عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره[1].
الحوزة العلمية في جوار باب مدينة العلم:
يقول الشاعر في حق مخالفه:
أردت مساءتي فأجرت مسرتي
وقد يحسن الانسان من حيث لا يدري
لو كان الذين طاردوا شيخ الطائفة الطوسي، واضطروه إلى الخروج من بغداد إلى النجف يعلمون ما الذي سينفتح على يده من الإنجاز لتركوا مطاردته وتوددوا إليه أن يبقى في بغداد!! فالشيخ الذي خرج إلى النجف (خائفا يترقب) أصبح محور الحركة العلمية، وكما الفراشات تنجذب إلى الضوء المشع، فقد استقطب الشيخ الطوسي أهل العلم ليس من بغداد والذين كانوا قد حضروا درسه، بل سائر طلاب العلوم من أطراف النجف ممن لم يسبق لهم حضور عنده.
وبالرغم من أن الفترة التي بقي فيها شيخ الطائفة في النجف كانت قصيرة (11) سنة إلا أنها كانت حافلة بالبركة بما يكفي لكي تكون بداية قوية لحوزة علمية كبيرة ومؤثرة. وفيها أكمل الشيخ من كتبه ما كان بدأه في بغداد.
لقد كان الشيخ الطوسي رضوان الله عليه، عالما موسوعيا بل (عالـَم) كبير من المعارف المتنوعة والعلوم المختلفة، فما من باب من أبواب العلم السائد يومئذ مما فيه منفعة، ومحل بحث إلا وطرقه وأبدى رأيا فيه، حتى ليقف الناظر متحيرا مدهوشا، كيف استطاع هذا الشيخ أن يؤلف كل هذه الكتب مع ما أحاط به من الظروف السياسية الضاغطة؟
ولم يكن عمله في كتبه جمعا، وتصنيفا، بل كان الغالب فيه أنه ابتكار وإبداء نظر.
[1]ابن كثير- البداية والنهاية 12. 83.
وهذا الأمر جعله يهيمن على الساحة العلمية ليس في زمانه وعلى تلامذته المباشرين فحسب بل استمر إلى ما بعد وفاته قرابة قرن من الزمان، إلى أيام الفقيه المجدد ابن ادريس الحلي، حتى لقد خيف من أن هذه السيطرة العلمية سيكون لها آثار سلبية على الاجتهاد[1]، وإبداء النظر إذ كان الجيل الذي جاء بعد الشيخ يتهيب أن يأتي بآراء مخالفة لآراء شيخ الطائفة، أو يبدي مخالفة لنظرياته.
وبمرور على كتبه سيتبين أنها من الناحية الكمية كثيرة العدد حيث تجاوزت (45) كتابا كما أشار إليه أكثر مترجميه[2].
وسنأتي على ذكر أكثر تلك الكتب بحسب مواضيعها، ليتبين للقارئ العزيز موسوعية هذا العالم الجليل:
ففي تفسير القرآن وعلومه: كان كتاب التبيان في تفسير القرآن، والمسائل الدمشقية في تفسير القرآن: وهي اثنتي عشرة مسألة، والمسائل الرجبية في تفسير بعض آيات القرآن،
وفي الحديث: كان كتاب تهذيب الأحكام، والاستبصار فيما اختلف من الأخبار
وفي الفقه: مسائل الخلاف في الأحكام، النهاية، والمبسوط، مسألة في وجوب الجزية على اليهود والمنتمين إلى الجبابرة. مسألة في تحريم الفقاع. مسائل ابن
[1]قال المحقق الطهراني آقا بزرك في مقدمة كتاب التبيان: مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهين على أحد منهم ان يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما، ويكتفون بها، و يعدون التأليف في قبالها، واصدار الفتوى مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس فكان - أعلى الله مقامه - يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى ان المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدُون رأي شيخ الطائفة.
[2]أنظر آقا بزرك الطهراني في مقدمة كتاب التبيان، و الشيخ مجتبى العراقي في مقدمة كتاب الخلاف، والشيخ حسن السعيد في مقدمة كتاب الاقتصاد.
البراج. المسائل الجنبلائية في الفقه. المسائل الحائرية في الفقه (300 مسألة). المسائل الحلبية في الفقه، ومناسك الحج في مجرد العمل، الايجاز في الفرائض، الاقتصاد الهادي إلى سبيل الرشاد
وفي العقائد والكلام: تلخيص كتاب الشافي في الإمامة: لعلم الهدى السيد المرتضى، المفصح في الإمامة، وأصول العقائد، رياضة العقول، مقدمة في علم الكلام، وكتاب الغيبة في المهدي المنتظر، وما لايسع المكلف الاخلال به، الفرق بين النبي والإمام، النقض على ابن شاذان (الأشعري) في مسألة الغار، المسائل الرازية في قضايا الوعيد، ما يعلل وما لا يعلل،
وفي الأصول: العدة في الأصول، والعمل بخبر الواحد وحجيته، شرح الشرح في الأصول، تمهيد الأصول في شرح جمل العلم والعمل،
وفي الرجال: اختيار معرفة الناقلين، ورجال الشيخ الطوسي، والفهرست
وفي السيرة والتاريخ: مقتل الإمام الحسين عليه السلام ، مختصر أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي،
في الأدعية والزيارات: مصباح المتهجد، مختصر عمل يوم وليلة، مخنصر المصباح، هداية المسترشد وبصيرة المتعبد.
متفرقات: الأمالي، أنس الوحيد، المسائل الإلياسية: وهي مائة مسألة في فنون مختلفة.
نظرة في بعض كتب شيخ الطائفة:
يشكل كتابا الشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام والاستبصار، نصف الكتب الأربعة الأساسية التي يعتمد عليها الفقهاء في استنباط الأحكام. فلنلق نظرة على
كل منهما:
تهذيب الأحكام: هو أول كتاب استدلالي في الفقه في دورة فقهية كاملة، وهو عبارة عن شرح كتاب استاذه الشيخ المفيد رحمة الله يشتمل على (13590) رواية، من الطهارة إلى الديات، وقد بدأ به في أيام حياة أستاذه عندما كان عمره 26 سنة كما عن المحقق الطهراني.
وكما قلنا فهو أول كتاب فقهي استدلالي، فإن من سبقه من المؤلفين كالكليني والصدوق رحمهما الله كانا قد جمعا الأحاديث، ورتباها على أساس العناوين والفصول، ولم يتجاوزوا عبارة الأحاديث سواء في الأصول الاعتقادية أو الفروع الفقهية، والشيخ ابن أبي عقيل العماني وإن كان أول من ابتكر طرقا في الاستدلال الفقهي إلا أنه لم يصل إلينا بل ولا لمن قبلنا كتبه الاستدلالية حتى يلاحظ تأثيرها في الساحة العلمية، والشيخ المفيد رحمة الله بالرغم من أنه كان كثير التصنيف (صنف حوالي 200 كتابا ورسالة) إلا أنه لم يكتب دورة كاملة في الفقه الاستدلالي. ونفس الكلام يجري في حق استاذه الشريف المرتضى عليه الرحمة.
وقد حفظ شيخ الطائفة بهذا الكتاب ميراثا عظيما من الروايات، التي اخذها عن مصادرها الأصلية (الأصول الأربعمائة وغيرها) والتي كانت تحتوي عليها مكتبة سابور البويهي التي دمرها السلاجقة والمتعصبون، ومكتبة الشريف المرتضى استاذه التي لم تتعد ما جرى على سابقتها. فأصبحنا ببركة التهذيب في غنى عن الرجوع إلى تلك الأصول.
وأما الاستبصار فيما اختلف من الأخبار: فهو أول محاولة اجتهادية بهذا الحجم حيث يشتمل على كل أبواب الفقه لحل ما يتراءى من المعارضة والمناقضة بين أخبار أهل البيت ورواياتهم. وقد أورد فيه (5511) رواية. فقد التفت شيخ الطائفة إلى أن هناك روايات يعارض ظاهرها روايات أخر في أبواب مختلفة من الفقه،
فكان أن قام بمحاولة التوفيق بينها وحل ما ظاهره المعارضة والمناقضة بينها.
وأما كتب الفقه: فأولها كتاب الخلاف: وهو كتاب في الفقه الاستدلالي المقارن بين المذاهب الإسلامية الأربعة بل وغيرها بالاضافة إلى مذهب الإمامية، وهو بعد كتاب الانتصار لأستاذه الشريف المرتضى يعد من أهم الكتب في هذا المجال، وهو أكثر استيعابا للأدلة، وأكثر تفريعا من الانتصار. وقد كان المرجع الديني السيد البروجردي أيام زعامته الدينية ومكثه في قم يصر على مراجعة الطلبة له، وحتى أنه جدد طباعته، وأمر بالاهتمام بتحقيقه، وكان يستشهد به في درسه ويرجع إليه.
وثانيها: كتاب المبسوط في الفقه: وهو أول كتاب في الفقه الإمامي يحتوي على تفريعات مفصلة (يقع في 8 مجلدات بحسب الطبع الحديث) في كل الأبواب الفقهية، ويعد أول إنتاج في هذا المجال يرد فيه عمليا على دعوى المخالفين بأن الإمامية إنما هم أهل أخبار وحشو وليسوا أهل اجتهاد ولا قدرة لهم على التفريع والاستنباط، وقد أشار الشيخ الطوسي إلى أهمية هذا الكتاب في مقدمته حيث قال: و هذا الكتاب إذا سهل الله تعالى إتمامه يكون كتابا لا نظير له لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المخالفين لأني إلى الآن ما عرفت لأحد من الفقهاء كتاب واحدا يشتمل على الأصول والفروع مستوفيا مذهبنا بل كتبهم وإن كانت كثيرة فليس تشتمل عليهما كتاب واحد، و أما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يشار إليه بل لهم مختصرات، وأوفى ما عمل في هذا المعنى كتابنا النهاية وهو على ما قلت فيه.
وثالثها: كتاب النهاية في مجرد الفتاوى: وهو أشبه بالرسالة العملية المعاصرة في الفقه حيث جرد الشيخ الأحكام من أسانيدها، وحررها إلى حد ما من اللغة الأخبارية التي وردت بها وجعلها في متناول المكلفين، وقد كان هذا الكتاب محور الدراسة العلمية في الحوزات إلى أن ظهر كتاب شرائع الإسلام للمحقق
الحلي فأخلى الأول مكانه للشرائع!
ويعد كتاب التبيان في تفسير القرآن: عملا استثنائيا في التفسير، حتى أنه بسط هيمنته وسيطرته على الجو العام بعد الشيخ إلى حد أننا نلاحظ شدة تأثر الشيخ الطبرسي صاحب مجمع البيان به، إلى الدرجة التي يمكن عد مجمع البيان تلخيصا وترتيبا للتبيان! كما سيأتي الحديث عن مجمع البيان عند ترجمة مؤلفه.
وإذا كان إنتاج الشيخ الطوسي الحديثي يعد نصف إنتاج الكتب الأربعة الأصلية، فإن إنتاجه في الجانب الرجالي لا يقل أهمية، فمن بين (خمسة) أصول رجالية مهمة أو (ثمانية) مع إضافة من تأخر عن الشيخ، تشكل كتب الشيخ (اختيار معرفة الرجال أصله للشيخ أبي عمرو الكشي وهو مفقود، والاختيار الباقي للشيخ الطوسي. ورجال الشيخ -المعروف بالأبواب سابقا- والفهرست) كتبا أساسية لا يستغني الباحث الرجالي عنها.
تلامذته:
لن نتحدث عن تلامذة الشيخ الطوسي أو نذكر أسماءهم، فكل الجيل الذي جاء بعده في النجف الأشرف إلى مئة سنة يعدون من تلامذة مدرسته، وطلاب علمه.
وفاة الشيخ:
في سنة 460هـ توفي شيخ الطائفة في النجف الأشرف، ودفن في منزله، الذي أصبح فيما بعد مسجدا باقيا إلى اليوم، باسمه حيث يقع في جهة باب مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام المعاكس لجهة القبلة.
الطبرسي وأرضية التقارب المذهبي
أبو علي الفضل بن الحسن
ت 548هـ
لما كان القرآن الكريم فيه تبيان كل شيء تحتاجه الأمة في طريقها إلى الفلاح الدنيوي والفوز الأخروي، فلا ريب أن فيه أيضا علائم نور ومنارات ارشاد تشير إلى طريق الوحدة والتآلف بين أبنائها.
ولهذا فقد اعتبر القرآن الكريم الأمة واحدة في خطابه وتعامل معها على هذا الأساس{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[1]، وبالرغم من إدراك التنوع الموجود فيها مذهبيا وعقديا وفقهيا إلا أنه تعامل معها ككتلة واحدة، ذات علاقات واحدة ومقومات متماثلة، ولذلك منع عن التنازع والتشاحن، فإنه يذهب بالقوة والامكانات هباءا{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[2]. بل اعتبرهم إخوة، أي لم يكتف ببيان نسبة المجموع لبعضه، بل حتى نسبة البعض للبعض والأفراد للأفراد، فقال{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[3].
فمن مقومات الوحدة بين أبناء الأمة، وحدة العقيدة الأساسية: الاعتقاد بالله الواحد الأحد، والاعتقاد بنبوة
[1]سورة الأنبياء: 92
[2]سورة الأنفال: من الآية 46
[3]سورة الحجرات: 10
المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ، والاعتقاد بالبعث والنشور يوم القيامة. ومن تلك المقومات أيضا: وحدة العبادات، فالجميع يتوجه إلى جهة واحدة في صلواته اليومية عابدا خاشعا، ويصوم شهر رمضان في كل سنة، ويحج إلى بيت الله الحرام في وقت معين وبمناسك خاصة. وهكذا سائر العبادات.
ومنها أيضا وحدة النظام الأخلاقي، فلا تجد توجيها أخلاقيا عند فريق خاص يعارضه التوجيه الأخلاقي عند الفريق الآخر، وإنما الكل يعتقد بمنظومة أخلاقية واحدة.
والذي يحمي كل تلك المقومات هو القرآن الكريم، كلام الله سبحانه وتعالى المحفوظ بتمامه وكماله لا يأتيه الباطل (من نقص أو زيادة) من بين يديه ولا من خلفه، الذي تعهد الله عز وجل بحفظه فقال{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[1].
والمهم في هذا الشأن أن هذا الحافظ للوحدة، لا يزال ولن يزال قائما، يتلى آناء الليل وأطراف النهار، ويشكل المرجعية التامة للمسلمين جميعا.
هذا في ذات حافظ الوحدة، وأرضية التقارب والتواصل، لكن المسألة التي لا تقل أهمية هي فهم آيات القرآن الكريم، والصورة التي يكونها أبناء المسلمين عن بصائره وتعاليمه.
ذلك أنه لا يكفي أن تكون الحقيقة موجودة، وإنما ينبغي أن يتصور المسلمون تلك الحقيقة، ويفهمونها بشكلها الواقعي. فقد (تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم).
قد يتخذ بعض (المرضى) من آيات القرآن الكريم وصفة للتفرقة والتنازع
[1]سورة الحِجْر: 9