بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 374


برسق فی نحو مائة فارس فرأی الحال فصعد تلا هناک و معه أخوه زنکی و أحاط بهم السوقیة و الغلمان و اجتمعوا بهم و منعوا الأمیر برسق من النزول، فأشار علیه أخوه زنکی و من معه بالنزول و النجاة بنفسه، فقال: لا أفعل بل أقتل فی سبیل اللّه و أکون فداء المسلمین، فغلبوه علی رأیه فنجا هو و من معه، فتبعهم الفرنج نحو فرسخ ثم عادوا و تمموا الغنیمة و القتل و أحرقوا کثیرا من الناس، و تفرق العسکر و أخذ کل واحد جهة، و لما سمع الموکلون بالأسری المأخوذین من کفر طاب ذلک قتلوهم و کذلک فعل الموکل بإیاز بن إیلغازی قتله أیضا، و خاف أهل حلب و غیرها من بلاد المسلمین التی بالشام فإنهم کانوا یرجون النصر من جهة هذا العسکر فأتاهم ما لم یکن فی الحساب، و عادت العساکر عنهم إلی بلادها، و أما برسق و أخوه زنکی فإنهما توفیا سنة عشر و خمسمائة، و کان برسق خیرا دینا و قد ندم علی الهزیمة و هو یتجهز للعود إلی الغزاة فأتاه أجله اه.سنة 510 و 511 ذکر قتل لؤلؤ الخادم و استیلاء إیلغازی بن أرتق علی حلب و تولیة ابنه حسام الدین تمرتاش‌اشارة

قال ابن العدیم: أما لؤلؤ الخادم فإنه صار بعد ملازمة القلعة ینزل منها فی الأحیان و یرکب، فاتفق أنه خرج فی سنة عشر و خمسمائة بعسکر حلب و الکتاب إلی بالس و هو فی صورة متصید، فلما وصل إلی تحت قلعة نادر قتله الجند، و اختلف فی خروجه فقیل إنه کان حمل مالا إلی قلعة دوسر و أودعه عند ابن مالک فیها و أراد ارتجاعه منه و العود إلی حلب، و کان السلطان قد أقطع حلب و الرحبة آقسنقر البرسقی فواطأ جماعة من أصحابه علی قتل لؤلؤ و أمل أنهم إذا قتلوه یصح له إقطاع حلب، فقتلوه و سار بعضهم إلی الرحبة فأعلموه فأسرع آقسنقر البرسقی المسیر إلی حلب من الرحبة و انضاف بعض عسکره إلی بقیة القوم الذین قتلوه و طمعوا فی أخذ حلب لأنفسهم و ساروا إلیها، فسبقهم یاروقتاش الخادم أحد خدم الملک رضوان و دخل حلب. و قیل إن لؤلؤ کان قد خاف فأخذ أمواله و خرج طالبا بلاد الشرق للنجاة بالأموال، فلما وصل إلی قلعة نادر قال سنقر الجکرمش: تترکونه یقتل تاج الدولة و یأخذ الأموال و یمضی، وصاح بالترکیة: الأرنب الأرنب فضربوه بالسهام فقتلوه،


صفحه 375


و لما خرج عن حلب أقامت القلعة فی ید آمنة خاتون بنت رضوان یومین إلی أن وصل یاروقتاش الخادم مبادرا فدخل حلب و نزل بالقصر و أخرج بعض عسکر حلب و أوقع بالذین قتلوا لؤلؤ و ارتجع ما کان أخذوه من عسکر حلب، و انهزم بعض من کان فی النوبة فالتقوا آقسنقر فی بالس فی أول محرم سنة إحدی عشرة و خمسمائة، و لم یتسهل للبرسقی ما أمل و راسل أهل حلب و من بها فی التسلیم إلیه فلم یجیبوه إلی ذلک، و کاتب یاروقتاش الخادم نجم الدین إیلغازی بن أرتق لیصل من ماردین و یدفع آقسنقر و کاتب روجار صاحب أنطاکیة أیضا، فوصل إلی بلد حلب و أخذ ما قدر علیه من أعمال الشرقیة، فحینئذ أیس البرسقی من حلب و انصرف من أرض بالس إلی حمص فأکرمه خیر خان صاحبها و سار معه إلی طغتکین إلی دمشق فأکرمه و وعده بإنجاده علی حلب.
و هادن یاروقتاش صاحب أنطاکیة روجار و حمل إلیه مالا و سلم إلیه حصن القبة و رتب مسیر القوافل من حلب إلی القبلة علیه و أن یؤخذ المکس منهم له. ثم إن یاروقتاش طلع إلی قلعة حلب و عزم علی أن یعمل حیلة یوقعها بالمتقدمین و یملکها مثل لؤلؤ، فقبض علیه مقدمو القلعة بأمر بنات رضوان بعد تمام شهر من ولایته و أخرجوه من حلب و ولوا فی القلعة خادما من خدم رضوان، و ردّ أمر سلطان شاه و تقدمة العسکر و تدبیر الأمر إلی عارض الجیش العمید أبی المعالی المحسن بن الملحی، فدبر الأمور و ساسها، و ضعفت حلب و قل ارتفاعها و خربت أعمالها، و وصل إیلغازی بن أرتق إلی حلب فأنزلوه فی قلعة الشریف و منعوه من القلعة الکبیرة، و استولی علی تدبیر الأمور و تربیة سلطان شاه فی سنة إحدی عشرة و خمسمائة و سلموا إلیه بالس و القلعة، و قبض أبا المعالی بن الملحی و قصر ارتفاع حلب عما یحتاج إلیه إیلغازی و الترکمان الذین معه و لم ینتظم حال و استوحش من أهل حلب و جندها، فخرج عنها إلی ماردین و بقیت بالس و القلعة فی یده، و خرج ابن الملحی من الاعتقال و أعید إلی تدبیر الأمور و أفسد الجند الذین ببالس فی أعمال حلب، فاستدعوا الفرنج، و خرج بعض عسکر حلب و معهم قطعة من الفرنج و حصروها فوصل إیلغازی و جمع من الترکمان إلیها فعاد عسکر حلب و الفرنج عن بالس و باعها لابن مالک و عاد إلی ماردین و بقی تمرتاش ولده رهینة فی حلب.


صفحه 376


و وصل فی هذه السنة أتابک طغتکین و أقسنقر البرسقی إلی حلب و راسلوا أهلها فی تسلیمها، فامتنعوا من إجابته و قالوا: ما نرید أحدا من الشرق، و أنفذوا و استدعوا الفرنج من أنطاکیة لدفعه عنهم، فعاد آقسنقر من الرحبة و أتابک إلی دمشق، و اشتد الغلاء بأنطاکیة و حلب لأن الزرع غرق و لحقه هواء عند إدراکه أتلفه، و هرب الفلاحون للخوف، و استدعی أهل حلب ابن قراجا من حمص فرتب الأمور بها و حصنها و سار إلی حلب و نزل فی القصر خوفا من إیلغازی لما کان بینهما، و خرج أتابک إلی حمص و نهب أعمالها و شعثها و أقام علیها مدة و عاد إلی دمشق لحرکة الفرنج، و خرجت قافلة من دمشق إلی حلب فیها تجار غیرها و حملوا ذخائرهم و أموالهم لما قد أشرف علیه أهل حلب، فلما وصلوا إلی القبة نزل الفرنج إلیهم و أخذوا منهم المکس ثم عادوا و قبضوهم و ما معهم بأسرهم و رفعوهم إلی القبة و حملوا الرجال و النساء بعد ذلک إلی أفامیة و معرة النعمان و حبسوهم لیقرروا علیهم مالا، فراسلهم أبو المعالی بن الملحی و رغبهم فی البقاء علی الهدنة و أن لا ینقضوا العهد و حمل إلی صاحب أنطاکیة مالا و هدیة فرد علیهم الأحمال و الأثقال و غیر ذلک و لم یعدم منه شی‌ء، و قوی طمع الفرنج فی حلب لعدم النجدة و ضعفها و غدروا و نقضوا الهدنة و أغاروا علی بلد حلب و أخذوا مالا لا یحصیه إلا اللّه، فراسل أهل حلب أتابک طغتکین فوعدهم بالإنجاد فکسره جوسلین و عساکر الفرنج، و راسلوا صاحب الموصل و کان أمره مضطربا بعد عوده من بغداد، و نزل الفرنج بعد عودهم من کسرة أتابک علی عزاز و ضایقوها و أشرفت علی الأخذ، و انقطعت قلوب أهل حلب ولم یکن بقی لحلب معونة إلا من عزاز و بلدها و بقیة بلد حلب فی أیدی الفرنج و الشرقی خراب مجدب و القوت فی حلب قلیل جدا و مکوک الحنطة بدینار و کان إذ ذاک لا یبلغ نصف مکوک بمکوک حلب الآن و ما سوی ذلک مناسب له، ویئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد الملوک، فاتفق رأیهم علی أن یسیروا الأعیان و المقدمین إلی إیلغازی بن أرتق و یستدعوه لیدفع الفرنج عنهم و ظنوا أنه یصل فی عسکر یفرج به عنهم و ضمنوا له مالا یقسطونه علی حلب یصرفه إلی العساکر، فوصل فی جند یسیر و المدبر لحلب جماعة من الخدم و القاضی أبو الفضل بن الخشاب هو المرجوع إلیه فی حفظ المدینة و النظر فی مصالحها، فامتنع علیه البلد و اختلف الآراء فی دخوله، فعاد فلحقه القاضی أبو الفضل بن الخشاب و جماعة من المقدمین و تلطفوا به، و لم یزالوا به حتی رجع و وصل إلی حلب و دخلها و تسلم القلعة و أخرج منها سائر الجند و أصحاب


صفحه 377


رضوان و أنزل سلطان شاه بن رضوان و بنات رضوان فی دار من دور حلب و قبض علی جماعة ممن کان یتعلق بالخدم و یخدمهم و أخذ منهم ما کان صار إلیهم من مال رضوان و مال الخدم الذین استولوا علی حلب بعده، و راسل الفرنج فی مال یحمله عن عزاز لیرحلوا عنها فلم یلتفتوا لقوة أطماعهم فی أمر الإسلام، و کان إیلغازی یعجز بحلب عن قوت الدواب و حلب علی حد التلف، فلما عرف من بعزاز ذلک و یئسوا من دفع الفرنج سلموها إلی الفرنج و راسلهم من بحلب فی صلح یستأنفونه معهم فأجابوا إلی ذلک لطفا من اللّه بهم علی أن یسلموا إلی الفرنج هراق و یؤدون القطیعة المستقرة علی حلب عن أربعة أشهر و هی ألف دینار و یکون لهم من حلب شمالا و غربا، و زرعوا أعمال عزاز و قوّوا فلاحهم و عادوا إلی أنطاکیة و صار یدخل إلی حلب ما یتبلغون به من القوت. و سار إیلغازی إلی الشرق لیجمع العساکر و یعود بها إلی حلب فسار إلیه أتابک طغتکین و التقاه بقلعة دوسر و وافقه علی ذلک، و سارت الرسل إلی ملوک الشرق و الترکمان یستنجدونهم، و کان ابن بدیع رئیس حلب عند ابن مالک بقلعة دوسر، فنزل إلی إیلغازی لیطلب منه العود إلی حلب، فلما صار عند الزورق لیقطع الماء إلی العسکر وثب علیه اثنان من الباطنیة فضرباه عدة سکاکین و وقع ولداه علیهما فقتلاهما و قتل ابن بدیع و أخذ ولدیه و جرح الآخر و حمل إلی القلعة فوثب آخر من الباطنیة و قتله و حمل الباطنی لیقتل فرمی بنفسه فی الماء و غرق.تتمة لهذه الحوادث:

قال ابن الأثیر فی حوادث سنة 511: فی هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم و کان قد استولی علی قلعة حلب و أعمالها بعد وفاة الملک رضوان و ولی أتابکیته ولده آلب أرسلان، فلما مات أقام بعده فی الملک سلطانشاه بن رضوان و حکم فی دولته أکثر من حکمه فی دولة أخیه، فلما کان هذه السنة سار منها إلی قلعة جعبر لیجتمع بالأمیر سالم بن مالک صاحبها، فلما کان عند قلعة نادر نزل یریق الماء فقصده جماعة من أصحابه الأتراک و صاحوا أرنب أرنب و أوهموا أنهم یتصیدون، و رموه بالنشاب فقتل، فلما هلک نهبوا خزائنه فخرج إلیهم أهل حلب فاستعادوا ما أخذوه و ولی أتابکیته سلطانشاه بن رضوان شمس الخواص یاروقتاش فبقی شهرا و عزلوه و ولی بعده أبو المعالی بن المفلحی الدمشقی، ثم عزلوه


صفحه 378


و صادروه. و قیل کان سبب قتل لؤلؤ أنه أراد قتل سلطانشاه کما قتل أخاه آلب أرسلان قبله ففطن به أصحاب سلطانشاه فقتلوه.
ثم إن أهل حلب خافوا من الفرنج فسلموا البلد إلی نجم الدین إیلغازی، فلما تسلمه لم یجد فیه مالا و لا ذخیرة لأن الخادم کان قد فرق الجمیع، و کان الملک رضوان قد جمع فأکثر فرزقه اللّه غیر أولاده، فلما رأی إیلغازی خلو البلد من الأموال صادر جماعة من الخدم بمال صانع به الفرنج و هادنهم مدة یسیرة تکون بمقدار مسیره إلی ماردین، و جمع العساکر و العود، فلما تمت الهدنة سار إلی ماردین علی هذا العزم و استخلف بحلب ابنه حسام الدین تمرتاش اه، و به انقرض ملک بنی رضوان السلجوقیین من حلب.
و فی المختار من الکواکب المضیة أن إیلغازی بن أرتق لما غلب علی ملک حلب و تسلم قلعتها أنزل سلطانشاه و إبراهیم و بنات رضوان من القلعة فی دار من دور حلب، ثم إنه أخرجهم جمیعا من حلب و ذلک فی سنة خمس عشرة و خمسمائة إلی قلعة ابن مالک ثم انتقلوا إلی حران.
و فی هذه السنة توفی السلطان محمد بن ملکشاه بن آلب أرسلان و جلس علی تخت السلطنة بعده ابنه السلطان محمود.سنة 512 استنجاد إیلغازی بملوک بغداد

قال ابن الأثیر: فی هذه السنة وصل رسول إیلغازی بن أرتق صاحب جلب و ماردین إلی بغداد یستنفر علی الفرنج و یذکر ما فعلوا بالمسلمین فی الدیار الجزیریة و أنهم ملکوا قلعة عند الرها و قتلوا أمیرها ابن عطیر، فسیرت الکتب بذلک إلی السلطان محمود.

سنة 513 ذکر غزاة إیلغازی بن أرتق بلاد الفرنج و تولیة ولده سلیمان علی حلب‌اشارة

قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار الفرنج من بلادهم إلی نواحی حلب فملکوا بزاعة و غیرها و أخربوا بلد حلب و نازلوها، و لم یکن بحلب من الذخائر ما یکفیها شهرا


صفحه 379


واحدا، و خافهم أهلها خوفا شدیدا ولو مکنوا من القتال لم یبق بها أحد، لکنهم منعوا من ذلک و صانع الفرنج أهل حلب علی أن یقاسموهم علی أملاکهم التی بباب حلب، فأرسل أهل البلد إلی بغداد یستغیثون و یطلبون النجدة فلم یغاثوا، و کان الأمیر إیلغازی صاحب بلد ماردین یجمع العساکر و المتطوعة للغزاة فاجتمع علیه نحو عشرین ألفا، و کان معه أسامة بن المبارک بن شبل الکلابی و الأمیر طغان أرسلان بن المکر صاحب بدلیس و أرزن و سار بهم إلی الشام عازما علی قتال الفرنج، فلما علم الفرنج قوة عزمهم علی لقائهم و کانوا ثلاثة آلاف فارس و تسعة آلاف راجل ساروا فنزلوا قریبا من الأثارب بموضع یقال له تل عفرین بین جبال لیس لها طریق إلا من ثلاث جهات، و فی هذه الموضع قتل شرف الدولة مسلم بن قریش، و ظن الفرنج أن أحدا لا یسلک إلیهم لضیق الطریق فأخلدوا إلی المطاولة، و کانت عادة لهم إذا رأوا قوة من المسلمین. و راسلوا إیلغازی یقولون له لا تتعب نفسک بالمسیر إلینا فنحن واصلون إلیک، فأعلم أصحابه بما قالوه و استشارهم فیم یفعل فأشاروا بالرکوب من وقته و قصدهم، ففعل ذلک و سار إلیهم و دخل الناس من الطرق الثلاثة و لم تعتقد الفرنج أن أحدا یقدم علیهم لصعوبة المسلک، فلم یشعروا إلا و أوائل المسلمین قد غشیهم، فحمل الفرنج حملة منکرة فولوا منهزمین فلقوا باقی العسکر متتابعة، فعادوا معهم و جری بینهم حرب شدیدة و أحاطوا بالفرنج من جمیع جهاتهم، و أخذهم السیف من سائر نواحیهم فلم یفلت منهم غیر نفر یسیر، و قتل الجمیع و أسروا، و کان فی جملة الأسری نیف و سبعون فارسا من مقدمیهم، و حملوا إلی حلب فبذلوا فی نفوسهم ثلاثمائة ألف دینار فلم یقبل منهم، و غنم المسلمون منهم الغنائم الکثیرة و أما (سیرجال) صاحب أنطاکیة فإنه قتل و حمل رأسه. و کانت الوقعة منتصف شهر ربیع الأول، فمما مدح به إیلغازی فی هذه الوقعة قول العظیمی:
قل ما تشاء فقولک المقبول‌و علیک بعد الخالق التعویل
و استبشر القرآن حین نصرته‌و بکی لفقد رجاله الإنجیل
ثم تجمع من سلم من المعرکة مع غیرهم فلقیهم إیلغازی أیضا فهزمهم و فتح منهم


صفحه 380


حصن الأثارب و زردنا و عاد إلی حلب و قرر أمرها و أصلح حالها، ثم عبر الفرات إلی ماردینتتمة حوادث سنة 513 زیادة بیان لهذه الحوادث:

قال ابن العدیم توجه إیلغازی إلی ماردین و معه أتابک و راسلا من بعد و قرب من عساکر المسلمین و الترکمان فجمعا عسکرا عظیما و توجه إیلغازی فی عسکر یزید عن أربعین ألفا فی سنة ثلاث عشرة و خمسمائة و قطع الفرات من عبر بدایا و سبخة و امتدت عساکره فی أرض تل باشر و تل خالد و ما یقاربهما یقتل و ینهب و یأسر و غنموا کل ما قدروا علیه، و وصل من رسل حلب من یستحثه علی الوصول لتواصل غارات الفرنج من جهة الأثارب علی حلب و إیاس أهلها من أنفسهم، فسار إلی مرج دابق ثم إلی المسلمیة ثم قنسرین فی أواخر صفر من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، و سارت سرایاهم فی أعمال الفرنج و الروج یقتلون و یأسرون، و أخذوا حصن قسطون فی الروج، و جمع سرجال صاحب أنطاکیة الفرنج و الأرمن و غیرهم و خرج إلی جسر الحدید، ثم رحلوا و نزلوا بالبلاط بین جبلین مما یلی درب سرمدا شمالی الأثارب، و ذلک فی یوم الجمعة التاسع من شهر ربیع الأول، و ضجر الأمراء من طول المقام و إیلغازی ینتظر أتابک طغتکین لیصل إلیه و یتفقا علی ما یفعلانه، فاجتمعوا و حثوا إیلغازی علی مناجزة العدو، فجدد إیلغازی الأیمان علی الأمراء و المقدمین أن یناصحوا فی حربهم و یصابروا فی قتال العدو و أنهم لا یتکلون و یبذلون مهجهم فی الجهاد، فحلفوا علی ذلک بنفس طیبة، و سار المسلمون جراید و خلفوا الخیام بقنسرین و ذلک فی یوم الجمعة السادس عشر من شهر ربیع الأول فباتوا قریبا من الفرنج و قد شرعوا فی عمارة حصن مطل علی تل عقبرین، و الفرنج یتوهمون أن المسلمین ینازلون الأثارب أو زردنا، فما شعروا عند الصبح إلا و رایات المسلمین قد أقبلت و أحاطوا بهم من کل جانب، و أقبل القاضی أبو الفضل بن الخشاب یحرض الناس علی القتال و هو راکب علی حجر و بیده رمح، فرآه


صفحه 381


بعض العساکر فازدراه و قال: إنما جئنا من بلادنا تبعا لهذا المعمم، فأقبل علی الناس و خطبهم خطبة بلیغة استنهض فیها عزائمهم و استرهق هممهم بین الصفین فأبکی الناس و عظم فی أعینهم، و دار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم و نزل فی خیامهم و قتل من فیها و نهبها، و ألقی اللّه النصر علی المسلمین، و صار من انهزم من الفرنج و قصد الخیام قتل، و حمل الترک بأسرهم حملة واحدة من جمیع الجهات صدقوهم فیها و کانت السهام کالجراد، و لکثرة ما وقع فی الخیل و السواد من السهام عادت منهزمة و غلبت فرسانها و طحنت الرجالة و الأتباع و الغلمان بالسهام و أخذوهم بأسرهم أسری، و قتل سرجال فی الحرب و فقد من المسلمین عشرون نفرا منهم سلیمان بن مبارک بن شبل، و سلم من الفرنج مقدار عشرین نفرا لا غیر و انهزم جماعة من أعیانهم، و قتل فی المعرکة ما یقارب خمسة عشر ألفا من الفرنج، و کانت الوقعة یوم السبت وقت الظهر، فوصل البشیر إلی حلب بالنصر و المصاف قائم و الناس یصلون صلاة الظهر بجامع حلب سمعوا صیحة عظیمة بذلک من نحو الغرب و لم یصل أحد من العسکر إلا نحو صلاة العصر.
و أحرق أهل القری القتلی من الفرنج فوجد فی رماد فارس واحد و أربعون نصل نشاب، و نزل إیلغازی فی خیمة سرجال و حمل إلیه المسلمون ما غنموه فلم یأخذ منهم إلا سلاحا یهدیها لملوک الإسلام، ورد علیهم ما حملوه بأسره، و لما حضر الأسری بین یدی إیلغازی کان فیهم رجل عظیم الخلقة مشتهرا بالقوة و أسره رجل ضعیف قلیل السلاح، فلما حضر بین یدی إیلغازی قال له الترکمان: أما تستحی یأسرک مثل هذا الضعیف و علیک مثل هذا الحدید، فقال: و اللّه ما أخذنی هذا و لا هو مولای إنما أخذنی رجل عظیم أعظم منی و أقوی و سلمنی إلی هذا، و کان علیه ثوب أخضر و تحته فرس أخضر، و تفرقت عساکر المسلمین فی بلاد أنطاکیة و السویدیة و غیرهما یقتلون و یأسرون و ینهبون، و کانت البلاد مطمئنة لم یبلغهم خبر هذه الوقعة، فأخذ المسلمون من السبی و الغنائم و الدواب ما یفوت الإحصاء و لم یبق أحد من الترک إلا امتلأ صدره و یداه بالغنائم و السبی، و لقی بعض السرایا بغدوین الروسر و ابن صنجیل فی خیلهما بالقرب من جبلة و قد توجها لنصر سرجال صاحب أنطاکیة فأوقع بهم الترک و قتلوا جماعة و غنموا ما قدروا علیه و انهزم بغدوین و ابن صنجیل و تعلقوا بالحبال، و رحل إیلغازی إلی أرتاح و بادر بغدوین فدخل أنطاکیة و سلمت إلیه أخته