بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 86

ولم تكن هذه الصفة صدفة في هذا الكتاب، ولا بدعا في هذا المورد، بل هي ملكة تظهر في سائر الموارد. وإذا كان هذا في مثل والد استاذه قد يبدو طبيعيا، فإن الشيء الاستثنائي هو ما ذكره عن الشيخ جار الله الزمخشري، وهو المعتزلي في العقائد والحنفي في الفقه، فهو يختلف عن الطبرسي في كلا الجهتين، ومع ذلك فإنه يذكر عنه الفضل والعلم، وينعته بأفضل النعوت، وأنه كان من أسباب تأليفه لكتاب الجوامع فقد قال في مقدمة كتابه جوامع الجامع: «ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه، أن خطر ببالي وهجس بضميري، بل ألقي في روعي محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة، مقتصرا فيه على إيراد المعنى البحت، والإشارة إلى مواضع النكت، بالعبارات الموجزة والإيماءات المعجزة، مما يناسب الحق والحقيقة ويطابق الطريقة المستقيمة»[1].

وتراه عندما يتحدث عن كتاب الكشاف لجار الله الزمخشري، يصفه بأنه اجتمع فيه من بدائع المعاني وروائع الألفاظ ما لا يلقى مثله في كتاب[2]!!

جاء مجمع البيان مع اختصاره من حيث عدد الصفحات بالقياس إلى غيره جامعا لعلوم القرآن التي يحتاجها من يقرأ التفسير فنحن نرى أنه «بينما انصرف الزجاج إلى اللغة في تفسيره، و الثعلبي إلى الحكايات النادرة الصحيحة والموهومة، والقرطبي الى الخلافيات الفقهية والرازي إلى العلوم العقلية وشحنه بأقوالهم، جاء المجمع جامعا لمختلف الأمور، ولم يقسر القارئ على رأي بل عرض الاقوال عليه حتى يختار ما هو صحيح».

[1]الطبرسي، تفسير جوامع الجامع 1. 50

[2]وشتان بين هذا الأسلوب و الأسلوب الذي يتبعه بعض من عاصرناهم! فقد وقع في يدي كتاب بعنوان: المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف للزمخشري، وقد قدم أحد الدكاترة مقدمة، يبين فيها أن غرض الكتاب هو الرد على الزمخشري المعتزلي، وعلى ابن المنير الأشعري الذي (عالج الداء بالداء، فازداد المرض شبهة وشكا، فقد رد على البدعة ببدعة أخرى.، وأما المؤلف فقد قدم للكتاب بمقدمة تحدث فيها أن الذب عن عقيدة الأمة من أعظم الجهاد في سبيل الله وأن كتابه هذا يصب في هذا الإتجاه، ويجعل الرد على باطل ذلك الكتاب كما قال أكثر إلحاحا!! هذا مع أن الزمخشري وابن المنير يصنفان ضمن الدائرة المذهبية على أهل السنة ومؤلف الكتاب المذكور يصنف على نفس الدائرة!


صفحه 87

ولهذا فقد «كان غاية في الاتقان، وحسن الترتيب والتبويب، وجمع إلى البحث عن اللغة والاعراب، بيان النظم، وسبب النزول، ثم فصل المعنى تفصيلا، لم يكن فيه إطناب ممل، ولا اختصار مخل، وهو بذلك من أحسن كتب التفسير تنسيقا وتأليفا، ومع ذلك فهو يورد الأقوال المختلفة، غير متعرض لنقد، أو اعتراض، بل تراه يسرد الأقوال، ويترك الحكم فيها للمطالع، ليشحذ ذهنه باختيار ما يراه صوابا، ويتعود به من لم يتعود ملكة النقد، والتمحيص»[1].

باقي كتبه:

ذكروا أن للشيخ الطبرسي (21) كتابا، من أشهرها بعد كتب التفسير، كتابه في سيرة النبي صلى الله عليه وآله ، وسيرة الأئمة من بعده، والذي سماه (إعلام الورى بأعلام الهدى) وهو مطبوع ويقع في مجلدين، ومن المهم الاشارة فيه إلى أن الشيخ الطبرسي لم يقف من الروايات موقف الأسير العاجز وإنما موقف العالم الناقد، فرد بعض ما هو منقول، بل ربما اشتهر من غير أصل، وناقشها نقاشا علميا لا تغلب عليه العاطفة الولائية، وإنما الدقة العلمية. فمن ذلك ما جاء في بعض الكتب عن أن المهدي المنتظر إذا ظهر قتل حتى تجري الدماء إلى الركب وهدم المساجد وتغيير المحاريب وما شابه مما يشنع به مخالفو المذهب.فهو يجيب عن ذلك في سياق حديثه عن خصائص ودلائل الامام المهدي فقد ساق الاعتراض المذكور قائلا:

مسألة سابعة: قالوا: إذا حصل الاجماع على أن لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم قد زعمتم أن القائم إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، ويأمر بهدم المساجد والمشاهد، وأنه يحكم بحكم داود عليه السلام لا يسأل عن بينة، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا يكون نسخا للشريعة، وإبطالا لأحكامها، فقد أثبتم معنى النبوة وإن لم تتلفظوا باسمها،

[1]أحمد رضا في مقدمة تفسير مجمع البيان 1/25.


صفحه 88

فما جوابكم عنها؟

الجواب: أنا لا نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به.

وأما هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز أن يختص بهدم ما بني من ذلك على غير تقوى الله تعالى، وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وأما ما روي من أنه عليه السلام يحكم بحكم داود لا يسأل عن بينة فهذا أيضا غير مقطوع به، وإن صح فتأويله: أنه يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم الإمام أو الحاكم أمرا من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل البينة، وليس في هذا نسخ للشريعة. على أن هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، لو صح لم يكن ذلك نسخا للشريعة، لان النسخ هو ما تأخر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصاحبا له، فأما إذا اصطحب الدليلان فلا يكون أحدهما ناسخا لصاحبه وإن كان يخالفه في الحكم، ولهذا اتفقنا على أن الله سبحانه لو قال: ألزموا السبت إلى وقت كذا، ثم لا تلزموه، أن ذلك لا يكون نسخا، لان الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب. وإذا صحت هذه الجملة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب اتباعه وقبول أحكامه، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم به فينا - وإن خالف بعض الأحكام المتقدمة - غير عاملين بالنسخ، لان النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدليل، وهذا واضح[1].

[1]الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى 2 /311


صفحه 89

من تلامذته:

ابنه صاحب مكارم الاخلاق كما تقدمت الاشارة إليه في عنوان التعريف بالوالد، والشيخ محمد بن علي ابن شهراشوب المازاندراني صاحب مناقب آل أبي طالب والمتوفى سنة 588هـ وقطب الدين الراوندي صاحب فقه القرآن وقصص الأنبياء المتوفى سنة 573هـ، ومنتجب الدين علي بن بابويه صاحب فهرست الرجال.

وفاته:

توفي الشيخ الطبرسي سنة 548هـ، ودفن في خراسان، وقد أصبح قبره اليوم على أثر التوسعة العمرانية في داخل مشهد الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام .


صفحه 90

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 91

تجديد الخبير

محمد بن ادريس الحلي

543 - 598هـ

قد ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وآله (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)[1].

وهو يشير إلى حقيقة واقعة في تاريخ العلوم في الإسلام، إذ ليس المقصود من تجديد الدين، تجديد ذات الدين، لأنه ثابت لا يتقادم ولا يتجدد، وإنما المقصود هو تجديد المعرفة الدينية، وفهم الدين.

وأوضح أنحاء ذلك التجديد في الفقه، ولذا وجدنا أن من شرح هذا الحديث وحاول أن يعين مصاديقه من المجددين كان ناظرا في الغالب إلى الفقهاء.

والدعوة إلى التجديد في الفقه تلقى قبولا ورواجا بين المثقفين والواعين، وهي دعوة حق بلا ريب، إلا أنه ينبغي التأكيد على بعض الحقائق في هذا المجال لتتضح الفكرة تماما:

التجديد في الفقه ينبغي أن يتم من خلال الخبراء به، المحيطين بقواعده وأصوله، والمهيمنين على (القديم) منه

[1]ورد في مصادر الحديث السنية كثيرا، فقد أورده ابو داود السجستاني في سننه، و الحاكم في المستدرك، والمتقي في كنز العمال. ونقله عنها من محدثي الشيعة النوري الطبرسي في خاتمة المستدرك.


صفحه 92

للانطلاق إلى الجديد. فليس من الصحيح أن يكون هذا المجال شرعة لكل وارد لكي يعمل فكره فيه بالنحو الذي يريد ويسمي ذلك تجديدا. إن أي مجال نظري وعلمي لا يمكن تطويره وتجديده إلا بواسطة الخبراء العارفين بواقعه الفعلي وتاريخه حتى يستطيعوا أن يطوروا هذا الموجود ويجددوا ذلك القديم.

وما نلاحظه من دعوات، بل ومحاولات، وممارسات من أشخاص باتجاه (تجديد) للفقه، وهم لم يتخصصوا فيه، هو أقرب للعبث منه إلى الجد.

بل قد يبلغ الاسفاف مداه عندما نجد بعض (الكتاب) ممن يكون لتوه قد عرف كيف يصوغ مقالة، فإذا به يجرب مقالته الأولى في الدعوة إلى تجديد الفقه، وعدم الحاجة إلى الفقه الموجود، وينتقد ما يسميه تارة بالفقه الذكوري، والفقه المتكلس و، و، ثم يرتقي منصة الحكم والفقاهة، لكي يسطّر مجموعة من الـ (يجبـ) ات!! ناسفا بذلك كامل التراث الفقهي الكبير، والكتب المدونة العميقة، والجهد الجبار النظري الذي بذله العلماء على مدى أحد عشر قرنا من الزمان!

التجديد الذي يتحدث عنه هنا، وهو المطلوب لا يتوقف عند تغيير اللغة التي كتب بها المتن الفقهي، ولا في حذف مسائل انتفت الحاجة إليها بحسب تطور الزمان، أو في الاستدلال على مسائل جديدة لم تكن موجودة عند السابقين والأوائل، وإنما تمتد لتشمل المنهج المتبع في الاستدلال والاستنباط، وابتكار نظريات جديدة سواء في الأدلة، أو في أصل المنهج، تلك النظريات التي يتم مناقشتها والبرهنة عليها. وإثبات تقدمها وأفضليتها على سائر النظريات في الوصول بالعلم إلى مراحل متقدمة.

إننا نلاحظ أن الفقه الإمامي مر بمراحل متعددة وقد اختلف الباحثون في تحديدها باختلافهم في بدايات تلك المراحل وأبطالها إلا أن المتفق عليه هو أن


صفحه 93

كل مرحلة كانت تمثل تطورا وتغيرا بنحو ما عن المرحلة التي سبقتها، فإذا كان الشائع في زمان الكليني والصدوق ووالده الاقتصار على النصوص بألفاظها، وجمع ما تفرق منها في الأصول والكتب المختلفة، فإن المرحلة التي أعقبت ذلك والتي بلغت أوجها أيام شيخ الطائفة الطوسي في معالجة الروايات المتعارضة، واستنباط الأحكام الفرعية الكثيرة، والتأسيس لقواعد في أصول الفقه، تعد تجديدا منهجيا كبيرا بالقياس لما سبقها.

وإذا كانت هيمنة أفكار شيخ الطائفة كما سبق قد سببت حالة من الركود والتوقف الاجتهادي إلا أنها لم تدم طويلا بعدما جاء ابن ادريس ليقوم بتجديد حياة الفقه والاجتهاد فيه، وبالرغم من قصر عمره الشريف كما سيأتي إلا أن أثره كان كبيرا جدا في هذا المجال حيث فتح الباب للتجديد والنشاط العلمي والمنهجي.

وعندما ننتقل إلى زمان المقدس الأردبيلي وتلامذته نجد أنفسنا أمام تطور واضح في طرق الاستنباط الفقهي، ونقلة واضحة في الفقه الشيعي، بل حتى عودة النشاط الأخباري على مستوى التصنيف الحديثي، وفيما بعد عودة المدرسة الأخبارية على مستوى المنهجية في الاستدلال، هو بنفسه يعد مرحلة من التطور الفكري، وإن كان البعض يراه جمودا وركودا في خط الاجتهاد، لكن من حيث أنه يقدم منهجا جديدا مخالفا للمنهج السائد فإنه يعتبر من الناحية المجردة تطورا وتحركا في الساحة العلمية.

وإذا جئنا إلى زمان ما بعد الوحيد البهبهاني الذي أرسى قواعد المدرسة الأصولية الحديثة، وثبتها بمن تخرجوا من تحت منبر درسه، حيث أصبحت هي المدرسة السائدة والشائعة إلى يومنا، فهو ينبئ عن مرحلة متميزة عن التي سبقتها، واستمر هذا حتى زمان الشيخ الأنصاري لكي يأتي بجملة من النظريات الأصولية