بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 14

6ـ يظهر لي من خلال النصوص الواردة أنه كان لدى هؤلاء الرواد حرص شديد على تقصي أخبار السيرة والإحاطة بها.
7ـ على يد هؤلاء - وكانوا في الربع الأول من القرن الثاني- قام علم السيرة وجمع رواياتها، وكوَّنوا مدرسة نهضت بهذا الأمر حتى علت به وبقي مع الأيام كما وضعوه، وجاء بعدهم الدور الثاني من القرن الثاني.


صفحه 15

الدور الثاني:
قام في الطبقة الثانية من القرن الثاني، في بناء علم السيرة مجموعة من الأعلام وفي طليعتهم:[1]موسى بن عقبة، (2) ومجالد بن سعيد، (3) وسليمان التيمي، (4) ومحمد بن إسحق، (5) ومعمر بن راشد اليماني.
1- أما موسى بن عقبة فهو ابن أبي عياش القرشي الأسدي مولاهم، أبو محمد المدني المتوفى نحو 141هـ[1].
أدرك أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر وسهل بن سعد، وأم خالد بنت سعيد بن العاص ـ ولها صحبة ـ ويقال: كان مولاها، وهو من صغار التابعين. وقد روى العلم عن جمع من التابعين مثل: علقمة بن وقاص الليثيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، والأعرج، ونافع بن جبير، وعروة بن الزبير، وعكرمة والزهري، وأبي الزناد، وغيرهم كثير.
وقد روى عنه خلق كثير منهم: بكير بن عبد الله الأشج -مع تقدمه- وشعبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، ومالك، والسفيانان، وأبو إسحق الفزاري، ومحمد بن فليح، وابن المبارك، وغيرهم.
وهو ثقة جليل حافظ إمام أثنى عليه الكبار: مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن سعد وغيرهم.
وكان من أسرة علم، قال الواقدي: كان لإبراهيم، وموسى، ومحمد بني عقبة حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا كلهم فقهاء محدّثين، وكان
[1]ترجمته في: طبقات ابن سعد؛ القسم المتمم ص: 340، الجرح والتعديل 8/154، المعرفة والتاريخ للفسوي 3/32، 317، تهذيب الكمال للمزي 29/119 سير أعلام النبلاء 6/116، أسماء شيوخ مالك لابن خلفون ص: 177، تهذيب التهذيب 10/306، تذكرة الحفاظ 1/148 وغيرها.


صفحه 16

موسى يفتي. وقال مصعب الزبيري: لهم هيبة وعلم.
كتب موسى المغازي وتتبعها وأتقنها، وسبب ذلك ما ذكره إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، قال كان بالمدينة شيخ يقال له: شُرَحبيل أبو سعد، وكان من أعلم الناس بالمغازي، فاتهموه أن يكون يجعل لمن لا سابقة له سابقة، وكان قد احتاج فأسقطوا مغازيه، وعلمه.
قال إبراهيم: فذكرت هذا لمحمد بن طلحة بن الطويل ولم يكن أحد أعلم بالمغازي منه فقال لي: كان شرحبيل بن سعد عالماً بالمغازي، فاتهموه أن يكون يُدْخِلُ فيهم من لم يشهد بدراً، ومَنْ قُتل يوم أحد، والهجرة، ومن لم يكن منهم وكان قد احتاج فسقط عند الناس، فسمع بذلك موسى بن عقبة فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا؟ فدبّ على كبر السن وقيد من شهد بدراً، وأحداً، ومن هاجر إلى أرض الحبشة، والمدينة وكتب ذلك.
وقد غدا كتابه هذا محل ثقة العلماء وراج في حلقات الدرس، فكان مالك بن أنس إذا سئل عن المغازي عمن تكتب قال: عليكم بمغازي موسى ابن عقبة فإنه ثقة، وفي رواية: عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي.
وسبب ثناء مالك عليها يوضحه ما جاء عنه في قوله: عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه رجل ثقة طلبها على كبر السن ليقيد من شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكثر كما كثر غيره.
قلت: هو يعرض بعمل محمد بن إسحق.
وبقي العلماء عبر العصور يشيدون به ويشيرون إليه، ومن ذلك قول علي ابن المديني، قال لي الدراوردي؛ قل ليوسف السمتي: يتقي الله ويرد كتاب


صفحه 17

موسى بن عقبة. قلت: أي أنه كان قد أعاره إياه لينسخه.
وبالرجوع إلى طبقات ابن سعد نجده قد تتبعه حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، وجعله أحد مصادره الأربعة الأساسية.
واقتبس منه من الأوائل: يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ من طريق محمد بن فليح. والبيهقي في دلائل النبوة انظر مثلاً 3/206، والاعتقاد ص: 339، 351 وغيرهما من كتبه وقد اقتبس نصوصاً طويلة.
أما أبو عمر بن عبد البر في كتاب «الدرر في اختصار المغازي والسير» فقد قَدَّمه على غيره وقال: وأفردت هذا الكتاب لسائر خبره، ومبعثه وأوقاته صلى الله عليه وسلم، اختصرت ذلك من كتاب موسى بن عقبة، وكتاب ابن إسحق.. واعتمده ابن عساكر في تاريخه، واللالكائي والمتأخرون وكل من كتب في السيرة النبوية ناهيك بمصنفات الحديث التي تلته.
وقد وصل الكتاب كاملاً إلى المتأخرين ونجد ابن سيد الناس في سيرته عيون الأثر يعتمده، ويضعه في جملة المصنفات التي أكثر الرجوع إليها ورواها بسنده، انظر[2]/457، ونجد الذهبي يقول في تذكرة الحفاظ[1]: «قرأت مغازي موسى بالمزّة على أبي نصر الفارسي» .
وقال في سير أعلام النبلاء[2]: ((الإمام الثقة الكبير، وكان بصيراً بالمغازي النبوية، ألفها في مجلد، فكان أول من صنف في ذلك)) .
وقال تعليقاً على قول مالك: «ولم يكثر كما كثر غيره» .
(قلت: هذا تعريض بابن إسحق، ولا ريب أن ابن إسحق كثر وطوّل
[1]انظر تذكرة الحفاظ 1/148.
[2]سير أعلام النبلاء 6/115، 116.


صفحه 18

بأنساب مستوفاة، اختصارها أملح، وبأشعار غير طائلة، حذفها أرجح، وبآثار لم تصح، مع أنه فاته شيء كثير من الصحيح لم يكن عنده، فكتابه محتاج إلى تنقيح رواية ما فاته.
وأما مغازي موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير سمعناها، وغالبها صحيح، ومرسل جيد، ولكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة) .
وقد اقتبس الذهبي منها كثيراً في تاريخه الكبير، وفي قسم السيرة، وفي السيرة التي أفردها حسام الدين القدسي وطبعها، ومن خلال ذلك يتبيّن لنا طريقة سياقه للنصوص، فتارة يروي بإسناده موصولاً، وتارة يروي عن شيوخه وخاصة الزهري مرسلاً، وتارة يسوق الخبر دون أن ينسبه إلى أحد بعبارته حسب ما استقى من مصادره في الوسط الذي عاش فيه: المدينة المنورة، ولولا خشية الإطالة لذكرت نماذج، وهذا بذاته يحتاج لمبحث مستقل، ولكن من التتبع لنصوصه عند ابن سعد، وابن سيد الناس والذهبي وغيرهم، نجد تأكيد ما قاله الذهبي وهو إمام الصنعة أن مراسيله وما لخصه بجملته صحيح ومقبول.
ولابد من الإشارة إلى أن موسى بن عقبة كان يريد أن يدقق في عمل رجلين معاصرين له، ويتجنب العثرات العلمية التي قصرا في تجنبها، وهما شُرَحبيل بن سعد، ومحمد بن إسحق، أما بالنسبة لشرحبيل فأراد أن يضبط من مصادر وثيقة ذوي السابقة في الإسلام الذين حضروا المشاهد، كل في مرتبته.
وأما محمد بن إسحق فأراد أن يبتعد عن الاستطراد والتطويل والجمع والحشد الذي وقع فيه محمد بن إسحق، وقد نجح إلى حدٍّ كبير في ذلك


صفحه 19

حسب ما شهد له به العلماء الذين عاصروه وجاؤوا بعده.
وقد اختصر الكتاب واحتفظ بطرف منه ابن قاضي شهبة، وطبع، وحاول بعض الناس جمع نصوصه، والأمر ما زال فيه متسع.
2-مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمر الكوفي المتوفى 144هـ[1].
علامة محدث، ولد في أيام جماعة من الصحابة، ولكن لم تتهيأ له الرواية عنهم، ويدرج كما قال الذهبي: في عداد صغار التابعين، وقد روى عن الشعبي وأبي الوداك، وقيس بن أبي حازم، ومرَّة الهمداني ... وغيرهم.
وروى عنه الكبار: السفيانان، وشعبة، وجرير بن حازم، وحفص بن غياث، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وحماد بن زيد، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وابنه إسماعيل بن مجالد، وقد روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو أكبر منه، وهذا يدخل في رواية التابعين عن الأتباع.
وقد وثقه بعضهم كالنسائي، وقال الفسوي: تكلم فيه الناس وهو صدوق. وقال العجلي: جائز الحديث، وقال البخاري: صدوق.
وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وابن مهدي لايروي له شيئاً، وكان ابن مهدي يقول: حديث مجالد عند الأحداث - يحيى بن سعيد، وأبي أسامة - ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد، وهشيم وهؤلاء القدماء، يعني أنه تغيَّر حِفْظُه في آخر عمره. وقال ابن عدي: «ومجالد له عن الشعبي
[1]انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد 6/349، والتاريخ الكبير للبخاري 8/رقم: 1950، والجرح والتعديل 8/رقم: 1653 والمجروحين لابن حبان 3/10، والكامل لابن عدي 6/420، وتهذيب الكمال 27/219، وسير أعلام النبلاء 6/286، وتهذيب التهذيب 10/39، وتقريب التهذيب ص:605.


صفحه 20

عن جابر أحاديث صالحة، وعن غير جابر من الصحابة أحاديث صالحة» . وجملة ما يرويه عن الشعبي، وقد روى عن غير الشعبي، ولكن أكثر روايته عنه وقال أحمد: يرفع حديثاً لا يرفعه الناس، وقد احتمله الناس.
وقد أخرج له مسلم مقروناً، وأصحاب السنن.
وبعد الفحص والدرس، حكم عليه الإمام الذهبي بقوله: مشهور، صاحب حديث على لين فيه. وحكم عليه الحافظ ابن حجر بقوله: ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره.
وقد وردت نصوص عديدة عن مجالد في السيرة النبوية في المصادر كما في طبقات ابن سعد 1/192 بواسطة عبد الله بن نمير الهمداني، 1/263 بواسطة الهيثم بن عدي الطائي. وقد نسب إليه كتاب في ذلك، وقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بقوله: نا محمد بن إبراهيم بن شعيب، نا عمرو بن علي الصيرفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول لعبد الله: أين تذهب؟ قال أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن مجالد، قال: تكتب كذباً كثيراً، ولو شئت أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل. وفي تهذيب الكمال وسير أعلام النبلاء، يقول: لعبيد الله، وفيهما: أكتب السيرة يعني عن أبيه عن مجالد.
قلت: ووهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري الحافظ المتوفى 206هـ إمام ثقة أخرج له الجماعة. وأبوه جرير بن حازم المتوفى 170هـ حافظ ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث عن حفظه، وقد أخرج له الجماعة.
ومن هذا النص النفيس يتبين لنا أن مجالداً قد صنف كتاباً في السيرة،


صفحه 21

وهذا الكتاب قد ضم المسند الموصول، والمرسل وغيرهما؛ لأن يحيى بن سعيد يقول: لو أردت أن يجعلها كلها مرفوعة فعل.
وبهذا فهي مشابهة للتوجه العام عند موسى بن عقبة وغيره.
3- سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر -ولم يكن من بني تيم وإنما نزل فيهم- البصري شيخ الإسلام المتوفى 143هـ[1].
أحد التابعين العُبَّاد الزهاد الحفاظ المتقين، روى عن أنس بن مالك وجمع من الأئمة التابعين الكبار، أي عثمان النهدي، وطاوس، والحسن، وثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم. وروى عنه جمع من الأئمة، ومنهم شيخه أبو إسحق السبيعي، والثوري، وشعبة وابن علية، وحماد بن سلمة، وابن عيينة، وهشيم بن بشير، وأبو زيد الأنصاري وغيرهم. قال شعبة: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان التيمي، كان إذا حَدَّث عن النبي صلى الله عليه وسلمتغيَّر لونه.
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله يصلي الغداة بوضوء العشاء الآخرة، وكان هو وابنه معتمر يدوران الليل على المساجد، فيصليان مرة في هذا المسجد، ومرة في هذا المسجد حتى يصبحا، وقد وثقه غير واحد من الأئمة، وأخرج حديثه الستة. وقد صنف سليمان التيمي كتاباً في السيرة النبوية، رواه عنه ابنه معتمر، وقد حمله عن معتمر، محمد بن عبد الأعلى الصنعاني.
[1]ترجمته قي طبقات ابن سعد 7/252، وتاريخ البخاري الكبير 4/ رقم 1828، والجرح والتعديل 4/رقم 539، وتهذيب الكمال 12/5. وسير أعلام النبلاء 6/195، وتذكرة الحفاظ 1/150، وتهذيب التهذيب 4/201. وحلية الأولياء 3/31 وغيرها.