بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 68

كما أن الطلاق المعلق على شيء محتمل أو معلوم الوقوع غير صحيح، وقد أشار إليه المحقق النجفي في الجواهر، فقال: ويشترط في الصيغة تجردها عن التعليق على الشرط المتحتمل وقوعه، نحو «إن جاء زيد «وعلى الصفة المعلوم حصولها، نحو «إذا طلعت الشمسب في قول مشهور، بل لم أقف فيه على مخالف منا»[1].

ولا يستحل الشيعة أكل ذبائح أهل الكتاب، وقد اشتهر هذا الحكم بينهم (كاد يكون من ضروريات المذهب في زماننا) كما رأى صاحب الجواهر[2]وذلك لما جاء في القرآن الكريم في قول الله عز وجل{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}وأهل الكتاب لا يلتزمون بذكر اسم الله عز وجل، إضافة إلى ما ورد في قوله تعالى{إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ}حيث جعل التذكية فعل المسلم، بمقتضى توجيه الخطاب له، فكأن التذكية لا تتيسر من غيرهم من أهل الكتاب. إضافة إلى (النصوص المستفيضة التي إن لم تكن متواترة بالمعنى المصطلح فمضمونها مقطوع به) كما صرح به في الجواهر.

أما الكتابيات فالقول فيها متعدد بينهم، فمنهم من يقول بجواز النكاح بهن دواما وانقطاعا ومنهم من يقول بجوازه منقطعا دون الدائم ومنهم من لا يجيزه، والسر في ذلك كيفية الجمع بين الآيات المباركات:{وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}[3]و{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[4]وما ورد من الروايات.

[1]الجواهري، جواهر الكلام 32. 78.

[2]جواهر الكلام 36/80.

[3]سورة الممتحنة: من الآية 10.

[4]سورة المائدة: من الآية 5.


صفحه 69

وأما بالنسبة للاستجمار فهو لا يغني في البول لأنه( لا يجزي من البول إلا الماء) كما في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام . نعم هو يكفي، والخرق والورق في الغائط وقد جمعت الحكمين صحيحة زرارة (يجزيك من الاستنجاء) أي تطهير موضع الغائط (ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله ، أما البول فإنه لا بد من غسله)[1].

ولا نريد تتبع بقية ما ذكره في البداية والنهاية، فإنه يخرج الحديث عن مساره.

الشريف وعدم الاحتجاج بخبر الواحد

نعم كان الشريف المرتضى من القائلين بعدم العمل بأخبار الآحاد، حيث أنها لا تفيد علما ولا توجب عملا. وقد تعرض لذلك في كتابه الأصولي: الذريعة، واستدل عليه وناقش القائلين بالعمل بها.

ورأى أنه ليس مستحيلا من ناحية العقل أن يتعبد الله سبحانه وتعالى عباده، بالعمل بخبر الواحد الثقة، في أمور العبادة، فتثبت به العبادات المفروضة، لكن هذا لم يحصل في رأيه، خصوصا مع انطواء ذلك على مفسدة احتمال كذب الراوي وهو احتمال قائم مما يوقع المكلفين في مفاسد. إضافة إلى أن خبر الواحد لا يصنع علما ولا ينتج قطعا.

نعم لو كانت هناك قرائن على صحة الخبر وصدوره أمكن العمل على طبقه.

وهو في عدم العمل بخبر الواحد موافق لأستاذه الشيخ المفيد محمد بن النعمان، لا سيما في أمور العقائد.

وإن كان من تأخر عن المرتضى، بدءا بتلميذه شيخ الطائفة الطوسي، فصاعدا قد بدؤوا بالتنظير للعمل بخبر الواحد، وتشييد الاحتجاج عليه، وبالتالي به،

[1]وسائل الشيعة 1/315.


صفحه 70

وجرت سيرة العلماء فيما بعد على التعامل مع هذه القضية كقضية مسلَّمة حتى أصبح مسلك الشريف المرتضى مهجورا في مقابل العمل بخبر الواحد الذي صار مشهورا في النظرية والتطبيق.

ويعد الشريف المرتضى من الشعراء المبرزين، والناثرين المترسلين في نفس الوقت، فله في المضمار الأول صولات وجولات يشهد عليها ديوانه، وقد تنوعت ما بين الحماسة والافتخار، وبين الزهد والدعوة إلى التقوى، وبينهما محيط واسع من القصائد في أبواب مختلفة، كالرثاء والمدح، والوصف والغزل، وهو وإن لم يبلغ شهرة أخيه الشريف الرضي في الشعر، إلا أنه لم يكن قاصر الباع ولكن غلب عليه الإنشغال بالعلم والتحقيق والتأليف فغطى ذلك الجانب.

كما كان له منزلة مهمة في أيام البويهيين، حيث تقلد نقابة الطالبيين الأشراف، وكان نافذ الكلمة في حكام عصره.

فصلوات الله[1]على هذا العلم العيلم والبحر الزخار، وحشره الله مع سادته من أهل بيت محمد المصطفى عليهم آلاف التحية والثناء.

[1]كان الخواجه نصير الدين الطوسي إذا ذكر الشريف المرتضى قال: صلى الله عليه. فكان إذا لحظ استغراب الحاضرين، أجاب فورا: كيف لا يُصلى على المرتضى؟ ولا يخفى حسن الانتقال فيه!


صفحه 71

شيخ الطائفة

الشيخ محمد بن الحسن الطوسي

385ـ 460هـ

تعبر الألقاب مع صدقيتها عن المنزلة والموقع الذي يمثله صاحب اللقب والصفة بالنسبة إلى من منحه ذلك اللقب، فإنه لا يمكن أن يُعرَّف الشخص في منزلته العلمية أو السياسية من خلال مقال في كل ذكر له. لهذا جاءت فكرة الالقاب مشيرة إلى الموقع الذي يحتله ذلك الشخص.

وقد تمنح الألقاب لاعتبارات سياسية مؤقتة وهذه لا تلبث ان تزول بمجرد زوال تلك الاعتبارات والرسميات. وهناك ألقاب يفرضها موقع الشخص من غير أن تمنح له باعتبار رسمي أو سلطوي، وهذه تزول الرئاسات والاعتبارات بل والدول وتظل ثابتة لأنها تحكي عن واقع لا يتغير.

إن منصب المفتي، وقاضي القضاة في الدول المسلمة المختلفة، لا يعني شيئا إلا حين يكون صاحبه مرضيا عليه من قبل الدولة فتمنحه هذا اللقب، وهي قادرة على تجريده منه متى شاءت وهو بهذا الاعتبار الرسمي والتلقيب الحكومي يصبح ذا قيمة، ومع عدمه لا يكون له ميزة! ولعل ما نقل عن ربيعة الرأي وهو أستاذ مالك يشير إلى هذا المعنى، فقد قيل إنه رآه أحدهم وقد تقنع بردائه في زاوية من المسجد وهو وحيد، بينما كان قد رأى تلميذه مالك وقد حف به الحشم والخدم


صفحه 72

وسار وراءه التلاميذ، فسأله عن ذلك متعجبا من حال الأستاذ والتلميذ! فقال له: يا بني درهم دولة خير من قنطار علم!!

في المقابل فإن من يترقى في العلم، ويحصل على اعتراف من أتباعه أو معاصريه بل من مناوئيه في تقدمه في فنه وعلمه، فإن هذا الاعتراف وذلك اللقب لا يتغير بتغير الزمان ولا بإرادة الحكام لأنه لم يمنح من قبلهم وبواسطتهم!!

شيخ الطائفة (الإمامية) اللقب الرسمي الذي عرف به الشيخ محمد بن الحسن الطوسي المولود سنة 385هـ في طوس من نواحي خراسان، وظل هذا اللقب علامة فارقة له إلى يومنا هذا بحيث إذا أطلق لا ينصرف إلا إليه، بالرغم من مجيء أعلام بعده ربما فاقوه في بعض الجهات العلمية.

ولم تكن حيازة هذا اللقب اعتباطا، في ظل وجود هذا العدد الهائل من العلماء والفقهاء من أساتذته وتلامذته، وسواهم من ذلك الزمان إلى يومنا هذا حيث يمر ما يقارب العشرة قرون مليئة بالمحققين المجتهدين والمتتبعين. وما ذلك إلا بسبب ما توفر عليه من علم كثير في مختلف الجوانب كما سيأتي، أفرغ جانبا كبيرا منه في كتب طبعت في زمانه وبعده.

هلما عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة نتعرف على (شيخ الطائفة).

كانت البداية في سنة 381هـ حينما ولد الحسن بن محمد في طوس من نواحي خراسان، ليتوجه بعد سنوات إلى دراسة مقدمات العلوم الدينية في أجواء بلده وضمن مدرسي تلك المنطقة وبعد أن أتقنها وفي عام 408هـ وصل إلى بغداد حيث كانت حاضرة العلم الكبرى زمان الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري رحمة الله والذي كان زعيم الشيعة في وقته، وبقي فيها يدرس على يد الشيخ المفيد، وقد بدأ بشرح كتاب شيخه المفيد (المقنعة في الفقه) وأكمله بعد وفاته مما عرف بـ (تهذيب الأحكام) ويأتي الحديث عنه.


صفحه 73

بعد وفاة شيخه المفيد سنة (413)هـ انتقل إلى درس الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي الذي أولاه عناية خاصة لما رأى من تفوقه ونبوغه، إلى أن توفي المرتضى سنة (436)هـ.

بعد وفاة الشريف المرتضى صار الشيخ الطوسي محمد بن الحسن أبرز علماء الشيعة، بل والسنة أيضا في تلك الفترة، وفاقهم جميعا حتى أن الخليفة العباسي آنئذ وهو القائم بأمر الله عهد إليه بكرسي الكلام، وهو المنصب الذي لا يعطى إلا لمن أذعن الآخرون لعلمه وفضله. واستمر الحال هكذا (11) سنة، أي إلى سنة (447)هـ حين دخل طغرل بك قائد السلاجقة إلى بغداد لتبدأ فترة الظلمات العلمية فيها.

لقد كانت بغداد تعيش في الفترة السابقة على السلاجقة، أيام البويهيين الذي وإن تم الاختلاف في مذهبهم وأنهم هل كانوا زيدية أو إمامية كما هو الراجح إلا أن هناك اتفاقا على أن أجواء الحرية الفكرية والعلمية كانت سائدة، ولا سيما أيام وزارة الصاحب اسماعيل بن عباد، الشاعر المتميز والأديب المتفوق، إلى درجة أنه استدعى القاضي عبد الجبار المعتزلي (الشافعي المذهب) ليكون قاضيا على الري، وقد الف كتابه المغني في التوحيد والعدل، وجعل جزأه الأخير في الإمامة وأورد فيها كل الحجج التي يؤمن بها في عدم إمامة الأئمة الاثني عشر، وفي تثبيت ما يعتقده من خلافة الخلفاء. كل هذا وهو قاض لوزير شيعي هو الصاحب بن عباد وفي دولة شيعية.كما ذكرنا.

الأمر الذي دعا الشريف المرتضى إلى تأليف كتابه (الشافي في الإمامة) ردا على كتاب القاضي عبد الجبار المعتزلي.

هذا الجو من الحرية الفكرية والذي تميزت به فترة بني بويه من سيطرتهم على بغداد وحكومتهم سنة 321هـ إلى انتهاء فترتهم سنة 447هـ على يد السلاجقة، تغير


صفحه 74

تماما بدخول العسكريين الأتراك السلاجقة، حيث صودرت الحرية العلمية لصالح تطرف الغوغاء، واستبدل البحث العلمي بالهجوم على المكتبات وحرقها، وضمن هذه الأجواء أحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وهوجمت داره سنة 449هـ وأراد أولئك الغوغاء قتله!

هذا الواقع الجديد وعلائم الفتنة المذهبية التي كان يسعرها الطائفيون من جهة ويتجاوب معها العسكر السلاجقة من جهة أخرى، حدا بشيخ الطائفة الطوسي درءا للفتنة وسدا لباب الحرب المذهبية أن يهاجر منتقلا إلى جوار مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في النجف الأشرف، ليلقي رحله هناك، ولينتقل بانتقاله إليها أهل العلم وطلاب المعرفة والتحقيق فكان أن بدأت النجف عصرا جديدا مع الحوزة العلمية التي تأسست بانتقال شيخ الطائفة إليها.

ويبدو أن عاصفة التعصب لم تكن بين السنة والشيعة فقط بل حتى بين السُّنة أنفسهم، فإن التطرف لا يعرف الحدود القريبة والبعيدة. وفي ما نقله ابن كثير في البداية والنهاية إشارة واضحة إلى هذا الأمر فقد قال في حوادث سنة 447هـ.: وفيها وقعت الفتنة بين السنة والرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالا مستمرا، ولا تمكن الدولة أن يحجزوا بين الفريقين. وفيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة، فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات.

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وفيها ألزم الروافض بترك الاذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح، وبعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة.. وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي


صفحه 75

عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره[1].

الحوزة العلمية في جوار باب مدينة العلم:

يقول الشاعر في حق مخالفه:

أردت مساءتي فأجرت مسرتي

وقد يحسن الانسان من حيث لا يدري

لو كان الذين طاردوا شيخ الطائفة الطوسي، واضطروه إلى الخروج من بغداد إلى النجف يعلمون ما الذي سينفتح على يده من الإنجاز لتركوا مطاردته وتوددوا إليه أن يبقى في بغداد!! فالشيخ الذي خرج إلى النجف (خائفا يترقب) أصبح محور الحركة العلمية، وكما الفراشات تنجذب إلى الضوء المشع، فقد استقطب الشيخ الطوسي أهل العلم ليس من بغداد والذين كانوا قد حضروا درسه، بل سائر طلاب العلوم من أطراف النجف ممن لم يسبق لهم حضور عنده.

وبالرغم من أن الفترة التي بقي فيها شيخ الطائفة في النجف كانت قصيرة (11) سنة إلا أنها كانت حافلة بالبركة بما يكفي لكي تكون بداية قوية لحوزة علمية كبيرة ومؤثرة. وفيها أكمل الشيخ من كتبه ما كان بدأه في بغداد.

لقد كان الشيخ الطوسي رضوان الله عليه، عالما موسوعيا بل (عالـَم) كبير من المعارف المتنوعة والعلوم المختلفة، فما من باب من أبواب العلم السائد يومئذ مما فيه منفعة، ومحل بحث إلا وطرقه وأبدى رأيا فيه، حتى ليقف الناظر متحيرا مدهوشا، كيف استطاع هذا الشيخ أن يؤلف كل هذه الكتب مع ما أحاط به من الظروف السياسية الضاغطة؟

ولم يكن عمله في كتبه جمعا، وتصنيفا، بل كان الغالب فيه أنه ابتكار وإبداء نظر.

[1]ابن كثير- البداية والنهاية 12. 83.