تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر فهذه الكتب الستة، ومسند أحمد، وعامة من جمع في الأحكام نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئا، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه ويروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه -وهم تمام عشرة محدثين-، إذ انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي".
أما كتابه المغازي، فقد شاع عن مصنفه منذ تأليفه، وتلقفته الأجيال وحلقات الدرس في طول العالم الإسلامي وعرضه عبر العصور، وقد وصلنا الكتاب كاملا مطبوعاً.
أما عن منهجه فيه: فقد بدأ بتسمية رجاله الذين كتب عنهم، وبلغ عددهم خمسة وعشرين شيخاً، ومنهم من هو معروف بالعلم، والسيرة خاصة، ومنهم من هو غير معروف، ومنهم المقبول، ومنهم غير المقبول، ومنهم من له مصنف في السيرة النبوية، ومنهم من لا يعرف بذلك. وهؤلاء المجهولون هم الذين كان يتتبعهم الواقدي ليسمع منهم ما أثروه وسمعوه من آبائهم وأجدادهم، ولهذا وصف الواقدي بأنه يروي عن كل ضرب، وقد حاول تلميذه محمد بن سعد انتقاء بعض الروايات التي كان يجمعها وأن تكون أخباره عن المعروفين. وأحياناً يطوي مع هذا العدد الكبير من الشيوخ
ذكر عدد آخرين، فيقول: فكل قد حدثني من هذا بطائفة، وبعضهم أوعى لحديثه من بعض، وغيرهم قد حدثني أيضا، فكتبت كل الذي حدثوني، وكان يؤكد بأن من ينقل عنهم من أهل المعرفة بهذا الشأن، كما في قوله وحدثني عبد الله ابن أبي الأبيض عن جدته وهي مولاة جويرية -كان عالما بحديثهم[1]. وكان يكرر في كثير من الغزوات والسرايا ذكر الشيوخ الذين حدثوه، وأحياناً يزيدون وأحياناً ينقصون، ولكنه دائما يجمع خلاصة ما سمع، ويقول: فكل قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، وغيرهم ممن لم أسم، فكتبت كل ما حدثوني. ويقول أحياناً: وغير هؤلاء ممن لم يسم أهل ثقات، فكل قد حدثني بهذا الحديث بطائفة وقد كتبت ما حدثوني[2].
وقد بدأ بالسرايا والغزوات النبوية، ولم يعرض فيه للمبتدأ، والمبعث خلاف عمل ابن إسحق وآخرين، بل قصره على موضوعه المغازي.
وقد ساق تاريخا موجزا أشبه ما يكون بفهرس للغزوات النبوية حدد فيها تاريخ الغزوات، مع بعض المعلومات الضرورية، وختمها بقوله:
فكانت مغازي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين غزوة، ثم ذكر التي قاتل فيها، وقال: وكانت السرايا سبعا وأربعين سرية. واعتمر ثلاث عمر. ثم ذكر الصحابة الذين كان يستخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه للغزو على المدينة ثم ذكر شعار المسلمين في غزواتهم، فقال: وكان شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال في بدر: يا منصور أمت.. ثم بدأ بتفصيل السرايا والغزوات.
[1]انظر المغازي 1/412.
[2]انظر المغازي 3 /955، 989.
ويذكر كثيرا من الأسانيد خلال عرضه للأحداث، ومنها ما هو مرفوع، ومنها ما هو مرسل، ثم يعود فيقول: قالوا: أي شيوخه الذين صدر بهم الحدث. ويعرض التفاصيل دقيقة عن الغزوات من حيث عدد الغزاة ومتاعهم، ومركوبهم وطريق سيرهم، وما يحصل بينهم… ويرجح ويختار، ويقرر بعض الأحداث تقرير الواثق مما يقول.
وكان خلال حديثه عن الغزوة ينقل بأسانيده- ومنها الجياد ومنها الضعاف- أخباراً موضحة ومعلومات هامة متعلقة بالموضوع، مما يضفي على عمله صفة الاستقصاء زيادة على ما جمعه من المصنفين قبله: الزهري، ومعمر، وموسى بن عقبة، وأبو معشر، ومحمد بن صالح بن دينار ويزيد بن رومان، والطبقة الأولى مثل: عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم.
وبهذا نستطيع أن نتصور الجمع الذي أراد الواقدي القيام به. وبالمقارنة بين روايات ابن إسحق والواقدي يتبين أن الواقدي لم يَرْو عن ابن إسحق مباشرة ونقل عنه بندرة، وذكر كثيرا من الروايات والتفاصيل التي لم يذكرها ابن إسحق.
وهنا أستطيع القول إن التصنيف في السيرة النبوية، بلغ الذروة مع الواقدي. ولهذا اضطر المصنفون في السيرة إلى الرجوع للواقدي، للدقائق والتفاصيل التي استقصاها وتتبعها وحاول تحريرها، وفي هذا يقول ابن سيد الناس: "وكثيراً ما أنقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد وغيره أخباراً، ولعل كثيراً منها لا يوجد عند غيره، فإلى ابن عمر انتهى علم ذلك أيضا في
زمانه"[1].
أقول: وإن الواقدي كغيره من العلماء لا يخلو من شذوذات ومخالفات فيما حمل وروى، ويقوم ذلك ويقدر بقدره بناء على موازين المعرفة[2].
وإذا جنحنا إلى الأخذ بنصوص الواقدي وقبوله في هذا المضمار نستطيع القول:
1- إنه وسّع دائرة الجمع لنصوص السيرة، مما هو مدون مكتوب قبله، ومما لم يدون. ولهذا كان يروي عن أناس عن آبائهم وأجدادهم، مما جعل نصوص السيرة يكتمل تدوينها على يديه، ولم يبق لمن بعده إلا التحسين، والمقارنة والترجيح والتعليق بإضافات ليست بالكثيرة.
2 - وهذا ما جعل رائدا من رواد الكتابة في السيرة النبوية والصدر الأول، -وهو تلميذ الواقدي محمد بن سعد- يجعل أئمة التصنيف الكبار في هذا الباب أربعة، ومن عداهم تتمات وإضافات بسيطة، وقد أصاب في ذلك وأحسن، وهم:[1]موسى بن عقبة[2]ومحمد ابن إسحق، (3) وأبو معشر السندي، (4) والواقدي، فهؤلاء على الحقيقة أعمدة التأليف في السيرة النبوية، وإليهم المرجع لأنهم أخذوها من غير وجه بطريق الرواة المحدثين أصحاب الأسانيد، ومن طريق المهتمين بالموضوع كالزهري وعاصم بن عمر ابن قتادة، وأسرة أبي بكر بن حزم، وأضرابهم ومن طريق أبناء أصحاب السوابق والمشاهد، ثم ما كان يروج بين عامة الناس مما نقل إليهم عن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.
[1]انظر عيون الأثر 1 / 7.
[2]انظر نماذج منها في كتابنا مصادر السيرة النبوية وتقويمها ص: 78-79.
3- وبعد هؤلاء الأربعة بدأت مرحلة التنقيح والمقارنة، فإجماعهم إجماع، واختلافهم يرجح بينه ويختار الأصوب بناء على ضوابط عدة، وأول من قام بهذا العمل -الذي يجب أن يُحيا ويبعث من جديد في كتابة السيرة النبوية- محمد بن سعد في كتاب الطبقات إذ كان يكثر من الاعتماد على إجماعهم، فيقول: وقالوا جميعا 3/068 وانظر 3/443، 454، 478.
أجمع موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق، وأبو معشر، ومحمد بن عمر، وعبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري.. 3/601. وهذا الأخير متخصص في التاريخ وأخبار الأنساب. وأجمعوا جميعا 3/577، في روايتهم جميعا 3/569. أجمع على ذلك موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق، وأبو معشر، ومحمد بن عمر 3/447.
ويقول: فجميع من شهد بدرا من المهاجرين الأولين من قريش وحلفائهم ومواليهم في عدد محمد بن إسحق: ثلاثة وثمانون رجلا، وفي عدد محمد بن عمر خمسة وثمانون رجلا 3/418. ويقول: وأجمع على ذكر عبيد - بن أوس - في بدر: موسى بن عقبة ومحمد بن إسحق ومحمد بن عمر، ولم يذكره أبو معشر، وهذا عندنا منه وهم، أو ممن روى عنه 3/454. في أمثال كثيرة حاول محمد بن سعد أن يحرر وينقح ويرجح بناء على ضوابط هي جديرة بالتأمل والنظر والاستخراج لأنه من أئمة العلم، وفرسان هذا الميدان.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الخلاصة:
* إن عهد عمر بن عبد العزيز على رأس القرن الهجري الأول كان منعطفا هاما جديدا في بدايات تدوين السيرة النبوية وإشاعتها، وتخصيص حلقات درس بها.
* أثمر هذا العهد مجموعة من المؤسسين الذين حاولوا تتبعها ونشرها وهم: عاصم بن عمر بن قتادة ت120هـ، وشرحبيل بن سعد ت 123هـ، وابن شهاب الزهري ت 124هـ، ويزيد بن رومان الأسدي ت 130هـ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ت 135هـ.
* ثم برز بعدهم جيل أخذوا عن أعلام الجيل السابق ووسعوا دائرة روايتهم ودونوا السيرة النبوية وبهم أخذت شكلها المنهجي الثاني، وهم موسى بن عقبة ت 141هـ، ومحمد بن إسحق بن يسار ت151هـ، وسليمان التيمي ت 143هـ، ومعمر بن راشد اليماني ت 153هـ.
وحملت الأجيال مصنفات هؤلاء لأهميتها وجلالتها ولاتزال سارية إلى اليوم، ويمكن أن نسميهم جيل البناة المصنفين.
* ثم جاء الجيل الثالث، فوسعوا دائرة التأليف، ونوّعوا المصادر وحاولوا استكمال النواقص، وكان من أبرز أعلام هذا الجيل: أبو معشر السندي المتوفى سنة 170هـ، ومحمد بن صالح بن دينار ت 168هـ، وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم ت 176هـ ويمكن أن نسميه الجيل المكمِّل.
* وفي الدور الرابع مع الجيل الرابع في العقود الأخيرة من القرن الثاني وبدايات القرن الثالث كانت الإضافات التي عند الرواة تضاف إلى السيرة النبوية على يد جيل أتم البحث عن السيرة النبوية، وحاول أن لا يترك شيئا خارج نطاق التدوين فبلغ الذروة في ذلك على يد محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة 207هـ.
وهذا الجيل خاتمة أجيال بناة علم السيرة ومصنفاتها.
وبهذا نستطيع أن نقول: إن السيرة النبوية نضج التصنيف فيها، واكتمل نهاية القرن الثاني، وإلى أعلامه ومصنفاتهم المرجع إلى قيام الساعة، وأما عن أهمية هذه المصنفات والموازنة بينها، فله مكان آخر، وقد ألمعنا إلى كثير من ذلك في كتابنا مصادر السيرة النبوية وتقويمها فلينظر.
والحمد لله رب العالمين.