ذکر قتل تتش بن آلب أرسلان سنة 488
فی هذه السنة فی صفر قتل تتش بن آلب أرسلان فی وقعة جرت بینه و بین ابن أخیه برکیاروق فی موضع قریب من الری انهزم عسکر تتش و ثبت هو فقتل، قیل قتله بعض أصحاب آقسنقر صاحب حلب أخذا بثأر صاحبه. اه ابن الأثیر باختصار.
ترجمة تاج الدولة تتش:
قال ابن خلکان: هو تاج الدولة أبو سعید تتش بن آلب أرسلان بن داود بن میکائیل بن سلجوق بن دقاق السلجوقی. کان صاحب البلاد الشرقیة، فلما حاصر أمیر الجیوش بدر الجمالی مدینة دمشق من جهة صاحب مصر و کان صاحب دمشق یومئذ آتسز بن أوق الخوارزمی الترکی، سیر آتسز المذکور إلی تتش فاستنجده و سار إلیه بنفسه، فلما وصل إلی دمشق خرج إلیه آتسز فقبض علیه تتش و استولی علی مملکته و ذلک فی سنة إحدی و سبعین و أربعمائة، و کان قد ملک دمشق فی ذی القعدة سنة ثمان و ستین و أربعمائة، ثم ملک حلب فی سنة ثمان و سبعین و أربعمائة (تقدم أنه تملکها سنة 479) و استولی علی البلاد الشامیة، ثم جری بینه و بین ابن أخیه برکیاروق منافرات و مشاجرات أدت إلی المحاربة فتوجه إلیه و تصافا بالقرب من مدینة الری فی یوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان و ثمانین و أربعمائة، فانکسر تتش المذکور و قتل فی المعرکة ذلک النهار، و مولده سنة ثمان و خمسین و أربعمائة و خلف ولدین أحدهما فخر الملوک رضوان و الآخر شمس الملوک أبو نصر دقاق، فاستقل رضوان بمملکة حلب و دقاق بمملکة دمشق. اه. و سیأتی أنه خلف ولدین صغیرین آخرین.
ولایة رضوان بن تتش السلجوقی سنة 488
قال ابن الأثیر: کان تاج الدولة تتش قد أوصی أصحابه بطاعة ابنه الملک رضوان و کتب إلیه من بلد الجبل قبل المصاف الذی قتل فیه یأمره أن یسیر إلی العراق و یقیم بدار
المملکة، فسار فی عدد کثیر منهم إیلغازی بن أرتق، و کان قد سار إلی تتش فترکه عند ابنه رضوان و منهم الأمیر وثاب بن محمود بن صالح بن مرداس و غیرهما، فلما قارب هیت بلغه قتل أبیه فعاد إلی حلب و معه والدته فملکها و کان بها أبو القاسم الحسن بن علی الخوارزمی قد سلمها إلیه تتش و حکمه فی البلد و القلعة و لحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسین ابن إیتکین، و کان مع تتش فسلم من المعرکة، و کان مع رضوان أخواه الصغیران أبو طالب و بهرام و کانوا کلهم مع أبی القاسم کالأضیاف لتحکمه فی البلد، و استمال جناح الدولة المغاربة و کانوا أکثر جند القلعة، فلما انتصف اللیل نادوا بشعار الملک رضوان و احتاطوا علی أبی القاسم و أرسل إلیه رضوان یطیب قلبه، فاعتذر فقبل عذره و خطب لرضوان علی منابر حلب و أعمالها و لم یکن یخطب له، بل کانت الخطبة لأبیه بعد قتله نحو شهرین، و سار جناح الدولة فی تدبیر المملکة سیرة حسنة و خالف علیهم الأمیر باغیسیان بن محمد ابن آلب الترکمانی صاحب أنطاکیة ثم صالحهم و أشار علی الملک رضوان بقصد دیار بکر لخلوها من وال یحفظها، فساروا جمیعا و قدم علیهم أمراء الأطراف الذین کان تتش رتبهم فیها و قصدوا سروج فسبقهم إلیها الأمیر سقمان بن أرتق جد أصحاب الحصن الیوم و أخذها و منعهم عنها، و أمر أهل البلد فخرجوا إلی رضوان و تظلموا إلیه من عساکره و ما یفسدون من غلامهم و یسألونه الرحیل، فرحل عنهم إلی الرها، و کان رجل من الروم یقال له الفارقلیط و کان یضمن البلد من بوزان فقاتل المسلمین بمن معه و احتمی بالقلعة و شاهدوا من شجاعته ما کانوا لا یظنونه، ثم ملکها رضوان و طلب باغیسیان القلعة من رضوان فوهبها له فتسلمها و حصنها و رتب رجالها، و أرسل إلیهم أهل حران یطلبونهم لیسلموا إلیهم حران فسمع ذلک قراجة أمیرها فاتهم ابن المفتی و کان هذا ابن المفتی قد اعتمد علیه تتش فی حفظ البلد، فأخذه و أخذ معه بنی أخیه فصلبهم، و وصل الخبر إلی رضوان، و قد اختلف جناح الدولة و بغیسیان و أضمر کل واحد منهما الغدر بصاحبه، فهرب جناح الدولة إلی حلب فدخلها و سار رضوان و باغیسیان فعبر الفرات إلی حلب فسمعوا بدخول جناح الدولة إلیها، ففارق باغیسیان الملک رضوان و سار إلی أنطاکیة و معه أبو القاسم الخوارزمی و سار رضوان إلی حلب.
سنة 489 ذکر قتل یوسف بن آبق و المجن الحلبی
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی المحرم قتل یوسف بن آبق الذی ذکرنا أنه سیره تاج الدولة تتش إلی بغداد و نهب سوادها، و کان سبب قتله أنه کان بحلب بعد قتل تاج الدولة، و کان بحلب إنسان یقال له المجن و هو رئیس الأحداث بها و له أتباع کثیرة، فحضر عند جناح الدولة حسین و قال له: إن یوسف بن آبق یکاتب باغیسیان (صاحب أنطاکیة) و هو علی عزم الفساد و استأذنه فی قتله فأذن له و طلب أن یعینه بجماعة من الأجناد ففعل ذلک، فقصد المجن الدار التی بها یوسف فکبسها من الباب و السطح و أخذ یوسف فقتله و نهب کل ما فی داره و بقی بحلب حاکما فحدثته نفسه بالتفرد بالحکم عن الملک رضوان فقال لجناح الدولة: إن الملک رضوان أمرنی بقتلک فخذ لنفسک، فهرب جناح الدولة إلی حمص و کانت له، فلما انفرد المجن بالحکم تغیر علیه رضوان و أراد منه أن یفارق البلد فلم یفعل و رکب فی أصحابه فلو همّ بالمحاربة لفعل، ثم أمر أصحابه أن ینهبوا ماله و أثاثه و دوابه ففعلوا ذلک، و اختفی فطلب فوجد بعد ثلاثة أیام فأخذ و عوقب و عذب ثم قتل هو و أولاده، و کان من أهل السواد یشق الخشب ثم بلغ هذه الحالة اه.
قال فی الزبد و الضرب: و فی سنة إحدی و تسعین و أربعمائة قتل الملک رضوان رئیس حلب برکات بن فارس الفوعی المعروف بالمجن، و کان هذا المجن أولا من جملة اللصوص الشطار و قطاع الطریق الذعار فاستتابه قسیم الدولة و ولاه رئاسة حلب لشهامته و کفاءته و معرفته بالمفسدین، و کان فی حال اللصوصیة یصلی العشاء الآخرة بالفوعة و یسری إلی حلب و یسرق منها شیئا و یخرج فیصلی الفجر بالفوعة، فإذا اتهم بالسرقة أحضر من یشهد له أنه صلی العشاء بالفوعة و الصبح فیترکونه، و استمر علی ریاسة حلب و حکم علی القضاة و الوزراء و من دونهم، و کان کثیر السعایة فی قتل النفوس و سفک الدماء و أخذ الأموال و ارتکاب الظلم، فعصی علی الملک رضوان ثم ضعف و اختفی، ثم سلط علیه الملک رضوان فسجنه و عذبه عذابا شدیدا بأنواع شتی، و أراد بذلک أن یستصفی ماله، و مما
عذبه به أن أحمی الطشت حتی صار کالنار و وضعه علی رأسه و نفخ فی دبره بکیر الحداد و نقبت کعابه و ضرب فیها الرزز و الحلق، و لما وضع النجار المنقب علی کعبه قطع اللحم و الجلد و لم یدر المنقب فلطمه المجن و قال: ویلک لا تعرف، أحضر خشبة وضعها علی الکعب، فلما فرغ قیل له: کیف تجد طعم الحدید؟ فقال: قولوا للحدید کیف یجد طعمی، و لم یقر المجن مع هذا بدرهم واحد، ثم قتل، و لما قدم للقتل صاح بصوت عال:
یا معشر أهل حلب من کان لی عنده مال فهو فی حل منه اه.
قال ابن الأثیر: و فی هذه السنة توفی القاضی أبو مسلم وادع بن سلیمان قاضی معرة النعمان و المستولی علی أمورها، و کان رجل زمانه همة و علما.سنة 490 ذکر الحرب بین رضوان ملک حلب و أخیه دقاق صاحب دمشقاشارة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار الملک رضوان إلی دمشق و بها أخوه دقاق عازما علی أخذها منه، فلما قاربها و رأی حصانتها و امتناعها علم عجزه عنها فرحل إلی نابلس و صار إلی القدس لیأخذه فلم یمکنه و انقطعت العساکر عنه، فعاد و معه باغیسیان صاحب أنطاکیة و جناح الدولة، ثم إن باغیسیان فارق رضوان و قصد دقاق و حسن له محاصرة أخیه بحلب جزاء لما فعله، فجمع عساکر کثیرة و سار و معه باغیسیان، فأرسل رضوان رسولا إلی سقمان بن أرتق و هو بسروج یستنجده فأنجده، فأتاه فی خلق کثیر من الترکمان فسار نحو أخیه فالتقیا بقنسرین فاقتتلا فانهزم دقاق و عسکره و نهبت خیامهم و جمیع مالهم و عاد رضوان إلی حلب، ثم اتفقا علی أن یخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق و بأنطاکیة، و قیل کانت هذه الحادثة سنة تسع و ثمانین. اه ابن الأثیر.
قال الکمال ابن العدیم و لما سار رضوان و بغیسیان وصلا إلی شیزر متوجهین إلی
حمص لقصد حمص، فتواصلت الأخبار بوصول خلق من الفرنج قاصدین أنطاکیة، فقال باغیسیان: عودنا إلی أنطاکیة و لقاء الفرنج أولی، و قال سکمان: سیرنا إلی دیار بکر و أخذها من المتغلبین و نتقوی بها و أنزل أهلی بها و نعود إلی حمص أولی، و اختلفوا فسار الملک رضوان نحو حلب حفلا و کان معه وزیره أبو النجم بن بدیع وزیر أبیه تتش أبی القسم و کان قد ولاه وزارته حین ملک حلب فاتهماه أنه هو الذی یفسد الحال مع رضوان، فطلع إلی حصن شیزر و أقام بها عند ابن منقذ خشیة من باغیسیان و سکمان، فلما سارا عن شیزر سار إلی حلب و لحق بالملک رضوان، و لما عاد رضوان مغاضبا لبغیسیان و سکمان عاد الأمراء من شیزر إلی أنطاکیة و بلغهم نزول الفرنج البلانة و نهبها، و لما دخل بغیسیان أنطاکیة أخرج ولدیه شمس الدولة و محمدا فسار أحدهما إلی دقاق و طغتکین یستنجد هما و بث کتبه إلی جناح الدولة و وثاب بن محمود و بنی کلاب و سار محمد ابنه إلی الترکمان و کربغا و أمراء الشرق و ملوکه و سارت کتبه إلی جمیع أمراء المسلمین.
و فی ثامن شهر رمضان وصل من قبرس إلی مینا اللاذقیة اثنان و عشرون قطعة فی البحر فهجموه و أخذوا منه جمیع ما کان للتجار و نهبوا اللاذقیة و عادوا، و وصلت الفرنج إلی الشام و اعتبروا عسکرهم فکانوا ثلاثمائة ألف و عشرین ألف إنسان لأنهم وصلوا من جهة الشمال، و فی الیوم الثانی من شوال نزلت عساکر الفرنج علی بغراس و أغاروا علی أعمال أنطاکیة، فعند ذلک عصی من کان فی الحصون و المعاقل المجاورة لأنطاکیة و قتلوا من کان بها و هرب من هرب منها، و فعل أهل أرتاح مثل ذلک و استدعوا المدد من الفرنج، و هذا کله لقبح سیرة باغیسیان و ظلمه فی بلاده، و نزل الفرنج علی أنطاکیة للیلتین بقیتا من شوال من سنة تسعین و أربعمائة اه.
أقول: الظاهر أن سیرهما إلی شیزر کان بعد القتال الذی حصل فی قنسرین کما تقدم آنفا.ذکر الخطبة للعلوی المصری بولایة رضوان
فی هذه السنة خطب الملک رضوان فی کثیر من ولایته للمستعلی بامر اللّه العلوی صاحب مصر، و سبب ذلک أنه کان عنده الأمیر جناح الدولة و هو زوج أمه فرأی من
رضوان تغیرا فسار إلی حمص و هی له فلما رأی باغیسیان بعده عن رضوان صالحه و قدم إلیه بحلب و نزل بظاهرها، و کان لرضوان منجم یقال له الحکیم أسعد و کان یمیل إلیه فقدمه بعد مسیر جناح الدولة فحسن له مذاهب العلویین المصریین و أتته رسل المصریین یدعونه إلی طاعتهم و یبذلون له المال و إنفاذ العساکر إلیه لیملک دمشق فخطب لهم بشیزر و جمیع الأعمال سوی أنطاکیة و حلب و المعرة أربع جمع. ثم حضر عنده سقمان بن أرتق و باغیسیان صاحب أنطاکیة فأنکرا ذلک و استعظماه فأعاد الخطبة العباسیة فی هذه السنة و أرسل إلی بغداد یعتذر مما کان منه و سار باغیسیان إلی أنطاکیة فلم یقم بها غیر ثلاثة أیام حتی وصل الفرنج إلیها و حصروها و کان ما نذکره إن شاء اللّه تعالی.سنة 490 ذکر الحرب بین رضوان ملک حلب و أخیه دقاق صاحب دمشقاشارة
قال ابن الأثیر: لما کان سنة تسعین و أربعمائة خرج الفرنج إلی بلاد الشام، و کان سبب خروجهم أن ملکهم بردویل جمع جمعا کثیرا من الفرنج و کان نسیب رجار الفرنجی الذی ملک صقلیة، فأرسل إلی رجار یقول له: قد جمعت جمعا کثیرا و أنا واصل إلیک و سائر من عندک إلی إفریقیة أفتحها و أکون مجاورا لک، فجمع رجار أصحابه و استشارهم فی ذلک و قالوا: و حق الإنجیل هذا جید لنا و لهم و تصبح البلاد بلاد النصرانیة، فرفع رجله و حبق حبقة عظیمة و قال: و حق دینی هذه خیر من کلامکم، قالوا: و کیف ذلک، قال: إذا وصلوا إلی أحتاج إلی کلفة کثیرة و مراکب تحملهم إلی إفریقیة و عساکر من عندی أیضا، فإن فتحوا البلاد کانت لهم و صارت المؤنة لهم من صقلیة و ینقطع عنی ما یصل من المال من ثمن الغلات کل سنة، و إن لم یفلحوا رجعوا إلی بلادی و تأذیت بهم و یقول تمیم غدرت بی و نقضت عهدی و تنقطع الوصلة و الأسفار بیننا، و بلاد إفریقیة باقیة لنا متی وجدنا قوة أخذناها. و أحضر رسوله و قال له: إذا عزمتم علی جهاد المسلمین و أفضل ذلک فتح بیت المقدس تخلصونه من أیدیهم و یکون لکم الفخر، و أما إفریقیة فبینی و بین أهلها أیمان و عهود، فتجهزوا و خرجوا إلی الشام.
و قیل إن أصحاب مصر من العلویین لما رأوا قوة الدولة السلجوقیة و تمکنها و استیلاءها علی بلاد الشام إلی غزة و لم یبق بینهم و بین مصر ولایة أخری تمنعهم من دخول الأفسیس إلی مصر و حصرها فخافوا و أرسلوا إلی الفرنج یدعونهم إلی الخروج إلی الشام لیملکوه و یکون بینهم و بین المسلمین.
فلما عزم الفرنج علی قصد الشام ساروا إلی القسطنطینیة لیعبروا المجاز إلی بلاد المسلمین و یسیروا فی البر فیکون أسهل علیهم، فلما وصلوا إلیها منعهم ملک الروم من الاجتیاز ببلاده و قال: لا أمکنکم من العبور إلی بلاد الإسلام حتی تحلفوا لی أنکم تسلمون إلیّ أنطاکیة، و کان قصده یحثهم علی الخروج إلی بلاد الإسلام ظنا منهم أن الأتراک لا یبقون منهم أحدا لما رأی من صرامتهم و ملکهم البلاد، فأجابوه إلی ذلک و عبروا الخلیج عند القسطنطینیة سنة تسعین و وصلوا إلی بلاد قلج أرسلان بن سلیمان بن قتلمش و هی قونیة و غیرها، فلما وصلوا إلیها لقیهم قلج أرسلان فی جموعه و منعهم فقاتلوه فهزموه فی رجب سنة تسعین و اجتازوا فی بلاده إلی بلاد ابن الأرمنی فسلکوها و خرجوا إلی أنطاکیة فحصروها، و لما سمع صاحبها باغیسیان بتوجههم إلیها خاف من النصاری الذین بها فأخرج المسلمین من أهلها لیس معهم غیرهم و أمرهم بحفر الخندق، ثم أخرج من الغد النصاری لعمل الخندق أیضا لیس معهم مسلم، فعملوا فیه إلی العصر، فلما أرادوا الدخول منعهم و قال لهم: أنطاکیة لکم تهبوها لی حتی أنظر ما یکون منا و من الفرنج، فقالوا له: من یحفظ أبناءنا و نساءنا؟ فقال: أنا أخلفکم فیها، فأمسکوا و أقاموا فی عسکر الفرنج فحصروها تسعة أشهر، و ظهر من شجاعة باغیسیان وجودة رأیه و حزمه و احتیاطه ما لم یشاهد من غیره فهلک أکثر الفرنج موتا و لو بقوا علی کثرتهم التی خرجوا فیها لطبقوا بلاد الإسلام، و حفظ باغیسیان أهل نصاری أنطاکیة الذین أخرجهم و کف الأیدی المتطرقة إلیهم، فلما طال مقام الفرنج علی أنطاکیة راسلوا أحد المستحفظین للأبراج و هو زراد یعرف بروزبه و بذلوا له مالا و إقطاعا و کان یتولی حفظ برج یلی الوادی و هو مبنی علی شباک فی الوادی، فلما تقرر بینهم و بین هذا الملعون الزراد جاؤوا إلی الشباک ففتحوه و دخلوا منه و صعد جماعة کثیرة بالحبال، فلما زادت عدتهم علی خمسمائة ضربوا البوق و ذلک عند السحر و قد تعب الناس من کثرة السهر و الحراسة، فاستیقظ باغیسیان فسأل عن الحال فقیل إن هذا البوق من القلعة و لا شک أنها قد ملکت، و لم یکن من القلعة، و إنما کان من
ذلک البرج، فدخله الرعب و فتح باب البلد و خرج هاربا فی ثلاثین غلاما علی وجهه، فجاء نائبه فی حفظ البلد فسأل عنه فقیل إنه هرب، فخرج من باب آخر هاربا، و کان ذلک معونة للفرنج و لو ثبت ساعة لهلکوا، ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب و نهبوه و قتلوا من فیه من المسلمین و ذلک فی جمادی الأولی، و أما باغیسیان فإنه لما طلع علیه النهار رجع إلیه عقله و کان کالولهان فرأی نفسه و قد قطع عدة فراسخ، فقال لمن معه: أین أنا؟
فقیل: علی أربعة فراسخ من أنطاکیة، فندم کیف خلص سالما و لم یقاتل حتی یزیلهم عن البلد أو یقتل، و جعل یتلهف و یسترجع علی ترک أهله و أولاده و المسلمین، فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشیا علیه، فلما سقط إلی الأرض أراد أصحابه أن یرکبوه فلم یکن فیه مسکة قد قارب الموت، فترکوه و ساروا عنه و اجتاز به إنسان أرمنی کان یقطع الحطب و هو بآخر رمق فقتله و أخذ رأسه و حمله إلی الإفرنج بأنطاکیة، و کان الفرنج قد کاتبوا صاحب حلب و دمشق بأننا لا نقصد غیر البلاد التی کانت بید الروم لا نطلب سواها مکرا منهم و خدیعة حتی لا یساعدوا صاحب أنطاکیة.زیادة بیان لهذه الحوادث:
قال ابن العدیم فی بغیة الطلب: و فی المحرم من سنة إحدی و تسعین و أربعمائة خرج نحو ثلاثین ألفا من الفرنج إلی أعمال المسلمین ببلد حلب فأفسدوا و نهبوا و قتلوا من وجدوا، و کان قد وصل الملک دقاق و أتابک و معهما جناح الدولة و نزلوا أرض شیزر و معهم ابن باغیسیان و هم سائرون لإنجاد أبیه، و بلغهم هذه السریة فساروا إلیها بقطعة من العساکر فلقیهم فی أرض البارة فقتلوا منهم جماعة و عاد الفرنج إلی الروج و عرّجوا منه إلی معرة مصرین فقتلوا من وجدوا و کسروا منبرها، و حین عاد العسکر الدمشقی من البارة فارقهم ابن باغیسیان و وصل إلی حلب یستنجد بالملک رضوان، فأخذ عسکر حلب و سکمان و دخل بهما إلی أنطاکیة فلقیهم من الفرنج دون عدتهم فانهزم عسکر المسلمین إلی حارم و ذلک فی آخر صفر، و تبعهم عسکر الفرنج إلی حارم فانهزموا إلی حلب و غلب أهل حارم من الأرمن علیها.
و فی شهر ربیع الأول من هذه السنة وصل خلق من الأرمن إلی تل قباسین بناحیة الوادی فقتلوا من فیه و خرج المسلمون الذین بالوادی و جماعة من الأتراک تبعوهم قتلوا منهم جماعة و التجأ الباقون إلی بعض الحصون الخربة، فأدرکهم عسکر حلب فقاتلهم یومین