ط). عن الأعلام- خير الدين الزركلي 3. 274
فمن كتبه:
تنزيه الأنبياء:
حيث التزم الإمامية بتنزيه الأنبياء (والأوصياء) عن الوقوع في الكبائر والصغائر، متميزين في ذلك على باقي المذاهب الكلامية، ونظرا لأنه يوجد في القرآن الكريم ما ظاهره نسبة الخطيئة والمعصية إليهم كما في آدم، ونوح ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وداود وسليمان ويونس وعيسى وخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وعليهم، كان لا بد من الاجابة على تلك الآيات، وقد فعل الشريف ذلك بكفاءة عالية، ثم عطف للحديث نفسه عما ينسب من الخطأ والخطل للأئمة عليهم السلام كعلي بن أبي طالب، والامام الحسن والحسين والرضا والمهدي.
والكتاب هذا موجود ومطبوع،يقع في 238 صفحة.
وربما تكون بعض الإجابات موجودة في روايات متفرقة هنا وهناك، إلا أن الاستدلال العقلي على المسائل المختلفة، بهذا النحو من الاستيعاب والتفصيل قد لا نجد له مثيلا قبل الشريف المرتضى.
الشافي في الإمامة:
نستعين هنا بكلمة للمرحوم العلامة الشيخ محمد جواد مغنية في شأن هذا الكتاب والكاتب، فهي «مغنيةب عن غيرها، قال: ذكر الشريف جميع الشبهات التي قيلت أو يمكن أن تقال حول الإمامة، وأبطلها بمنطق العقل، والحجج الدامغة. ولا أغالي إذا قلت أن كتاب الشريف هو أول كتاب شاف كاف في الدراسات الإسلامية الإمامية، بحيث لا يستغني عنه من يريد الكلام في هذا الموضوع، وبحثه بحثا موضوعيا، وليس من شك أن العلامة الحلي قد عنى كتاب «الشافي «حين قال مقرظا الشريف: «بكتبه استفاد الإمامية منذ زمنه رحمة الله إلى زماننا - بل وإلى آخر
الزمان - وهو أي الشريف ركنهم ومعلمهم قدس الله روحه وجزاه عن أجداده خيراب[1]. وهو مطبوع في مجلدات أربعة.
وقد لخصه شيخ الطائفة الطوسي في كتاب (تلخيص الشافي)، واكتفى بما جاء فيه.
الذريعة إلى أصول الشريعة:
وهو كتاب في أصول الفقه، ولم يسبق بمثله في الأفق الشيعي الإمامي، إلا من استاذه الشيخ المفيد حيث كتب التذكرة بأصول الفقه، وعند المقارنة بين الكتابين يتبين الفرق لصالح ذريعة المرتضى من حيث الحجم حيث يبلغ هذا عدة أضعاف التذكرة، وتنوع وكثرة المواضيع أيضا. ولهذا السبب قيل إن الكتاب بقي مدار التدريس في الحوزات العلمية إلى أيام المحقق الحلي أي لمدة تقارب قرنين من الزمان من تأليفه. والكتاب مطبوع ويقع في مجلدين (836 صفحة).
المقنع في الغَيبة:
(غيبة الإمام المهدي) في جزء واحد يبدأ في الحديث فيه عن أصل وجوب الامامة والعصمة، ثم يتحدث عن الغيبة وأن الجهل بحكمة الغيبة لا ينفي الحكمة، وينظّر باستتار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة، ويفرق بين الغيبة وعدم الوجود.وفيه الأدلة على وجوده وغيبته وكيف تكون العلاقة بينه وبين الشيعة في زمن الغيبة والأجوبة على الإشكالات التي توجه إلى هذه النظرية. ويكفي في بيان قيمة الكتاب أن شيخ الطائفة الطوسي وهو أحد تلامذة الشريف المرتضى عندما ألف كتاب الغيبة قام بنقل أقسام بكاملها من كتاب أستاذه الشريف المرتضى.
[1]الشافي في الامامة 1. 19 مقدمة الكتاب.
الانتصار في الفقه:
وقد ذكر موارد اختلاف الإمامية في الفقه عن سائر المذاهب وما يرى إنه من متفرداتها القول به، واستدل على تلك الموارد بأدلتها، وبيّن وجود موافقين للإمامية فيها من سائر العلماء. وقد استعرض في هذا الكتاب الآراء التي امتاز بها فقه الإمامية في قسمي العبادات والمعاملات، ويقع في مجلد واحد (600 صفحة).
الناصريات في الفقه:
وهو أشبه بدورة فقهية كاملة مختصرة حيث احتوى على 207 مسائل في الفقه الاستدلالي المقارن، حيث عرض فيه لآراء المذاهب الأخرى وناقشها باختصار.
تلك كانت نماذج من عناوين كتبه الكثيرة النافعة.
وقد كان للشريف المرتضى قدس سره عناية خاصة بالفقهاء وأهل العلم فقد أوقف قرية من أملاكه لكي ينفق عائدها على النشاطات العلمية من كتب للفقهاء والعلماء،من كاغذ (ورق) ومحابر وأدوات، وعين رواتب للعلماء والدراسيين والفقهاء بحسب حاجتهم المادية ومنزلتهم العلمية، ولذلك نتعجب عندما نرى كاتبا يصف الشريف المرتضى بالبخل! فهل يعقل أن يكون بخيلاً ويوقف قرية كاملة أو يؤسس مكتبة يقول عنها ياقوت(لم نسمع عن مثلها في كل الدنيا) لاحتوائها على ثمانين ألف كتاب في زمن كان من الصعب أن يجتمع فيه هذا المقدار من الكتب لأسباب كثيرة، منها أن بعض الكتب كان ينسخ مرة واحدة فقط بخط مؤلفه، أو كونها غالية الثمن.
ومن ذلك ما ذكر أنه أشترى نسخة من كتاب الجمهرة لأشعار العرب لابن دريد بقيمة ستين ديناراً ليضمها إلى المكتبة فإذا به وهو يتصفحها يجد في غلافها الأخير شعرا كتبه بائعها وهو الأديب أبو الحسن القالي يقول فيه:
أنستُ بها عشرين حولاً وبعتها
لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها
ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة
مقالة مكويّ الفؤاد حزين
وقد تُخرج الحاجات يا أمَّ مالكٍ
كرائم من ربٍّ بهن ضنين
فلما علم الشريف بحاله وأنه قد باع الكتاب بسبب الحاجة أعاد له الكتاب وأرسل له أيضاً ستين ديناراً أخرى.
هذا مع العلم أن راتب الطالب الواحد مثل الشيخ الطوسي في ذلك الوقت كان اثني عشر ديناراً، أي أن الكتاب كان بمبلغ كبير يصل إلى راتب خمسة طلاب، فنحن نعتقد أنه عندما يصف البعض الشريفَ بالبخل فهو يفعل هذا لأنه لا يملك ما يعيب به هذا العالم الجليل.
وشتان بين ما قاله هذا الكاتب وبين ما قاله أبو العلاء المعري!فأبو العلاء الذي عُرف عنه عدم رضاه عن أحد لاعتداده بذاته عندما ذهب وزار الشريف المرتضى ورجع من عنده سأله الناس كيف وجدت الرجل؟ فقال:
يا سائلي عنه لما جئت أسأله
ألا هو الرجل العاري من العار
لو جئته لرأيت الناس في رجل
والدهر في ساعة والأرض في دار
فهو يصفه أنه خلاصة الناس كلهم وخلاصة العلم وأن الدهر والزمن قد تلخص فيه وفي الساعة التي قضاها معه وحصل منه على الفوائد.
الشريف المرتضى قدس سره أثرى الساحة العلمية والدينية بالكثير وقد كان لسان فقهاء أهل البيت ولذا نستغرب من ابن كثير عندما تحدث عن الشريف المرتضى فصوره متفردا في مسائله عن الإمامية، فقال: «وقد نقل ابن الجوزي أشياء من تفرداته في
التشيع، فمن ذلك أنه لا يصح السجود إلا على الأرض أو ما كان من جنسها، وأن الاستجمار إنما يجزئ في الغائط لا في البول، وأن الكتابيات حرام، وكذا ذبائح أهل الكتاب، وما ولوه هم وسائر الكفار من الأطعمة حرام، وأن الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين، والمعلق منه لا يقع وإن وجد شرطه، ومن نام عن صلاة العشاء حتى انتصف الليل وجب قضاؤها، ويجب عليه أن يصبح صائما كفارة لما وقع منه. ومن ذلك أن المرأة إذا جزت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ، ومن شق ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة اليمين، ومن تزوج امرأة لها زوج لا يعلمه وجب عليه أن يتصدق بخمسة دراهم، وأن قطع السارق من رؤوس الأصابع»[1].
فنقول: أما فتوى لزوم الإشهاد في الطلاق، فعليها إجماع الإمامية، دون النكاح حيث لا يوجبون فيه الشهود، بينما عكس غيرهم من المذاهب فأوجب في النكاح الشهود، ولم يوجبه في الطلاق.
وهذا الأمر بالاضافة إلى ما يقتضيه الاعتبار من حيث أن الشرع الإسلامي يبتغي بناء النكاح بأسهل ما يمكن وذلك يقتضي تقليل الشروط والقيود، وفي المقابل يسعى لتقليل الطلاق، وتعطيل السرعة فيه، وهو يقتضي زيادة الشروط والقيود (مثل أن لا يكون في زمان الدورة الشهرية، وأن يكون في طهر لم تحصل فيه مواقعة) ومنها أن يكون هناك شاهدان عادلان يشهدان إيقاع الطلاق.
ولم يخالف في ما ذكر أحد من علماء الشيعة[2]. ومن يخالف فهو محجوج بالدليل القرآني{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}[3]والروائي والاجماع.
[1]ابن كثير، البداية والنهاية 12. 67
[2]قال السيد علي الطباطبائي في رياض المسائل 7. 316 (ولا بد في صحة الطلاق من شاهدين يسمعانه بإجماعنا، حكاه جماعة من أصحابنا، وبه استفاض أخبارنا. ففي الصحيح «طلاق السنة يطلقها تطليقة على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين.
[3]سورة الطلاق: من الآية 2.
كما أن الطلاق المعلق على شيء محتمل أو معلوم الوقوع غير صحيح، وقد أشار إليه المحقق النجفي في الجواهر، فقال: ويشترط في الصيغة تجردها عن التعليق على الشرط المتحتمل وقوعه، نحو «إن جاء زيد «وعلى الصفة المعلوم حصولها، نحو «إذا طلعت الشمسب في قول مشهور، بل لم أقف فيه على مخالف منا»[1].
ولا يستحل الشيعة أكل ذبائح أهل الكتاب، وقد اشتهر هذا الحكم بينهم (كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا) كما رأى صاحب الجواهر[2]وذلك لما جاء في القرآن الكريم في قول الله عز وجل{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}وأهل الكتاب لا يلتزمون بذكر اسم الله عز وجل، إضافة إلى ما ورد في قوله تعالى{إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ}حيث جعل التذكية فعل المسلم، بمقتضى توجيه الخطاب له، فكأن التذكية لا تتيسر من غيرهم من أهل الكتاب. إضافة إلى (النصوص المستفيضة التي إن لم تكن متواترة بالمعنى المصطلح فمضمونها مقطوع به) كما صرح به في الجواهر.
أما الكتابيات فالقول فيها متعدد بينهم، فمنهم من يقول بجواز النكاح بهن دواما وانقطاعا ومنهم من يقول بجوازه منقطعا دون الدائم ومنهم من لا يجيزه، والسر في ذلك كيفية الجمع بين الآيات المباركات:{وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}[3]و{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[4]وما ورد من الروايات.
[1]الجواهري، جواهر الكلام 32. 78.
[2]جواهر الكلام 36/80.
[3]سورة الممتحنة: من الآية 10.
[4]سورة المائدة: من الآية 5.