بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 79

فكان أن قام بمحاولة التوفيق بينها وحل ما ظاهره المعارضة والمناقضة بينها.

وأما كتب الفقه: فأولها كتاب الخلاف: وهو كتاب في الفقه الاستدلالي المقارن بين المذاهب الإسلامية الأربعة بل وغيرها بالاضافة إلى مذهب الإمامية، وهو بعد كتاب الانتصار لأستاذه الشريف المرتضى يعد من أهم الكتب في هذا المجال، وهو أكثر استيعابا للأدلة، وأكثر تفريعا من الانتصار. وقد كان المرجع الديني السيد البروجردي أيام زعامته الدينية ومكثه في قم يصر على مراجعة الطلبة له، وحتى أنه جدد طباعته، وأمر بالاهتمام بتحقيقه، وكان يستشهد به في درسه ويرجع إليه.

وثانيها: كتاب المبسوط في الفقه: وهو أول كتاب في الفقه الإمامي يحتوي على تفريعات مفصلة (يقع في 8 مجلدات بحسب الطبع الحديث) في كل الأبواب الفقهية، ويعد أول إنتاج في هذا المجال يرد فيه عمليا على دعوى المخالفين بأن الإمامية إنما هم أهل أخبار وحشو وليسوا أهل اجتهاد ولا قدرة لهم على التفريع والاستنباط، وقد أشار الشيخ الطوسي إلى أهمية هذا الكتاب في مقدمته حيث قال: و هذا الكتاب إذا سهل الله تعالى إتمامه يكون كتابا لا نظير له لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المخالفين لأني إلى الآن ما عرفت لأحد من الفقهاء كتاب واحدا يشتمل على الأصول والفروع مستوفيا مذهبنا بل كتبهم وإن كانت كثيرة فليس تشتمل عليهما كتاب واحد، و أما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يشار إليه بل لهم مختصرات، وأوفى ما عمل في هذا المعنى كتابنا النهاية وهو على ما قلت فيه.

وثالثها: كتاب النهاية في مجرد الفتاوى: وهو أشبه بالرسالة العملية المعاصرة في الفقه حيث جرد الشيخ الأحكام من أسانيدها، وحررها إلى حد ما من اللغة الأخبارية التي وردت بها وجعلها في متناول المكلفين، وقد كان هذا الكتاب محور الدراسة العلمية في الحوزات إلى أن ظهر كتاب شرائع الإسلام للمحقق


صفحه 80

الحلي فأخلى الأول مكانه للشرائع!

ويعد كتاب التبيان في تفسير القرآن: عملا استثنائيا في التفسير، حتى أنه بسط هيمنته وسيطرته على الجو العام بعد الشيخ إلى حد أننا نلاحظ شدة تأثر الشيخ الطبرسي صاحب مجمع البيان به، إلى الدرجة التي يمكن عد مجمع البيان تلخيصا وترتيبا للتبيان! كما سيأتي الحديث عن مجمع البيان عند ترجمة مؤلفه.

وإذا كان إنتاج الشيخ الطوسي الحديثي يعد نصف إنتاج الكتب الأربعة الأصلية، فإن إنتاجه في الجانب الرجالي لا يقل أهمية، فمن بين (خمسة) أصول رجالية مهمة أو (ثمانية) مع إضافة من تأخر عن الشيخ، تشكل كتب الشيخ (اختيار معرفة الرجال أصله للشيخ أبي عمرو الكشي وهو مفقود، والاختيار الباقي للشيخ الطوسي. ورجال الشيخ -المعروف بالأبواب سابقا- والفهرست) كتبا أساسية لا يستغني الباحث الرجالي عنها.

تلامذته:

لن نتحدث عن تلامذة الشيخ الطوسي أو نذكر أسماءهم، فكل الجيل الذي جاء بعده في النجف الأشرف إلى مئة سنة يعدون من تلامذة مدرسته، وطلاب علمه.

وفاة الشيخ:

في سنة 460هـ توفي شيخ الطائفة في النجف الأشرف، ودفن في منزله، الذي أصبح فيما بعد مسجدا باقيا إلى اليوم، باسمه حيث يقع في جهة باب مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام المعاكس لجهة القبلة.


صفحه 81

الطبرسي وأرضية التقارب المذهبي

أبو علي الفضل بن الحسن

ت 548هـ

لما كان القرآن الكريم فيه تبيان كل شيء تحتاجه الأمة في طريقها إلى الفلاح الدنيوي والفوز الأخروي، فلا ريب أن فيه أيضا علائم نور ومنارات ارشاد تشير إلى طريق الوحدة والتآلف بين أبنائها.

ولهذا فقد اعتبر القرآن الكريم الأمة واحدة في خطابه وتعامل معها على هذا الأساس{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[1]، وبالرغم من إدراك التنوع الموجود فيها مذهبيا وعقديا وفقهيا إلا أنه تعامل معها ككتلة واحدة، ذات علاقات واحدة ومقومات متماثلة، ولذلك منع عن التنازع والتشاحن، فإنه يذهب بالقوة والامكانات هباءا{وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[2]. بل اعتبرهم إخوة، أي لم يكتف ببيان نسبة المجموع لبعضه، بل حتى نسبة البعض للبعض والأفراد للأفراد، فقال{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[3].

فمن مقومات الوحدة بين أبناء الأمة، وحدة العقيدة الأساسية: الاعتقاد بالله الواحد الأحد، والاعتقاد بنبوة

[1]سورة الأنبياء: 92

[2]سورة الأنفال: من الآية 46

[3]سورة الحجرات: 10


صفحه 82

المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ، والاعتقاد بالبعث والنشور يوم القيامة. ومن تلك المقومات أيضا: وحدة العبادات، فالجميع يتوجه إلى جهة واحدة في صلواته اليومية عابدا خاشعا، ويصوم شهر رمضان في كل سنة، ويحج إلى بيت الله الحرام في وقت معين وبمناسك خاصة. وهكذا سائر العبادات.

ومنها أيضا وحدة النظام الأخلاقي، فلا تجد توجيها أخلاقيا عند فريق خاص يعارضه التوجيه الأخلاقي عند الفريق الآخر، وإنما الكل يعتقد بمنظومة أخلاقية واحدة.

والذي يحمي كل تلك المقومات هو القرآن الكريم، كلام الله سبحانه وتعالى المحفوظ بتمامه وكماله لا يأتيه الباطل (من نقص أو زيادة) من بين يديه ولا من خلفه، الذي تعهد الله عز وجل بحفظه فقال{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[1].

والمهم في هذا الشأن أن هذا الحافظ للوحدة، لا يزال ولن يزال قائما، يتلى آناء الليل وأطراف النهار، ويشكل المرجعية التامة للمسلمين جميعا.

هذا في ذات حافظ الوحدة، وأرضية التقارب والتواصل، لكن المسألة التي لا تقل أهمية هي فهم آيات القرآن الكريم، والصورة التي يكونها أبناء المسلمين عن بصائره وتعاليمه.

ذلك أنه لا يكفي أن تكون الحقيقة موجودة، وإنما ينبغي أن يتصور المسلمون تلك الحقيقة، ويفهمونها بشكلها الواقعي. فقد (تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم).

قد يتخذ بعض (المرضى) من آيات القرآن الكريم وصفة للتفرقة والتنازع

[1]سورة الحِجْر: 9


صفحه 83

والتشتت، بينما يرى فيها من{يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}خارطة طريق للوحدة والتكامل والتواصل. وهذا ما صنعه العالم الجليل أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسيره (بل تفاسيره) للقرآن الكريم، فلننظر إلى محطات من قطار حياته المباركة.

التعريف به:

هناك عدة أعلام يلقبون بالطبرسي وربما حصل الخلط عند القارئ العزيز بينهم، فلا بد من التفريق بينه وبين ولده الحسن بن الفضل وهو عالم جليل، اشتهر بكتابه (مكارم الأخلاق) وهو من الكتب الرائجة بين الناس في هذا المجال، حيث يشتمل على جملة من مكارم أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله ، في لباسه وطعامه وشرابه، وهيئته الشخصية، وعلى جملة من المستحبات في هذا المجال والروايات الواردة فيها عن الأئمة عليهم السلام . وربما ذكر بعضهم أنه توفي سنة 548هـ، والظاهر أنهم خلطوا بين سنة وفاته ووفاة أبيه موضوع ترجمتنا صاحب التفسير.

والشخص الآخر المعروف أيضا بالطبرسي هو أحمد بن علي بن أبي طالب صاحب كتاب الاحتجاج وهو الذي يشتمل على مناظرات عقائدية، وقد اشتبه الأمر على غير واحد من الأعلام حين نسبوا الاحتجاج لصاحب تفسير مجمع البيان.

وهؤلاء ينسبون إلى (طبرستان) والنسبة إليها طبرسي، بطاء مفتوحة وباء كذلك وراء مسكنة. وقد ينسب إليها فيقال طبري.

أساتذته:

أشهر أساتذته كان الشيخ الحسن (أبا علي) ابن شيخ الطائفة الطوسي، الذي عرف بـ (المفيد الثاني) والذي كان من تلامذة الشريف المرتضى وأبيه شيخ الطائفة،


صفحه 84

ويعد من أعيان الفقهاء وله ذكر كثير في الكتب الفقهية الاستدلالية. ولمكانه في العلم والمعرفة لقب بالمفيد الثاني توفي سنة 511هـ.

ومع أنه لم يدرك شيخ الطائفة الطوسي درسا وتعلما حيث توفي سنة (460هـ)، إلا أن من الواضح تأثره الكبير بمسلكه وآرائه، سواء تلك التي أخذها عن ابن شيخ الطائفة استاذه، والتي كان كثير منها متأثرا بفكر الشيخ الطوسي، مثلما سبق وأن ذكرنا عن هيمنة الشيخ الطوسي على الحالة العلمية بعده إلى قرن من الزمان أو أكثر.

ويظهر هذا أيضا في كتاب الشيخ الطبرسي (مجمع البيان لعلوم القرآن) حيث يعد كتاب المجمع الصورة المرتبة والمنقحة لكتاب (التبيان) في تفسير القرآن لشيخ الطائفة الطوسي. كما سيأتي الحديث.

توجهه القرآني:

إدراك الشيخ أبي علي الطبرسي لأهمية القرآن الكريم في تكريس وحدة الأمة، وتوحيد منهجها الفكري، جعله يكرس أكثر جهده في (تفسير) القرآن وشرح مقاصده وغاياته، بأساليب مختلفة، فمنها ما هو مفصل كمجمع البيان، ومنها ما هو مختصر نسبيا يجمع بين ما ذكره في المجمع وفي الكاف الشاف كجوامع الجامع.

ومنها ما هو ترتيب لتفاسير أخر، من غير المدرسة الإمامية، وإضافة رأي الإمامية إليه كعمله في كتاب (الكاف الشاف) حيث أنه اختصر كتاب الكشاف للقاضي جار الله الزمخشري[1]وأضاف إليه مختصر ملاحظاته وآرائه من مجمع البيان.

[1]الزمخشري (467 - 538 ه‌) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. ولد في زمخشر (من قرى خوارزم) وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفى فيها. أشهر كتبه (الكشاف - ط) في تفسير القرآن، و (أساس البلاغة - ط) و (المفصل - ط) ومن كتبه (المقامات - ط) و (مقدمة الأدب - خ) في اللغة، و (الفائق - ط) في غريب الحديث، و (المستقصى - ط) في الأمثال، مجلدان، و (رؤوس المسائل - خ) وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الانكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. عن الأعلام - خير الدين الزركلي - ج 7 - ص 178


صفحه 85

وينبغي أن نقف هنا أمام ملاحظة وهي أن الكثير من العلماء كتبوا تفاسير للقرآن، منها ما هو روائي، ومنها ما هو بلاغي ولغوي، ومنها ما هو قصصي، وهكذا. ولكن المهم هو الرسالة التي يحملها المفسر من خلال تفسيره للقرآن، وماذا يريد أن يقول لقارئ التفسير. وهذا هو الذي ميز الشيخ الطبرسي عن سائر المفسرين، حيث أنه قام بتهيئة الأرضية اللازمة للتقارب المذهبي بل للوحدة بين المسلمين، على مستوى المضمون والأسلوب، فهو على مستوى المضمون كان يأتي بالأفكار المتوافق عليها ويهجر الأخرى الشاذة والنادرة، وعلى مستوى الأسلوب كان يستشهد بأقوال أئمة المذاهب، والعلماء سواء أولئك الذين يتفقون معه في المذهب أو أولئك المختلفين معه، وسواء كان يقبل أقوالهم تلك أو يردها باحترام كامل.

وتميز مع ذلك تفسيره الكبير (مجمع البيان لعلوم القرآن) بميزات متعددة نشير إلى بعضها مستفيدين مما ذكره باحثون آخرون في حياة هذا العالم، وآثاره.

فمن ميزاته النفسية الاعتراف بفضل الغير: فهو يذكر في أول تفسير مجمع البيان فضل شيخ الطائفة في تفسيره (التبيان)، فإنه بعد أن عرض إلى أن غالب أصحابنا كانت تفاسيرهم مختصرات، اإلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، قدس الله روحه، من كتاب (التبيان) فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواة الصدق، قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القدوة أستضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثارهب[1].

[1]الطبرسي، تفسير مجمع البيان 1. 33


صفحه 86

ولم تكن هذه الصفة صدفة في هذا الكتاب، ولا بدعا في هذا المورد، بل هي ملكة تظهر في سائر الموارد. وإذا كان هذا في مثل والد استاذه قد يبدو طبيعيا، فإن الشيء الاستثنائي هو ما ذكره عن الشيخ جار الله الزمخشري، وهو المعتزلي في العقائد والحنفي في الفقه، فهو يختلف عن الطبرسي في كلا الجهتين، ومع ذلك فإنه يذكر عنه الفضل والعلم، وينعته بأفضل النعوت، وأنه كان من أسباب تأليفه لكتاب الجوامع فقد قال في مقدمة كتابه جوامع الجامع: «ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه، أن خطر ببالي وهجس بضميري، بل ألقي في روعي محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة، مقتصرا فيه على إيراد المعنى البحت، والإشارة إلى مواضع النكت، بالعبارات الموجزة والإيماءات المعجزة، مما يناسب الحق والحقيقة ويطابق الطريقة المستقيمة»[1].

وتراه عندما يتحدث عن كتاب الكشاف لجار الله الزمخشري، يصفه بأنه اجتمع فيه من بدائع المعاني وروائع الألفاظ ما لا يلقى مثله في كتاب[2]!!

جاء مجمع البيان مع اختصاره من حيث عدد الصفحات بالقياس إلى غيره جامعا لعلوم القرآن التي يحتاجها من يقرأ التفسير فنحن نرى أنه «بينما انصرف الزجاج إلى اللغة في تفسيره، و الثعلبي إلى الحكايات النادرة الصحيحة والموهومة، والقرطبي الى الخلافيات الفقهية والرازي إلى العلوم العقلية وشحنه بأقوالهم، جاء المجمع جامعا لمختلف الأمور، ولم يقسر القارئ على رأي بل عرض الاقوال عليه حتى يختار ما هو صحيح».

[1]الطبرسي، تفسير جوامع الجامع 1. 50

[2]وشتان بين هذا الأسلوب و الأسلوب الذي يتبعه بعض من عاصرناهم! فقد وقع في يدي كتاب بعنوان: المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف للزمخشري، وقد قدم أحد الدكاترة مقدمة، يبين فيها أن غرض الكتاب هو الرد على الزمخشري المعتزلي، وعلى ابن المنير الأشعري الذي (عالج الداء بالداء، فازداد المرض شبهة وشكا، فقد رد على البدعة ببدعة أخرى.، وأما المؤلف فقد قدم للكتاب بمقدمة تحدث فيها أن الذب عن عقيدة الأمة من أعظم الجهاد في سبيل الله وأن كتابه هذا يصب في هذا الإتجاه، ويجعل الرد على باطل ذلك الكتاب كما قال أكثر إلحاحا!! هذا مع أن الزمخشري وابن المنير يصنفان ضمن الدائرة المذهبية على أهل السنة ومؤلف الكتاب المذكور يصنف على نفس الدائرة!