أدار الماء حول الدار، و قال له آخر کلاما معناه أن الروم تحتوی علی دارک، فأمر به فدفع و أخرج بعنف، و قضی اللّه سبحانه أنهم فتحوا حلب و استولوا علی داره. اه.
قال ابن خلدون: لما ملک سیف الدولة مدینتی حلب و حمص سنة ثلاث و ثلاثین صار أمر الصوائف إلیه، و کان له فیها آثار و کان للروم فی أیامه جولات حسنت فیها مدافعته.سنة 335
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة کان الفداء بالثغور بین المسلمین و الروم علی ید نصر الشملی أمیر الثغور لسیف الدولة بن حمدان، و کان عدة الأسری ألفین و أربعمائة أسیر و ثمانین أسیرا من ذکر و أنثی، و فضل الروم علی المسلمین مائتان و ثلاثون أسیرا لکثرة من معهم من الأسری، فوفاهم ذلک سیف الدولة.
سنة 337
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار سیف الدولة بن حمدان إلی بلد الروم، فلقیه الروم و اقتتلوا: فانهزم سیف الدولة و أخذ الروم مرعش و أوقعوا بأهل طرسوس.
سنة 339
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة دخل سیف الدولة بن حمدان إلی بلاد الروم فغزا و أوغل فیها و فتح حصونا کثیرة و سبی و غنم، فلما أراد الخروج من بلد الروم أخذوا علیه المضایق فهلک من کان معه من المسلمین أسرا و قتلا، و استرد الروم الغنائم و السبی و غنموا أثقال المسلمین و أموالهم، و نجا سیف الدولة فی عدد یسیر.
سنة 340
قال العکبری فی شرح دیوان المتنبی فی الکلام علی قوله:
ذی المعالی فلیعلون من تعالیهکذا هکذا و إلا فلا لا
إنه قال هذه القصیدة یذکر نهوض سیف الدولة إلی الثغر، و ذلک فی جمادی الأولی سنة أربعین و ثلاثمائة، قال: و کان سبب عمل هذه القصیدة أن سیف الدولة ورد علیه أن الدمستق و جیوش النصرانیة قد نزلوا علی حصن الحدث و نصبوا علیه مکاید و قدروا أنها فرصة فیه لما تداخل أهله من الانزعاج و القلق، و کان ملکهم قد ألزمهم قصده و أنجدهم بأصناف العسکر من البلغر و الروس و الصقلب و أنفذ معهم العدد الکثیر و العدد، فرکب سیف الدولة نافرا و انتقل إلی غیر الموضع الذی کان فیه و نظر فیما یجب أن ینظر فیه، و سار عن حلب فی جمادی الأولی، فنزل رعبان و أخبار الحدث علیه مستعجمة لأنهم ضبطوا الطرق لیخفی علیه خبرهم، فلما ضجر لبس سلاحه و أمر أصحابه بمثل ذلک و سار زحفا، فلما قرب من الحدث عادت الجواسیس تعلمه أن العدو لما أشرفت علیه خیول المسلمین من عقبة یقال لها العبری رحل و لم تستقر به دار، و امتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفا من کمین یعترض الرسل، فنزل سیف الدولة بظاهره و أتتهم طلائعهم تخبر سیف الدولة بانصرافهم إلی حصن رعبان، و وقعت الضجة و ظهر الاضطراب و ولی کل فریق علی وجه، و خرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم و أخذوا آلة سلاحهم و أعدّوه فی حصنهم. اه.سنة 341
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة ملک الروم مدینة سروج و سبوا أهلها و غنموا أموالهم و أخربوا المساجد.
و فی هذه السنة بنی سیف الدولة مرعشا، و امتدحه عند ذلک أبو الطیب المتنبی بقصیدة قال فی مطلعها:
فدیناک من ربع و إن زدتنا کربافإنک کنت الشرق للشمس و الغربا
و منها
هنیئا لأهل الثغر رأیک فیهمو أنک حزب اللّه صرت لهم حزبا
فیوما بخیل تطرد الروم عنهمو یوما بجود تطرد الفقر و الجدبا
سرایاک تتری و الدمستق هاربو أصحابه قتلی و أمواله نهبی
أتی مرعشا یستقرب البعد مقبلاو أدبر إذ أقبلت یستبعد القربا
و منها:
فأضحت کأنّ السور من فوق بدئهإلی الأرض قد شق الکواکب و التربا
تصد الریاح الهوج عنها مخافةو تفزع منها الطیر أن تلقط الحبا
و منها:
کفی عجبا أن یعجب الناس أنهبنی مرعشا تبا لآرائهم تباسنة 342
قال ابن شداد فی الأعلاق الخطیرة: و فی سنة اثنتین و أربعین و ثلثمائة غزا سیف الدولة ملطیة و شاطیء الفرات و قتل من الروم و سبا و أسر قسطنطین بن الدمستق، و لم یزل عنده إلی أن مات فی أسره، و کان کتب إلی أبیه الدمستق بإکرام سیف الدولة، و هو الذی کان یخدمه فی مرضه، فرأی منه الشفقة و اللطف الذی فعله، و قیل إن قسطنطین المأسور کان فی غایة الحسن، فبذل أبوه فیه ثمانمائة ألف دینار و ثلاثة آلاف أسیر، فاشتط سیف الدولة، فسیر الدمستق إلی عطار نصرانی بحلب و أمره أن یسقی ولده سما ففعل و مات، و عدت هذه من غلطات سیف الدولة.
و فی ترهب الدمستق یقول أبو الطیب:
فلو کان ینجی من علیّ ترهبترهبت الأملاک مثنی و موحدا
و قال أبو العباس أحمد بن النامی:
لکنه طلب الترهب خیفةممن له تتقاصر الأعمار
فمکان قائم سیفه عکازهو مکان ما یتمنطق الزنار
سنة 343
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة شهر ربیع الأول غزا سیف الدولة بن حمدان بلاد الروم، فقتل و أسر و سبی و غنم، و کان فیمن قتل قسطنطین بن الدمستق، فعظم الأمر علی الروم و عظم الأمر علی الدمستق، فجمع عساکره من الروم و الروس و البلغار و غیرهم و قصد الثغور، فسار إلیه سیف الدولة فالتقوا عند الحدث فی شعبان، فاشتد القتال بینهم و صبر الفریقان، ثم إن اللّه تعالی نصر المسلمین فانهزم الروم و قتل منهم و ممن معهم خلق عظیم، و أسر صهر الدمستق و ابن بنته و کثیر من بطارقته، و عاد الدمستق مهزوما مسلولا. اه.
قال العکبری فی شرح دیوان المتنبی فی شرح قوله:
علی قدر أهل العزم تأتی العزائمو تأتی علی قدر الکرام المکارم
کان سبب هذه القصیدة أن سیف الدولة سار نحو ثغر الحدث، و کان أهلها قد سلموها بالأمان إلی الدمستق، فنزل بها سیف الدولة فی جمادی الآخرة سنة ثلاث و أربعین و ثلثمائة، فبدأ فی یومه فحط الأساس و حفر أوله بیده ابتغاء ما عند اللّه تعالی، فلما کان یوم الجمعة نازله ابن الفقاس دمستق النصرانیة فی خمسین ألف فارس و راجل من جموع الروم و الأرمن و البلغر و الصقلب، و وقعت الوقعة یوم الاثنین سلخ جمادی الآخرة، و إن سیف الدولة حمل بنفسه فی نحو من خمسمائة من غلمانه فقصد موکبه، فهزمه و أظفهر اللّه به و قتل ثلاثة آلاف من مقاتلته و أسر خلقا کثیرا، فقتل بعضهم و استبقی البعض، و أسر تودس الأعور بطریق سمندو و هو صهر الدمستق، و أقام علی الحدث إلی أن بناها و وضع بیده آخر شرافة منها یوم الثلاثا ثالث عشرة لیلة خلت من رجب، و فی هذا الیوم أنشد أبو الطیب هذه القصیدة لسیف الدولة بالحدث. اه.
أقول: عبارة ابن الأثیر تفید أن قسطنطین بن الدمستق کان فیمن قتل، و ما نقلناه عن ابن شداد و عن العکبری یفید أنه أسر، و یغلب علی الظن أن هذه الروایة هی الأصح، و لعل للدمستق ولدا آخر قتل فی هذه الوقائع و قد اشتبه ذلک علی ابن الأثیر و اللّه أعلم.
سنة 345
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی رجب سار سیف الدولة بن حمدان فی جیوش إلی بلاد الروم و غزاها حتی بلغ خرشنة و صارخة و فتح عدة حصون و سبی و أسر و أحرق و خرب و أکثر القتل فیهم، و رجع إلی آذنة فأقام بها حتی جاءه رئیس طرسوس فخلع علیه و أعطاه شیئا کثیرا، و عاد إلی حلب، فلما سمع الروم بما فعل جمعوا و ساروا إلی میافارقین و أحرقوا سوادها و نهبوا و خربوا و سبوا أهله و نهبوا أموالهم و عادوا.
سنة 348
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة غزت الروم طرسوس والرها فقتلوا و سبوا و غنموا و عادوا سالمین.
سنة 349
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة غزا سیف الدولة بلاد الروم فی جمع کثیر فأثر فیها آثارا کثیرة و أحرق و فتح عدة حصون، و أخذ من السبی و الغنائم و الأسری شیئا کثیرا، و بلغ إلی خرشنة. ثم إن الروم أخذوا علیه المضایق، فلما أرادوا الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس: إن الروم قد ملکوا الدرب خلف ظهرک فلا تقدر علی العدو منه، و الرأی أن ترجع معنا، فلم یقبل منهم و کان معجبا برأیه یحب أن یستبد و لا یشاور أحدا لئلا یقال إنه أصاب برأی غیره، و عاد فی الدرب الذی دخل منه فظهر الروم علیه و استردوا ما کان معه من الغنائم و أخذوا أثقاله و وضعوا السیف فی أصحابه فأتوا علیه قتلا و أسرا، و تخلص هو فی ثلثمائة رجل بعد جهد و مشقة، هذا من سوء رأی کل من یجهل آراء الناس العقلاء.
سنة 350
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار قفل عظیم من أنطاکیة إلی طرسوس و معهم صاحب أنطاکیة، فخرج علیهم کمین للروم فأخذ من کان فیها من المسلمین و قتل کثیرا منهم، و أفلت صاحب أنطاکیة و به جراحات.
و فیها فی رمضان دخل نجا غلام سیف الدولة بلاد الروم من ناحیة میافارقین غازیا، و إنه فی رمضان غنم ما قیمته قیمة عظیمة و سبی و أسر و خرج سالما.سنة 351
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی المحرم نزل الروم مع الدمستق علی عین زربة، و هی فی سفح جبل عظیم، و هو مشرف علیها و هم فی جمع عظیم، فأنفذ بعض عسکره فصعدوا إلی الجبل فملکوه، فلما رأی ذلک أهلها و أن الدمستق قد ضیق علیهم و معه الدبابات و قد وصل إلی السور و شرع فی النقب طلبوا الأمان، فأمنهم الدمستق، و فتحوا له باب المدینة فدخلها فرأی أصحابه الذین فی الجبل قد نزلوا إلی المدینة، فندم علی إجابتهم إلی الأمان، و نادی فی البلد أول اللیل بأن یخرج جمیع أهله إلی المسجد الجامع، و من تأخر فی منزله قتل فخرج من أمکنه الخروج، فلما أصبح أنفذ رجالته فی المدینة و کانوا ستین ألفا، و أمرهم بقتل من وجدوه فی منزله فقتلوا خلقا کثیرا من الرجال و النساء و الصبیان، و أمر بجمع ما فی البلد من السلاح فجمع فکان شیئا کثیرا، و أمر من فی المسجد بأن یخرجوا من البلد حیث شاؤوا من یومهم ذلک، و من أمسی قتل، فخرجوا مزدحمین فمات بالزحمة جماعة، و مروا علی وجوههم لا یدرون أین یتوجهون، فماتوا فی الطرقات، و قتل الروم من وجدوه بالمدینة آخر النهار و أخذوا کل ما خلفه الناس من أموالهم و أمتعتهم و هدموا سوری المدینة ، و أقام الدمستق فی بلد الإسلام أحدا و عشرین یوما و فتح حول عین رزبة أربعة و خمسین حصنا
للمسلمین بعضها بالسیف و بعضها بالأمان، و إن حصنا من تلک الحصون التی فتحت بالأمان أمر أهله بالخروج منه، فخرجوا فتعرض أحد الأرمن ببعض حرم المسلمین فلحق المسلمین غیرة عظیمة، فجردوا سیوفهم فاغتاظ الدمستق لذلک، فأمر بقتل جمیع المسلمین و کانوا أربعمائة رجل و قتل النساء و الصبیان، و لم یترک إلا من یصلح أن یسترق، فلما أدرکه الصوم انصرف علی أنه یعود بعد العید، و خلف جیشه بقیساریة، و کان ابن الزیات صاحب طرسوس قد خرج فی أربعة آلاف رجل من الطرسوسیین فأوقع بهم الدمستق فقتل أکثرهم و قتل أخا لابن الزیات، فعاد إلی طرسوس، و کان قد قطع الخطبة لسیف الدولة بن حمدان، فلما أصابهم هذا الوهن أعاد أهل البلد الخطبة لسیف الدولة و راسلوه بذلک، فلما علم ابن زیات حقیقة الأمر صعد إلی روشن فی داره فألقی نفسه منه إلی نهر تحته فغرق، و راسل أهل بغراس الدمستق و بذلوا له مائة ألف درهم فأقرهم و ترک معارضتهم.ذکر استیلاء الروم علی مدینة حلب و عودهم عنها بغیر سبب
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة استولی الروم علی مدینة حلب دون قلعتها، و کان سبب ذلک أن الدمستق نقفور سار إلی حلب و لم یشعر به المسلمون لأنه کان قد خلف عسکره بقیساریة، و دخل بلادهم کما ذکرناه، فلما قضی صوم النصاری خرج إلی عسکره من البلاد جریدة و لم یعلم به أحد و سار بهم، و عند وصوله سبق خیله و کبس مدینة حلب و لم یعلم به سیف الدولة بن حمدان و لا غیره، فلما بلغها و علم سیف الدولة الخبر أعجله الأمر عن الجمع و الاحتشاد فخرج إلیه فیمن معه فقاتله، فلم یکن قوة الصبر لقلة من معه، فقتل أکثرهم و لم یبق من أولاد داود بن حمدان أحد قتلوا جمیعهم، فانهزم سیف الدولة فی نفر یسیر و ظفر الدمستق بداره، و کانت خارج مدینة حلب تسمی الدارین، فوجد فیها لسیف الدولة ثلثمائة بدرة من الدراهم، و أخذ له ألفا و أربعمائة بغل و من خزائن
السلاح ما لا یحصی، فأخذ الجمیع و خرب الدار و ملک الحاضر و حصر المدینة، فقاتله أهلها و هدم الروم فی السور ثلمة فقاتلهم أهل حلب فقتل من الروم کثیر و دفعوهم عنها، فلما جنهم اللیل عمروها، فلما رأی الروم ذلک تأخروا إلی جبل جوشن. ثم إن رجالة الشرطة بحلب قصدوا منازل الناس و خانات التجار لینهبوها، فلحق الناس أموالهم لیمنعوها فخلا السور منهم، فلما رأی الروم السور خالیا من الناس قصدوه و قربوا منه فلم یمنعهم أحد، فصعدوا إلی أعلاه فرأوا الفتنة قائمة فی البلد بین أهله، فنزلوا و فتحوا الأبواب و دخلوا البلد بالسیف یقتلون من وجدوا، و لم یرفعوا السیف إلی أن تعبوا و ضجروا، و کان فی حلب ألف و أربعمائة من الأساری فتخلصوا و أخذوا السلاح و قتلوا الناس و سبی من البلد بضعة عشر ألف صبی و صبیة، و غنموا ما لا یوصف کثرة، فلما لم یبق مع الروم ما یحملون علیه الغنیمة أمر الدمستق بإحراق الباقی (زاد ابن مسکویه هنا فی تاریخه تجارب الأمم ما نصه و عمد إلی الجباب التی یجرز فیها الزیت فصب فیها الماء حتی فاض الزیت علی وجه الأرض) و أحرق المساجد، و کان قد بذل لأهل البلد الأمان علی أن یسلموا إلیه ثلاثة آلاف صبی و صبیة و مالا ذکره و ینصرف عنهم، فلم یجیبوه إلی ذلک، فملکهم کما ذکرنا، و کان عدة عسکره مائتی ألف رجل منهم ثلاثون ألف رجل بالجواشن و ثلاثون ألفا للهدم و إصلاح الطرق من الثلج و أربعة آلاف بغل یحمل الحسک الحدید (زاد ابن مسکویه هنا: