بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 96

تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد، وجعل من آرائه ونظرياته شيئا مقدسا لا يمكن أن ينال باعتراض أو يخضع لتمحيص. ففي المعالم كتب الشيخ حسن بن زين الدين ناقلا عن أبيه قدس سره أن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به وروي عن الحمصي وهو ممن عاصر تلك الفترة أنه قال: «لم يبق للامامية مفت على التحقيق بل كلهم حاكٍ».

وهذا يعني أن رد الفعل العاطفي لتجديدات الشيخ قد طغى متمثلا في تلك النزعة التقديسية على رد الفعل الفكري الذي كان ينبغي أن يتمثل في درس القضايا والمشاكل التي طرحها الشيخ والاستمرار في تنمية الفكر الفقهي. وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أنا نجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين عليه السلام شهد فيها الإمام عليه السلام بصحة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي «النهايةب، وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري والروحي للشيخ في أعماق نفوسهم. ولكن هذا السبب لتفسير الركود الفكري قد يكون مرتبطا بالسبب الأول، إذ لا يكفي التقدير العلمي لفقيه في العادة مهما بلغ لكي يغلق على الفكر الفقهي للآخرين أبواب النمو والتفاعل مع آراء ذلك الفقيه، وإنما يتحقق هذا عادة حين لا يكون هؤلاء في المستوى العلمي الذي يؤهلهم لهذا التفاعل فيتحول التقدير إلى إيمان وتعبد»[1].

انتقادات لجهد ابن ادريس التجديدي:

كأي محاولة تجديدية كان من الطبيعي أن تواجه جهود ابن ادريس معارضة في الوسط العلمي، المعاصر له بل والمتأخر عنه! وليس من الضروري أن تكون تلك المعارضة بسوء نية، بل ربما قام بها التقي الزاهد من العلماء، وحرصا فيما يرى

[1]الصدر، محمد باقر: المعالم الجديدة للأصول. 67


صفحه 97

على الدين، وذوذا عن حياض العلم، وحفاظا على أعلام الشريعة.

وهذا ما يواجهه وإلى اليوم الكثير من المصلحين، والمجددين في أكثر من مستوى، ابتداء من عدم التفهم لجهودهم وعدم وضعها في إطارها الصحيح، ومرورا بعزلهم اجتماعيا بالحديث ضدهم والتشكيك في نياتهم، وانتهاء بالتنظير إلى مضادة أفكارهم حتى ما كان صحيحا منها.

نعم تعرض ابن ادريس إلى مواجهة وانتقاد، بعضه كان قائما على أسس منهجية وهذا لا مانع منه، والكثير منه أقرب إلى التشويش، فمن ذلك ما تحدث عنه بعض العلماء من أن:

ابن ادريس قد أعرض عن أخبار أهل البيت بالكلية[1].

أنه لم يعمل بأخبار الثقات. ورفض العمل بخبر الواحد.

أنه تجرأ على شيخ الطائفة الطوسي وأساء الأدب له، فبتر الله عمره!

وقد انبرى غير واحد من العلماء لكي يدافعوا عن ابن ادريس. كما صنع ذلك التفرشي في نقد الرجال والخوانساري في الروضات، والميرزا النوري في خاتمة المستدرك، والسيد الخوئي في معجم رجال الحديث

وخلاصة ما ذكروه: أنه قد اختلط على ابن داود وهو منشأ القول بإعراض ابن ادريس عن أخبار أهل البيت بالكلية، اختلط عليه أمر عدم عمله بخبر الواحد، وأن هذا الخبر لا يفيد علما ولا عملا، وأمر عدم العمل بأخبارهم بالكلية. وهما يختلفان اختلافا بينا.

فالأول مسلك أصولي لا ينفرد به ابن ادريس، بل سبقه إليه السيد المرتضى

[1]الحلي، ابن داود، رجال ابن داود. 269


صفحه 98

وقد أكده في كثير من كتبه، وعمل فيها على هذا الأساس، والتزم بالعمل بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن والمفيد للعلم. وهذا هو الذي سلكه ابن ادريس. ولم يعرض عن أخبار أهل البيت، فإنه لو فعل ذلك كما قال بعضهم لما كان قادحا في عدالته فقط وإنما في إيمانه وتشيعه!

كيف؟ والحال أنه كان واسطة في انتقال الكثير من الأصول الحديثية إلى من بعده، حيث كان لديه الكثير من كتب الأصول في الحديث كجامع البزنطي، وابن بكير ومعاوية بن عمار، والحسن بن محبوب، ومحمد بن علي بن محبوب وموسى بن بكر وغيرهم[1]وقد أوردها في كتابه السرائر. وقد قال المحقق التستري في كتابه قاموس الرجال[2]: كيف و سرائره كلّه من طهارته إلى دياته مبتن على أخبارهم (عليهم السلام)؟

وحيث أن السيد الخوئي رحمة الله قد أجاب عن الشبهات السابقة ببيان جيد، ننقله بنصه:

أما قول ابن داود إنه أعرض عن أخبار أهل البيت عليهم السلام بالكلية فهو باطل جزما، فإنه اعتمد على الروايات في تصنيفاته، وكتابه مملوء من الاخبار، غاية الامر أنه لا يعمل بالاخبار الآحاد، فيكون حاله كالسيد المرتضى وغيره ممن لا يعملون بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرائن، ولأجل ذلك ذكر السيد التفريشي ما تقدم منه، كما تقدم عن الشيخ الحر ما ذكره من أن علماءنا المتأخرين قد أثنوا عليه واعتمدوا على كتابه.

بقي هنا شيء: وهو أن المعروف في الألسنة أن ابن إدريس تجاسر على شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي - قدس سره - جسارة لا ينبغي صدورها عن الجاهل فضلا عن

[1]عد الباحث علي همت بناري في كتابه عن ابن ادريس 21 مصدرا بينها 14 مصدرا تعد من الأصول الروائية كما تقدم ذكر بعضها.

[2]التسترى، محمد تقي:قاموس الرجال 9. 93


صفحه 99

مثل ابن إدريس، وهذه القصة لا أساس لها. ومن الغريب أن الشيخ المامقاني نسب ذلك إلى كتاب ابن إدريس، وقال: «وأقول في مواضع من السرائر أعظم مما نقله (العلامة) حتى أنه في كتاب الطهارة عند إرادة نقل قول بالنجاسة عن الشيخ يقول: وخالي شيخ الأعاجم أبو جعفر الطوسي يفوه من فيه رائحة النجاسة، وهذا منه قد بلغ في إساءة الأدب النهاية».

أقول: إن ما ذكره قدس سره خلاف الواقع، وليس من ذلك في كتاب السرائر عين ولا أثر، ويدل على ذلك أن الشيخ أبا جعفر الطوسي لم يكن خالا لابن إدريس، وإنما هو جده لامه، والشيخ المامقاني لم يلاحظ كتاب ابن إدريس وإنما ذكر ذلك اعتمادا على ما سمعه من أفواه الناس، وكيف يتكلم ابن إدريس بمثل ذلك وهو يعظم الشيخ أبا جعفر في موارد عديدة.

منها: قوله في أوائل الكتاب في توبيخ المتمسكين بالاخبار الآحاد حتى في أصول الدين: فقد قال الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر الطوسيH وتغمده الله تعالى برحمته.

ومنها: ما قاله في باب الصلاة الجمعة وأحكامها، فإنه ذكر بعد نقل كلام عن السيد المرتضى حكاه الشيخ أبو جعفر الطوسي قدس سره : ولم أجد للسيد المرتضى تصنيفا ولا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه (إلى أن قال) ولعل شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس وعرفه منه مشافهة دون المسطور، وهذا هو العذر البين، فإن الشيخ ما يحكي بحمد الله تعالى إلا الحق اليقين، فإنه أجل قدرا وأكثر ديانة من أن يحكى عنه ما لم يسمعه ويحققه منه (إنتهى). وغير ذلك من الموارد.

وأما منشأ هذه القصة التي لا أساس لها فهو قصور الفهم عن درك مراد ابن


صفحه 100

إدريس قدس سره من العبارة التي نذكرها، فإنه قدس سره ذهب إلى أن الماء المتمم كرا طاهرا، حتى فيما إذا كان المتمِّم والمتمَّم نجسين، واستشهد على ذلك بما رواه من أن الماء إذا بلغ كرا لم يحمل خبثا، ثم أيد ذلك بأنه يستفاد ويستشم من كلام أبي جعفر الطوسي قدس سره ، قال: فالشيخ أبو جعفر الطوسي رحمة الله الذي يتمسك بخلافه ويقلد في هذه المسألة ويجعل دليلا يقوي القول والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، وأنا أبين إن شاء الله أن أبا جعفر رحمة الله يفوه من فيه رائحة تسليم المسألة بالكلية (طهارة الماء المتمم كرا) إذا تأمل كلامه وتصنيفه حق التأمل وأبصر بالعين الصحيحة وأحرز له الفكر الصافي، فإنه فيه نظر ولبس، إلى آخر ما ذكره - فترى أنه في عبارته يستظهر من الشيخ قدس سره القول بالطهارة استنصارا لمذهبه، وأين هذا من القصة الفظيعة، والله العاصم[1].

والعجيب أن البعض لم يتأكد من صحة النسبة السابقة (طعن ابن ادريس في الشيخ الطوسي وتجرئه عليه) حتى رتب عليها أثرا وهو سرعة وفاة ابن ادريس وأن الله بتر عمره. وهذه مع الأسف طريقة جرى عليها غير الواعين وربما تسربت إلى العلماء أيضا، عندما يجعلون الله عز وجل وكأنه كحال البشر، ينتقم من هذا وذاك لأنه عمل كذا. أو يوظفونه والعياذ بالله لديهم ليعاقب من لا يعجبهم في هذه الدنيا بالنحو الذي يقررونه هم!

فإن الذي عليه أهل التحقيق أنه توفي سنة 598هـ وله من العمر 55 سنة وقريب هذا المقدار من العمر كان عمر غير واحد من العلماء حيث توفي السيد بحر العلوم في مثل هذا السن تقريبا 57 سنة وهكذا غيره.

دوره الأساس:

يعتقد الكثير من الباحثين أن الدور الأساس الذي قام به الفقيه المجدد الشيخ ابن

[1]الخوئي؛ أبو القاسم:معجم رجال الحديث 16. 70.


صفحه 101

ادريس هو أنه كسر الحاجز النفسي الوهمي الذي كان قائما عند قسم من العلماء، على أنه لا ينبغي معارضة شيخ الطائفة الطوسي في اختياراته وآرائه، فرأى أنه مهما علت القيمة العلمية لآرائه، فإنها غير عصية على النقد، وأنه لا ينبغي التوقف عندها بل البناء عليها والانطلاق منها إن كانت صحيحة، وهدمها إن كانت خاطئة.

إن أعظم مشكلة تطرأ في حياة الأمم علميا هي أن تعتقد أنه (ما ترك الآخر للأول) وأن المتأخرين ماذا سيقولون أكثر مما قاله المتقدمون زمانا؟ فـ (ليس وراء عبادان قرية) و(كل الصيد فهو في جوف الفرا) وهو لدى القدماء. حتى لقد أصبحت موافقة مشهور المتقدمين وعدم الانتقال عما هم عليه ميزة إيجابية! (هذا بالرغم من أننا لا نعتقد أنه ينبغي تعمد مخالفة مشهور الفقهاء ومناكفتهم على كل حال). الأمر الذي ألجأ بعض أعلام الفقهاء إلى التوقف قائلين: إن مخالفة المشهور مشكلة وموافقتهم من غير دليل أشكل[1].

إننا في الوقت الذي نعتقد فيه أن العلماء السابقين قد بذلوا غاية الجهد، ومبلغ الوسع في تحصيل الأدلة وصرفوا أعمارهم في سبيل هذا الهدف، وهي أعمال مشكورة، وجهود بالخير مذكورة، إلا أن كل جيل جاء حاول أن يرتقي مرتقى أفضل من سابقه، وأن يكمل ما نقص من متقدميه، ويصحح ما أخطأوا فيه. وهذا يقتضي أن لا تُفتح مدافع النقد على من يخالف السابقين، أو يُنكر على أراء المجددين. بأنه لم يقل بمقالتهم هذه أحد من قبلهم وهذا دليل عدم صحتها، وكأن على الفقيه أن يأتي ليقول نفس الكلام الذي قاله من سبقه!! وقد أشار ابن ادريس إلى هذا المعنى: «.وكأني بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه و يستبعده، و يقول: من قال هذا؟ و من سطره في كتابه؟ و من أشار من أهل هذا الفن الذين هم القدوة في هذا اليه؟ و ليس يجب إنكار شي‌ء، و لا إثباته إلا بحجة تعضده، و دليل يعتمده»[2].

[1]الهمداني؛ آقا رضا 1/582

[2]السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ج‌1، ص: 73 طبع جماعة المدرسين قم ايران


صفحه 102

وبالرغم من أن مسلكه في عدم قبول خبر الثقة (أخبار الآحاد) لم يأخذ مداه في الوسط العلمي، وأصبح من المسالك المهجورة، إلا أنه ليس من المطلوب أن يكون كل ما يأتي به شخص يصبح نهاية العلم، وإنما يتعرض له بالمناقشة والنقد.

كتب وتصانيف:

خلف ابن ادريس عددا من الكتب:

1. السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى:

وهو كتاب فقه استدلالي في أبواب العبادات والمعاملات، من الطهارة إلى الديات وأتبعه القسم الأخير وهو المستطرفات من الكتب الروائية، وفيه أورد عددا من الروايات في الأحكام والأخلاق وغيرها. ويقع الكتاب بحسب الطباعة الحديثة في ثلاثة مجلدات. وهو أشهر كتبه وبه عرف فيقال صاحب السرائر.

2. مختصر التبيان في تفسير القرآن:

والأصل كما هو معروف لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، فقام ابن ادريس باختصاره والتعليق عليه. وربما عبر عن هذا الكتاب باسم (التعليقات).

3. خلاصة الاستدلال:

وهي رسالة فقهية في إثبات فورية وجوب قضاء الصلوات الفائتة.

4. مسائل ابن ادريس:

وهي عبارة عن خمس مسائل فقهية بسط فيها الكلام، رأيا واستدلالا.

وقد طبعت هذه الكتب في النجف الأشرف أخيرا، في أربعة عشر مجلدا بتحقيق العلامة السيد محمد مهدي الخرسان.


صفحه 103

فتاوى مخالفة للمشهور:

بالرغم من فكره التجديدي، ونشاطه العلمي المتميز، كان له فتاوى لم يستقبلها الوسط العلمي، وظل القول بها نادرا وفي بعضها محصورا به. فمنها:

اعتقاده بأن ولد الزنا كافر!

وأن التقيؤ العمدي في نهار الصيام لا يبطل الصيام.

وأن الاعتكاف لا يجوز في غير المساجد الأربعة (المسجد الحرام، والنبوي، والكوفة، والبصرة) وأن ارتكاب أي معصية في أيام الاعتكاف يفسده.

وأن صلاة الجمعة في زمان الغيبة غير جائزة، لاختصاصها بالإمام المعصوم أو منصوبه الخاص.

وأنه لا يشترط في بني هاشم لأخذ الخمس الفقر، بل حتى الغني منهم يستطيع أن يأخذه.

وأن من يترك الصلاة ثلاث مرات من غير عذر، أو يفطر ثلاثة أيام كذلك، فإن قتله واجب!

وغيرها من الفتاوى[1].

[1]للتفصيل يراجع كتاب: ابن ادريس لعلي همت بناري، مصدر سابق. ص 137