حصون شیحان و بها الفرنج فیخرجون ظنا منهم أن أصحابهم نصروا فیقتلهم و یأخذ الحصن منهم، فعل ذلک بعدة حصون، و أما جکرمش فإنه سار إلی حران فتسلمها و استخلف بها صاحبه و سار إلی الرها فحصرها خمسة عشر یوما، و عاد إلی الموصل و معه القمص الذی أخذه من خیام سقمان ففاداه بخمسة و ثلاثین دینارا و مائة و ستین أسیرا من المسلمین، و کان عدة القتلی من الفرنج یقارب اثنی عشر ألف قتیل.وفاة الملک دقاق و استنابة ولده تتش
قال ابن العدیم: فی هذه السنة فی رمضان توفی الملک دقاق بن تتش بن آلب أرسلان صاحب دمشق و أوصی بالملک لولد له صغیر اسمه تتش و جعل التدبیر إلی أتابک طغتکین، فتوجه الملک رضوان نحو دمشق و حاصرها و قزر له الخطبة و السکة فلم تستتب أموره و عاد إلی حلب. اه.
سنة 498 خروج طنکرید من أنطاکیة لاستعادة أرتاح و قصده حلب
قال ابن العدیم: فی شهر رجب من هذه السنة خرج الملک رضوان و جمع خلقا کثیرا و عزم علی قصد طرابلس معونة لفخر الملک بن عمار علی الفرنج النازلین علیه، و کان الأرمن الذین فی حصن أرتاح قد سلموه إلی الملک رضوان لخور الفرنج، فخرج طنکرید من أنطاکیة لاستعادة أرتاح و خرج جمیع من فی أعماله من الفرنج معه و نزل علیها، فتوجه نحوه رضوان فی عساکره و جموعه و جمع من أمکنه من عمل حلب و الأحداث، فلما تقاربا نشبت الحرب بین الفریقین فثبت راجل المسلمین و انهزم الخیل و وقع القتل فی الرجالة فلم یسلم منهم إلا من کتب اللّه سلامته، و وصل الفل إلی حلب و قتل من المسلمین مقدار ثلاثة آلاف ما بین فارس و راجل و هرب من بأرتاح من المسلمین، و قصد الفرنج بلد حلب فأجفل أهله و نهب من نهب و سبی من سبی، و ذلک فی الثالث من شعبان، و اضطربت أحوال بلد حلب من لیلون إلی شیزر و تبدل الخوف بعد الأمن و السکون، و هرب أهل الجزر
و لیلون إلی حلب فأدرکهم خیل الفرنج فسبوا أکثرهم و قتلوا جماعة، و کانت هذه النکبة علی أعمال حلب أعظم من النکبة الأولی علی کل.
و نزل طنکرید علی تل أغدی من عمل لیلون و أخذه و أخذ بقیة الحصون التی فی عمل حلب و لم یبق فی ید الملک رضوان من الأعمال القبلیة إلا حماة و من الغربیة إلا الأثارب و الشرقیة و الشمالیة فی یده و هی غیر آمنة.
و سیر أبو طاهر الصایغ الباطنی جماعة من الباطنیة من أهل سرمین إلی خلف بن ملاعب بتدبیر رجل یعرف بأبی الفتح السرمینی من دعاة الإسماعیلیة فقتلوه و وافقهم جماعة من أهل أفامیة و نقبوا سور الحصن و دخلوا منه، و طلع بعضهم إلی القلعة فأحس بهم فخرج فطعنه أحدهم بخشب فرمی بنفسه فطعن أخری فمات، و نادوا بشعار الملک رضوان، و وصل أبو طاهر الصایغ إلی الحصن عقیب ذلک و أقام به و سار طنکرید إلی أفامیة فقطع علیها مالا أخذه و عاد فوصله مصبح بن خلف بن ملاعب و بعض أصحابه فأطمعوه فی أفامیة فعاد و نزلها و حاصرها، فتسلمها فی الثالث عشر من محرم من سنة خمسمائة بالأمان، و قتل أبا الفتح السرمینی بالعقوبة و لم یف لأبی طاهر الصایغ بالأمان، و حمله معه أخیرا فاشتری نفسه بمال و دخل حلب.
و قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی شعبان کانت وقعة بین طنکرید الفرنجی صاحب أنطاکیة و بین الملک رضوان صاحب حلب انهزم فیها رضوان، و سببها أن طنکرید حصر حصن أرتاح و بها نائب الملک رضوان فضیق الفرنج علی المسلمین فأرسل النائب بالحصن إلی رضوان یعرفه ما هو فیه من الحصر الذی أضعف نفسه و یطلب النجدة، فسار رضوان فی عسکر کثیر من الخیالة و سبعة آلاف من الرجالة منهم ثلاثة آلاف من المتطوعة، فساروا حتی وصلوا إلی قنسرین و بینهم و بین الفرنج قلیل، فلما رأی طنکرید کثرة المسلمین أرسل إلی رضوان یطلب الصلح فأراد أن یجیب فمنعه أصبهبذ صباوو و کان قد قصده و سار معه بعد قتل إیاز، فامتنع من الصلح و اصطفوا للحرب فانهزمت الفرنج من غیر قتال ثم قالوا: نعود و نحمل علیهم حملة واحدة، فإن کانت لنا و إلا انهزمنا، فحملوا علی المسلمین فلم یثبتوا و انهزموا و قتل منهم و أسر کثیرا، و أما الرجالة فإنهم کانوا قد دخلوا معسکر الفرنج لما انهزموا فاشتغلوا بالنهب فقتلهم الفرنج و لم ینج إلا الشرید فأخذ أسیرا،
و هرب من فی أرتاح إلی حلب و ملکه الفرنج و هرب أصبهبذ صباوو إلی طغتکین أتابک بدمشق فصار معه و من أصحابه.سنة 499 ذکر ملک الفرنج حصن أفامیة
فی هذه السنة ملک الفرنج حصن أفامیة، و سبب ذلک أن خلف بن ملاعب الکلابی کان متغلبا علی حمص و کان الضرر به عظیما و رجاله یقطعون الطریق، فکثر الحرامیة عنده فأخذها منه تتش بن آلب أرسلان و أبعده عنها فتقلبت به الأحوال إلی أن دخل إلی مصر فلم یلتفت إلیه من بها، فأقام بها و اتفق أن المتولی لأفامیة من جهة الملک رضوان أرسل إلی صاحب مصر و کان یمیل إلی مذهبهم یستدعی منهم من یسلم إلیه الحصن و هو من أمنع الحصون، و طلب ابن ملاعب منهم أن یکون هو المقیم به و قال: إننی أرغب فی قتال الفرنج و أوثر الجهاد، فسلموه و أخذوا رهائنه، فلما ملکه خلع طاعتهم و لم یرع حقهم فأرسلوا إلیه یتهددونه بما یفعلونه بولده الذی عندهم، فأعاد الجواب إننی لا أنزل من مکانی و ابعثوا إلیّ ببعض أعضاء ولدی حتی آکله، فأیسوا من رجوعه إلی الطاعة و أقام بأفامیة یخیف السبیل و یقطع الطریق و اجتمع عنده کثیر من المفسدین، فکثرت أمواله، ثم إن الفرنج ملکوا سرمین و هی من أعمال حلب و أهله غلاة فی التشیع، فلما ملکه الفرنج تفرق أهله فتوجه القاضی الذی به إلی ابن ملاعب و أقام عنده فأکرمه و أحبه و وثق به فأعمل القاضی الحیلة علیه و کتب إلی أبی طاهر المعروف بابن الصائغ و هو من أعیان أصحاب الملک رضوان و وجوه الباطنیة و دعاتهم و وافقهم علی الفتک بابن ملاعب و أن یسلم أفامیة إلی الملک رضوان، فظهر شیء من هذا، فأتی إلی ابن ملاعب أولاده و کانوا قد تسللوا إلیه من مصر و قالوا له: قد بلغنا عن هذا القاضی کذا و کذا و الرأی أن تعاجله و تحتاط لنفسک فإن الأمر قد اشتهر و ظهر، فأحضره ابن ملاعب فأتاه فی کمه مصحف لأنه رأی أمارات الشر فقال له ابن ملاعب ما بلغه عنه، فقال له: أیها الأمیر قد علم کل أحد أنی أتیتک خائفا جائعا فأمنتنی و أغنیتنی و عززتنی فصرت ذا مال و جاه، فإن کان بعض من حسدنی علی منزلتی منک و ما غمرنی من نعمتک سعی بی إلیک فأسألک أن
تأخذ جمیع ما معی و أخرج کما جئت، و حلف له علی الولاء و النصح فقبل عذره و أمنه.
و عاود القاضی مکاتبة أبی طاهر بن الصائغ و أشار علیه أن یوافق رضوانا علی ثلاثمائة رجل من أهل سرمین و ینفذ معهم خیلا من خیول الفرنج و سلاحا من أسلحتهم و رؤوسا من رؤوس الفرنج و یأتون إلی ابن ملاعب و یظهرون أنهم غزاة و یشکون من سوء معاملة الملک رضوان و أصحابه لهم و أنهم فارقوه، فلقیهم طائفة من الفرنج فظفروا بهم و یحملون جمیع ما معهم إلیه فإذا أذن لهم فی المقام اتفقت آراؤهم علی إعمال الحیلة علیه، ففعل ابن الصائغ ذلک و وصل القوم إلی أفامیة و قدموا إلی ابن ملاعب بما معهم من الخیل و غیرها فقبل ذلک منهم و أمرهم بالمقام عنده و أنزلهم فی ربض أفامیة، فلما کان فی بعض اللیالی نام الحراس بالقلعة فقام القاضی و من بالحصن من أهل سرمین و دلوا الحبال و أصعدوا أولئک القادمین جمیعهم و قصدوا أولاد ابن ملاعب و بنی عمه و أصحابه فقتلوهم، و أتی القاضی و جماعة معه إلی ابن ملاعب و هو مع امرأته فأحس بهم فقال: من أنت؟ فقال: ملک الموت جئت لقبض روحک، فناشده اللّه فلم یرجع عنه و جرحه و قتله و قتل أصحابه و هرب ابناه فقتل أحدهما و التحق الآخر بأبی الحسن بن منقذ صاحب شیزر فحفظه لعهد کان بینهما، و لما سمع ابن الصائغ خبر أفامیة سار إلیها و هو لا یشک أنها له، فقال له القاضی:
إن وافقتنی و أقمت معی فبالرحب و السعة و نحن بحکمک و إلا فارجع من حیث جئت، فأیس ابن الصائغ منه و کان أحد أولاد ابن ملاعب بدمشق عند طغتکین غضبان علی أبیه فولاه طغتکین حصنا و ضمن علی نفسه حفظ الطریق فلم یفعل و قطع الطریق و أخذ القوافل، فاستغاثوا إلی طغتکین منه فأرسل إلیه من طلبه فهرب إلی الفرنج و استدعاهم إلی حصن أفامیة و قال: لیس فیه غیر قوت شهر، فأقاموا علیه یحاصرونه فجاء أهله و ملکه الفرنج و قتلوا القاضی المتغلب علیه و أخذوا ابن الصائغ فقتلوه، و کان هو الذی أظهر مذهب الباطنیة بالشام، هکذا ذکر بعضهم أن أبا طاهر ابن الصائغ قتله الإفرنج بأفامیة، و قد قیل إن ابن بدیع رئیس حلب قتله سنة سبع و خمسمائة بعد وفاة رضوان، و قد ذکرناه هناک و اللّه أعلم.
و فی هذه السنة وصل الملک قلج أرسلان بن سلیمان بن قتلمش صاحب بلاد الروم إلی الرها لیحصرها و بها الفرنج فراسله أصحاب جکرمش المقیمون بحران لیسلموها إلیه،
فسار إلیهم و تسلم البلد و فرح الناس به لأجل جهاد الفرنج، فأقام بحران أیاما و مرض مرضا شدیدا أوجب عوده إلی ملطیة فعاد مریضا و بقی أصحابه بحران.سنة 501
قال ابن العدیم: فی هذه السنة عصی خطلع بقلعة عزاز و استقر أن یسلمها إلی طنکرید و یعوضه عنها موضعا غیرها، فسار رضوان إلیها فتسلمها منه.
سنة 502 ذکر إطلاق القمص و مسیره إلی أنطاکیةاشارة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی صفر استولی مودود و العسکر الذی أرسله السلطان محمد علی مدینة الموصل و أخذوها من أصحاب جاولی سقاوو، و قد کان استولی علیها جاولی سنة خمسمایة، و ساق الخبر فی ذلک [ثم قال]: و أما جاولی فإنه لما وصل عسکر السلطان إلی الموصل و حصرها سار عنها و أخذ معه القمص صاحب الرها الذی کان قد أسره سقمان و أخذه منه جکرمش، و قد تقدم ذلک، و سار إلی نصیبین و اجتمع بإیلغازی.
ثم إن إیلغازی هرب من جاولی و سار جاولی إلی الرحبة، و لما وصل إلی ماکسین أطلق القمص الفرنجی الذی کان أسیرا بالموصل و أخذه معه و اسمه بردویل، و کان صاحب الرها و سروج و غیرهما و بقی فی الحبس إلی الآن، و بذل الأموال الکثیرة فلم یطلق، فلما کان الآن أطلقه جاولی و خلع علیه، و کان مقامه فی السجن ما یقارب خمس سنین و قرر علیه أن یفدی نفسه بمال و أن یطلق أسری المسلمین الذین فی سجنه و أن ینصره متی أراد ذلک منه بنفسه و عسکره و ماله، فلما اتفقا علی ذلک سیر القمص إلی قلعة جعبر و سلمه إلی صاحبها سالم بن مالک حتی ورد علیه ابن خالته جوسلین و هو من فرسان الفرنج و شجعانها و هو صاحب تل باشر و غیرها، و کان أسر مع القمص فی تلک الوقعة ففدی نفسه بعشرین ألف دینار، فلما وصل جوسلین إلی قلعة جعبر أقام رهینة عوض القمص و أطلق القمص و سار إلی أنطاکیة و أخذ جاولی جوسلین من قلعة جعبر فأطلقه و أخذ
عوضه أخا زوجته و أخا زوجة القمص و سیره إلی القمص لیقوی به و لیحثه علی إطلاق الأسری و إنفاذ المال و ما ضمنه، فلما وصل جوسلین إلی منبج أغار علیها و نهبها، و کان معه جماعة من أصحاب جاولی فأنکروا علیه ذلک و نسبوه إلی الغدر، فقال: إن هذه المدینة لیست لکم.ذکر ما جری بین هذا القمص و بین صاحب أنطاکیة
قال ابن الأثیر: لما أطلق القمص و سار إلی أنطاکیة أعطاه طنکرید صاحبها ثلاثین ألف دینار و خیلا و سلاحا و ثیابا و غیر ذلک، و کان طنکرید قد أخذ الرها من أصحاب القمص حین أسر، فخاطبه الآن فی ردها علیه فلم یفعل، فخرج من عنده إلی تل باشر، فلما قدم علیه جوسلین و قد أطلقه جاولی سره ذلک و فرح به و سار إلیهما طنکرید صاحب أنطاکیة بعساکره لیحاربها قبل أن یقوی أمرهما و یجمعا عسکرا و یلتحق بهما جاولی و ینجدها فکانوا یقتلون، فإذا فرغوا من القتال اجتمعوا و أکل بعضهم مع بعض و تحادثوا، و أطلق القمص من الأسری المسلمین مائة و ستین أسیرا کلهم من سواد حلب و کساهم و سیرهم، و عاد طنکرید إلی أنطاکیة من غیر فصل حال فی معنی الرها، فسار القمص و جوسلین و أغاروا علی حصون طنکرید صاحب أنطاکیة و التجأ إلی ولایة کواسیل و هو رجل أرمنی و معه خلق کثیر من المرتدین و غیرهم و هو صاحب رعبان و کیسوم و غیرهما من القلاع شمالی حلب، فأنجد القمص بألف فارس من المرتدین و ألفی راجل، فقصدهم طنکرید فتنازعوا فی أمر الرها فتوسط بینهم البطرک الذی لهم و هو عندهم کالإمام الذی للمسلمین لا یخالف أمره، و شهد جماعة من المطارنة و القسیسین أن بیمند خال طنکرید قال له لما أراد رکوب البحر و العودة إلی بلاده أن یعید الرها إلی القمص إذا خلص من الأسر، فأعادها علیه طنکرید تاسع صفر، و عبر القمص الفرات لیسلم إلی أصحاب جاولی المال و الأسری فأطلق فی طریقه خلقا کثیرا من الأسری من حران و غیرهما، و کان بسروج ثلثمائة مسلم ضعفی فعمر أصحاب جاولی مساجدهم، و کان رئیس سروج مسلما قد ارتد فسمعه أصحاب جاولی یقول فی الإسلام قولا شنیعا فضربوه و جری بینهم و بین الفرنج بسببه نزاع، فذکر ذلک للقمص فقال: هذا لا یصلح لنا و لا للمسلمین، فقتله.
ذکر حال الجاولی بعد إطلاق القمص و استیلائه علی بالس
قال ابن الأثیر: لما أطلق جاولی القمص بماکسین سار إلی الرحبة فأتاه أبو النجم بدران و أبو کامل منصور ابنا سیف الدولة صدقة و کانا بعد قتل أبیهما بقلعة جعبر عند سالم ابن مالک، فتعاهدوا علی المساعدة و المعاضدة و وعدهما أن یسیر معهما إلی الحلة و عزموا أن یقدموا علیهم بکتامش بن تتش بن آلب أرسلان، فوصل إلیهم و هم علی هذا العزم الإصبهبذ صباوو و کان قصد السلطان فأقطعة الرحبة، فاجتمع بجاولی و أشار علیه أن یقصد الشام فإن بلاده خالیة من الأجناد و الفرنج قد استولوا علی کثیر منها، و عرفه أنه متی قصد العراق و السلطان بها أو قریبا منها لم یأمن شرا یصل إلیه، فقبل قوله و أصعد عن الرحبة فوصل إلیه رسل سالم بن مالک صاحب قلعة جعبر یستغیث به من بنی نمیر، و کانت الرقة بید ولده علی بن سالم فوثب جوشن النمیری و معه جماعة من نمیر فقتل علیا و ملک الرقة، فبلغ ذلک الملک رضوان فسار من حلب إلی صفین فصادف تسعین رجلا من الفرنج معهم مال من فدیة القمص صاحب الرها قد سیره إلی جاولی فأخذه و أسر عددا منهم، و أتی الرقة فصالحه بنو نمیر علی مال فرحل عنهم إلی حلب فاستنجد سالم بن مالک جاولی و سأله أن یرحل إلی الرقة و یأخذها و وعده بما یحتاج إلیه، فقصد الرقة و حصرها سبعین یوما فضمن له بنو نمیر مالا و خیلا، فأرسل إلی سالم إننی فی أمر أهم من هذا و أنا بإزاء عدو یحب التشاغل به دون غیره، و أنا عازم علی الانحدار إلی العراق فإن تم أمری فالرقة و غیرها لک و لا أشتغل عن هذا المهم بحصار خمسة نفر من بنی نمیر، و وصل إلی جاولی الأمیر حسین بن أتابک قتلغتکین و کان أبوه أتابک السلطان محمد فقتله، و تقدم ولده هذا عند السلطان و اختص به فسیره السلطان مع فخر الملک بن عمار لیصلح الحال مع جاولی و یأمر العساکر بالمسیر مع ابن عمار إلی الجهاد فحضر عند جاولی و أمر بتسلیم البلاد و طیب قلبه عن السلطان و ضمن الجمیل إذا سلم البلاد و أظهر الطاعة و العبودیة، فقال جاولی: أنا مملوک السلطان و فی طاعته، و حمل إلیه مالا و ثیابا لها مقدار جلیل و قال له: سر إلی الموصل، و رحل العسکر عنها فإنی أرسل معک من یسلم ولدی إلیک رهینة و ینفذ السلطان إلیها من یتولی أمرها و جبایة أموالها، ففعل حسین ذلک و سار و معه صاحب
جاولی، فلما وصلا إلی العسکر الذی علی الموصل و کانوا لم یفتحوها بعد فأمرهم حسین بالرحیل فکلهم أجاب إلا الأمیر مودود فإنه قال: لا أرحل إلا بأمر السلطان، و قبض علی صاحب جاولی و أقام علی الموصل حتی فتحها کما ذکرنا، و عاد حسین بن قتلغتکین إلی السلطان فأحسن النیابة عن جاولی عنده، و سار جاولی إلی مدینة بالس فوصلها ثالث عشر صفر فاحتمی أهلها منه و هرب من بها من أصحاب الملک رضوان صاحب حلب فحصرها خمسة أیام و ملکها بعد أن نقب برجا من أبراجها فوقع علی النقابین فقتل منهم جماعة و ملک البلد و صلب جماعة من أعیانه عند النقب، و أحضر القاضی محمد بن عبد العزیز بن إلیاس فقتله و کان فقیها صالحا، و نهب البلد و أخذ منه مالا کثیرا.ذکر الحرب بین جاولی و بین طنکرید الفرنجی صاحب أنطاکیة
قال ابن الأثیر: و فی هذه السنة فی صفر کان المصاف بین جاولی سقاوو و بین طنکرید صاحب أنطاکیة، و سبب ذلک أن الملک رضوان کتب إلی طنکرید صاحب أنطاکیة یعرفه ما علیه جاولی من الغدر و المکر و الخداع و یحذره منه و یعلمه أنه علی قصد حلب و أنه إن ملکها لا یبقی للفرنج معه بالشام مقام، و طلب منه النصرة و الاتفاق علی منعه، فأجابه طنکرید إلی منعه، و برز من أنطاکیة فأرسل إلیه رضوان ستمائة فارس. فلما سمع جاولی الخبر أرسل إلی القمص صاحب الرها یستدعیه إلی مساعدته و أطلق له ما بقی علیه من مال المفاداة، فسار إلی جاولی فلحق به و هو علی منبج فوصل الخبر إلیه و هو علی هذه الحال بأن الموصل قد استولی علیها عسکر السلطان و ملکوا خزائنه و أمواله، فاشتد ذلک علیه و فارقه کثیر من أصحابه منهم أتابک زنکی بن آقسنقر و بکتاش النهاوندی، و بقی جاولی فی ألف فارس و انضم إلیه خلق من المطوعة، فننزل بتل باشر و قاربهم طنکرید و هو فی ألف و خمسمائة فارس من الفرنج و ستمائة من أصحاب الملک رضوان سوی الرجالة، فجعل جاولی فی میمنة الأمیر أقسیان و الأمیر ألتونتاش الأبری و غیرهما، و فی المیسرة الأمیر بدران بن صدقة و الإصبهبذ صباوو و سنقر دراز، و فی القلب القمص بغدوین و جوسلین الفرنجیین، و وقعت الحرب فحمل أصحاب أنطاکیة علی القمص صاحب الرها و اشتد القتال، فأزاح طنکرید القلب عن موضعه و حملت میسرة جاولی علی رجالة صاحب