حلب و لقب بمبارک الدولة و سعیدها و عزها، ثم وصل إلی حلب سدید الدولة أبو الحسن علی بن أحمد العجمی والی حصن أفامیة و فتح القلعة و أعاد أملاک الحلبیین التی کان سیف الدولة اغتصبها و بالغ فی البذل و الخیر.
قال ابن الأثیر: و تسلم حلب نواب الحاکم (ذکر منهم فی المختار من الکواکب المضیة مختار الدولة والی طرابلس و مرهف الدولة والی صیدا و لم یذکر اسمیهما و لا السنة التی ولیا فیها) و تنقلت بأیدیهم حتی صارت بید إنسان من الحمدانیة یعرف بعزیز الملک، فقدمه الحاکم و اصطنعه و ولاه حلب، فلما قتل الحاکم و ولی الظاهر عصی علیه فوضعت ست الملک أخت الحاکم فراشا له علی قتله فقتله.
دولة بنی مرداس ذکر استیلاء صالح بن مرداس الکلابی علی حلب سنة 414اشارة
قال ابن الأثیر: کان للمصریین بالشام نائب یعرف بأنوشتکین الدزبری و بیده دمشق و الرملة و عسقلان و غیرها، فاجتمع حسان أمیر بنی طی و صالح بن مرداس أمیر بنی کلاب و سنان بن علیان و تحالفوا و اتفقوا علی أن یکون من حلب إلی عانة لصالح و من الرملة إلی مصر لحسان و دمشق لسنان، فسار حسان إلی الرملة فحصرها و بها أنوشتکین، فسار عنها إلی عسقلان و استولی علیها حسان و نهبها و قتل أهلها، و ذلک سنة أربع عشرة و أربعمائة أیام الظاهر لإعزاز دین اللّه خلیفة مصر، و قصد صالح حلب و بها إنسان یعرف بابن ثعبان یتولی أمرها للمصریین و بالقلعة خادم یعرف بموصوف، فأما أهل البلد فسلموه إلی صالح لإحسانه إلیهم و لسوء سیرة المصریین معهم، و صعد ابن ثعبان إلی القلعة فحصره صالح بالقلعة فغار الماء الذی بها فلم یبق لهم ما یشربون، فسلم الجند القلعة إلیه و ذلک سنة أربع عشرة، و ملک من بعلبک إلی عانة.
سنة 416
قال فی الزبد و الضرب: فی سنة ست عشرة و أربعمائة ولی قضاء حلب القاضی أبو یعلی عبد المنعم المعروف بالقاضی الأسود، و کان وزیر صالح تاذرس النصرانی و کان هذا النصرانی متمکنا عنده و صاحب السیف و القلم.
سنة 418اشارة
و قال فی المختار من الکواکب المضیة: ذکر صاحب مصباح العیان أن فی سنة ثمان
عشرة و أربعمائة خرج الأمیر صالح بن مرداس إلی معرة النعمان و أمر باعتقال أکابرها، و سبب ذلک أن امرأة صاحت فی الجامع و ذکرت أن صاحب الماخور أراد أن یغصبها نفسها، فنفر کل من فی الجامع فهدموا الماخور و أخذوا خشبه و نهبوه، فحضر أسد الدولة صالح المذکور و اعتقلهم و صادرهم، ثم استدعی أبا العلاء بظاهر المعرة، و مما خاطبه به:
مولانا السید الأجل أسد الدولة و مقدمها و ناصحها کالنهار الماتع اشتد هجیره و طاب إبراده و کالسیف القاطع لان صفحه و خشن حداه، خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلین، فقال: قد وهبتهم لک أیها الشیخ، فقال أبو العلاء بعد ذلک:
بعثت شفیعا إلی صالحو ذاک من القوم ما قد فسد
فیسمع منی سجع الحمامو أسمع منه زئیر الأسدذکر قتل صالح بن مرداس سنة 420
قال ابن الأثیر: أقام صالح بن مرداس بحلب ست سنین، فلما کان سنة عشرین و أربعمائة جهز الظاهر صاحب مصر جیشا و سیرهم إلی الشام لقتال صالح و حسان، و کان مقدم العسکر أنوشتکین الدزبری، فاجتمع صالح و حسان علی قتاله فاقتتلوا بالأقحوانة علی الأردن عند طبریة، فقتل صالح و ولده الأصغر و نفذ رأسهما إلی مصر.
و ساق ابن خلکان نسبه فی ترجمته فقال: هو أسد الدولة أبو علی صالح بن مرداس ابن إدریس بن نصیر بن حمید بن مدرک بن شداد بن عبید بن قیس بن ربیعة بن کعب بن عبد اللّه بن أبی بکر بن کلاب بن ربیعة بن عامر بن صعصعة بن معاویة بن بکر بن هوازن ابن منصور بن عکرمة بن حفصة بن قیس بن عیلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الکلابی، کان من عرب البادیة و قصد مدینة حلب و بها مرتضی الدولة بن لؤلؤ، ثم ساق طرفا مما قدمناه إلا أنه قال إنه تملک حلب سنة سبع عشرة و أربعمائة، و یظهر أن ما ذکره ابن الأثیر من أنه تملکها سنة 414 هو الأصح.
ولایة أبی کامل نصر بن صالح سنة 420
قال ابن الأثیر: لما قتل صالح عند طبریة نجا ولده أبو کامل نصر بن صالح، فجاء إلی حلب و ملکها و کان لقبه شبل الدولة، فلما علمت الروم بأنطاکیة الحال تجهزوا إلی حلب فی عالم کثیر، فخرج أهلها فحاربوهم فهزموهم و نهبوا أموالهم و عادوا إلی أنطاکیة.
و قال فی المختار من الکواکب المضیة: لما قتل أسد الدولة صالح بن مرداس ملک بعده ابناه و هما معز الدولة ثمال و شبل الدولة نصر، و جعل الأمر شرکة بینهما مذ قتل أبوهما، إلی أن تفرد بالأمر شبل الدولة نصر و أخرج معز الدولة ثمال فی سنة إحدی و عشرین و أربعمائة، و لما تفرد شبل الدولة نصر و استقرت له الإمارة لقب بمختص الأمراء شمس الدولة و مجدها ذی العزیمتین.
ذکر خروج ملک الروم من القسطنطینیة إلی حلب و انهزامه سنة 421
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة خرج ملک الروم من القسطنطینیة فی ثلثمائة ألف مقاتل إلی الشام، فلم یزل بعساکره حتی بلغوا قریب حلب و صاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا علی یوم منها فلحقهم عطش شدید، و کان الزمان صیفا، و کان أصحابه مختلفین علیه، فمنهم من یحسده و منهم من یکرهه، و ممن کان معه ابن الدوقس و هو من أکابرهم، و کان یرید هلاک الملک لیملک بعده، فقال الملک: الرأی أن نقیم حتی تجیء الأمطار و تکثر المیاه، فقبح ابن الدوقس هذا الرأی و أشار بالإسراع قصد الشر یتطرق إلیه و لتدبیر کان قد دبره علیه، فسار ففارقه ابن الدوقس و ابن لؤلؤ فی عشرة آلاف فارس و سلکوا طریقا آخر، فخلا بالملک بعض أصحابه و أعلمه أن ابن الدوقس و ابن لؤلؤ قد حالفا أربعین رجلا هو أحدهم علی الفتک به، فاستشعر من ذلک و خاف و رحل من یومه راجعا، و لحقه ابن الدوقس و سأله عن السبب الذی أوجب عوده فقال له: قد اجتمعت
علینا العرب و قربوا منا، و قبض فی الحال علی ابن الدوقس و ابن لؤلؤ و جماعة معهما فاضطرب الناس و اختلفوا، و رحل الملک و تبعهم العرب و أهل السواد حتی الأرمن یقتلون و ینهبون و أخذوا من الملک أربعمائة بغل محملة مالا و ثیابا، و هلک کثیر من الروم عطشا و نجا الملک وحده، و لم یسلم معه من أمواله و خزائنه شیء البتة، و کفی اللّه المؤمنین القتال و کان اللّه قویا عزیزا. و قیل فی عوده غیر ذلک، و هو أن جمعا من العرب لیس بالکثیر عبر علی عسکره و ظن الروم أنها کبسة فلم یدروا ما یفعلون، حتی إن ملکهم لبس خفا أسود و عادة ملوکهم لبس الخف الأحمر، فترکه و لبس الأسود لیعمی خبره علی من یریده، و انهزموا و غنم المسلمون جمیع ما کان معهم.سنة 422 ذکر ملک الروم قلعة أفامیة [فی نواحی المعرة]اشارة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة ملک الروم قلعة أفامیة بالشام، و سبب ملکها أن الظاهر خلیفة مصر سیر إلی الشام الدزبری وزیره فملکه و قصد حسان بن المفرج الطائی فألح فی طلبه، فهرب منه و دخل بلد الروم و لبس خلعة ملکهم و خرج من عنده و علی رأسه علم فیه صلیب و معه عسکر کثیر، فسار إلی أفامیة فکبسها و غنم ما فیها و سبی أهلها و أسرهم و سیر الدزبری إلی البلاد یستنفر الناس للغزو.
ذکر ملک نصر الدولة بن مروان مدینة الرها سنة 416 و ذکر ملک الروم لها سنة 422 و ذکر استعادتها من الروم سنة 427
قال ابن الأثیر فی حوادث سنة 416: فی هذه السنة ملک نصر الدولة بن مروان صاحب دیار بکر مدینة الرها، و کان سبب ملکها أن الرها کانت لرجل من بنی نمیر یسمی
عطیرا و فیه شر و جهل، و استخلف علیها نائبا له اسمه أحمد بن محمد، فأحسن السیرة و عدل فی الرعیة فمالوا إلیه، و کان عطیر یقیم بحلته و یدخل البلد فی الأوقات المتفرقة، فرأی أن نائبه یحکم فی البلد و یأمر و ینهی فحسده فقال له یوما: قد أکلت مالی و استولیت علی بلدی و صرت الأمیر و أنا النائب، فاعتذر إلیه فلم یقبل عذره و قتله، فأنکرت الرعیة قتله و غضبوا علی عطیر و کاتبوا نصر الدولة بن مروان لیسلموا إلیه البلد، فسیر إلیهم نائبا کان له بآمد یسمی زنک، فتسلمها و أقام بها و معه جماعة من الأجناد، و مضی عطیر إلی صالح بن مرداس و سأله الشفاعة له إلی نصر الدولة، فشفع فیه فأعطاه نصف البلد، و دخل عطیر إلی نصر الدولة بمیافارقین فأشار أصحاب نصر الدولة بقبضه فلم یفعل و قال: لا أغدر به و إن کان أفسد و أرجو أن أکف شره بالوفاء، و تسلم عطیر نصف البلد ظاهرا و باطنا و أقام فیه مع نائب نصر الدولة. ثم إن نائب نصر الدولة عمل طعاما و دعاه فأکل و شرب، و استدعی ولدا کان لأحمد الذی قتله عطیر و قال: ترید أن تأخذ بثأر أبیک؟ قال: نعم، قال: هذا عطیر عندی فی نفر یسیر، فإذا خرج فتعلق به فی السوق و قل له: یا ظالم قتلت أبی، فإنه سیجرد سیفه علیک، فإذا فعل فاستنفر الناس علیه و اقتله و أنا من ورائک، ففعل ما أمره و قتل عطیرا و معه ثلاثة نفر من العرب، فاجتمع بنو نمیر و قالوا: هذا فعل زنک و لا ینبغی لنا أن نسکت عن ثأرنا، و لئن لم نقتله لیخرجنا من بلادنا، فاجتمعت نمیر و کمنوا له بظاهر البلد کمینا، و قصد فریق منهم البلد فأغاروا علی ما یقاربه، فسمع زنک الخبر فخرج فیمن عنده من العساکر و طلب القوم، فلما جاوز الکمناء خرجوا علیه فقاتلهم فأصابه حجر مقلاع فسقط و قتل، و کان قتله سنة ثمان عشرة و أربعمائة فی أولها و خلصت المدینة لنصر الدولة.
ثم إن صالح بن مرداس شفع فی ابن عطیر و ابن شبل النمیریین لیرد الرها إلیهما، فشفعه و سلمها إلیهما، و کان فیها برجان أحدهما أکبر من الآخر، فأخذ ابن عطیر البرج الکبیر و أخذ ابن شبل البرج الصغیر و أقاما فی البلد.
و قال فی حوادث هذه السنة سنة 422: إن ابن عطیر أرسل أرمانوس ملک الروم و باعه حصته من الرها بعشرین ألف دینار و عدة قری من جملتها قریة تعرف إلی الآن بسن ابن عطیر، و تسلموا البرج الذی له و دخلوا البلد فملکوه و هرب منه أصحاب ابن شبل،
و قتل الروم المسلمین و خربوا المساجد، و سمع نصر الدولة الخبر فسیر جیشا إلی الرها فحصروها و فتحوها عنوة، و اعتصم من بها من الروم بالبرجین و احتمی النصاری بالبیعة التی لهم، و هی من أکبر البیع و أحسنها عمارة، فحصرهم المسلمون بها و أخرجوهم و قتلوا أکثرهم و نهبوا البلد و بقی الروم فی البرجین، و سیر إلیهم عسکرا نحو عشرة آلاف مقاتل فانهزم أصحاب ابن مروان من بین أیدیهم و دخلوا البلد و ما جاورهم من بلاد المسلمین، و صالحهم ابن وثاب النمیری علی حران و سروج و حمل إلیهم خراجا.
و قال فی حوادث سنة سبع و عشرین و أربعمائة: فی رجب من هذه السنة اجتمع ابن و ثاب و ابن عطیر و تصاهرا و جمعا و أمدهما نصر الدولة بن مروان بعسکر کثیف، فساروا جمیعهم إلی السویداء، و کان الروم قد أحدثوا عمارتها فی ذلک الوقت، و اجتمع إلیها أهل القری المجاورة لها فحصرها المسلمون و فتحوها عنوة و قتلوا فیها ثلاثة آلاف و خمسمائة رجل و غنموا ما فیها و سبوا خلقا کثیرا، و قصدوا الرها فحصروها و قطعوا المیرة عنها حتی بلغ المکوک الحنطة دینارا، و اشتد الأمر فخرج البطریق الذی فیها متخفیا و لحق بملک الروم و عرفه الحال، فسیر معه خمسة آلاف فارس فعاد بهم، فعرف ابن وثاب و مقدم عساکر نصر الدولة الحال فکمنا لهم، فلما قاربوهم خرج الکمین علیهم فقتل من الروم خلق کثیر و أسر مثلهم و أسر البطریق و حمل إلی باب الرها و قالوا لمن فیها: إما أن تفتحوا البلد لنا و إما قتلنا البطریق و الأسری الذین معه، ففتحوا البلد للعجز عن حفظه و تحصن أجناد الروم بالقلعة، و دخل المسلمون المدینة و غنموا ما فیها و امتلأت أیدیهم من الغنائم و السبی و أکثروا القتل، و أرسل ابن وثاب إلی آمد مائة و ستین راحلة علیها رؤوس القتلی، و أقام محاصرا للقلعة. ثم إن حسان بن الجراح الطائی سار فی خمسة آلاف فارس من العرب و الروم نجدة لمن بالرها، فسمع ابن وثاب بقربه فسار إلیه مجدا لیلقاه قبل وصوله، فخرج من فی الرها من الروم إلی حران فقاتلهم أهلها، و سمع ابن وثاب الخبر فعاد مسرعا فوقع علی الروم فقتل منهم کثیرا و عاد المنهزمون إلی الرها.
و قال فی حوادث سنة تسع و عشرین و أربعمائة: فیها صالح ابن وثاب النمیری صاحب حران الروم الذین بالرها لعجزه عنهم و سلم إلیهم ربض الرها، و کان تسلمه علی ما ذکرناه أولا، فنزلوا من الحصن الذی للبلد إلیه، و کثر الروم بها و خاف المسلمون علی حران، و عمر الروم الرها العمارة الحسنة و حصنوها.
ذکر قتل شبل الدولة نصر بن صالح سنة 429
قال فی المختار من الکواکب المضیة: أقام شبل الدولة مالکا لحلب إلی أن قتل فی الوقعة بینه و بین عساکر الدزبری علی نهر العاصی بین کفر طاب و حماة، و ذلک یوم الاثنین النصف من شعبان سنة تسع و عشرین و أربعمائة، و قد مدح نصر بن صالح بن مرداس الکاتب البلیغ أبو الفضل إبراهیم المعری بقصیدة أولها:
أصولک فی العلی تحکی الفروعاو قدرک لم یزل قدرا رفیعا
بلغت مدی العلی فینا فطیماو أحرزت الندی طفلا رضیعا
و من یک للملوک أبوه شمسایکن قمرا یشاکلها طلوعا
و من یر للوری جدواه غیثافذا یکن الربیع به ربیعا
و منها:
و ما حلب التی افتخرت و عزتبهیبته بل الدنیا جمیعا
إذا رکب الأمیر أبو علیترجلت الملوک له خضوعا
و له من قصیدة یمدح بها نصرا أیضا:
و أنت من شهدت صید الملوک لهبأن رتبته تعلو علی الرتب
یعطی من العین درا هان قدرهماهوان غانیة تختال فی الحبب
و لا یبالی إذا صح الثناء لهأن یفتدی جسم ما یحویه ذا وصب
کأنما یده من جودها خلقتألا یکف لها کفا علی نشب
أخو الحروب التی ما إن ثنی أبدایعم أعداءه بالویل و الحرب
ذکر ولایة أنوشتکین الدزبری سنة 429 من طرف العلویین
قال أبو الفداء: بقی شبل الدولة بن صالح مالکا لحلب إلی سنة تسع و عشرین و أربعمائة، و ذلک فی أیام المستنصر باللّه العلوی صاحب مصر، فجهزت العساکر من