رضوان و أنزل سلطان شاه بن رضوان و بنات رضوان فی دار من دور حلب و قبض علی جماعة ممن کان یتعلق بالخدم و یخدمهم و أخذ منهم ما کان صار إلیهم من مال رضوان و مال الخدم الذین استولوا علی حلب بعده، و راسل الفرنج فی مال یحمله عن عزاز لیرحلوا عنها فلم یلتفتوا لقوة أطماعهم فی أمر الإسلام، و کان إیلغازی یعجز بحلب عن قوت الدواب و حلب علی حد التلف، فلما عرف من بعزاز ذلک و یئسوا من دفع الفرنج سلموها إلی الفرنج و راسلهم من بحلب فی صلح یستأنفونه معهم فأجابوا إلی ذلک لطفا من اللّه بهم علی أن یسلموا إلی الفرنج هراق و یؤدون القطیعة المستقرة علی حلب عن أربعة أشهر و هی ألف دینار و یکون لهم من حلب شمالا و غربا، و زرعوا أعمال عزاز و قوّوا فلاحهم و عادوا إلی أنطاکیة و صار یدخل إلی حلب ما یتبلغون به من القوت. و سار إیلغازی إلی الشرق لیجمع العساکر و یعود بها إلی حلب فسار إلیه أتابک طغتکین و التقاه بقلعة دوسر و وافقه علی ذلک، و سارت الرسل إلی ملوک الشرق و الترکمان یستنجدونهم، و کان ابن بدیع رئیس حلب عند ابن مالک بقلعة دوسر، فنزل إلی إیلغازی لیطلب منه العود إلی حلب، فلما صار عند الزورق لیقطع الماء إلی العسکر وثب علیه اثنان من الباطنیة فضرباه عدة سکاکین و وقع ولداه علیهما فقتلاهما و قتل ابن بدیع و أخذ ولدیه و جرح الآخر و حمل إلی القلعة فوثب آخر من الباطنیة و قتله و حمل الباطنی لیقتل فرمی بنفسه فی الماء و غرق.تتمة لهذه الحوادث:
قال ابن الأثیر فی حوادث سنة 511: فی هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم و کان قد استولی علی قلعة حلب و أعمالها بعد وفاة الملک رضوان و ولی أتابکیته ولده آلب أرسلان، فلما مات أقام بعده فی الملک سلطانشاه بن رضوان و حکم فی دولته أکثر من حکمه فی دولة أخیه، فلما کان هذه السنة سار منها إلی قلعة جعبر لیجتمع بالأمیر سالم بن مالک صاحبها، فلما کان عند قلعة نادر نزل یریق الماء فقصده جماعة من أصحابه الأتراک و صاحوا أرنب أرنب و أوهموا أنهم یتصیدون، و رموه بالنشاب فقتل، فلما هلک نهبوا خزائنه فخرج إلیهم أهل حلب فاستعادوا ما أخذوه و ولی أتابکیته سلطانشاه بن رضوان شمس الخواص یاروقتاش فبقی شهرا و عزلوه و ولی بعده أبو المعالی بن المفلحی الدمشقی، ثم عزلوه
و صادروه. و قیل کان سبب قتل لؤلؤ أنه أراد قتل سلطانشاه کما قتل أخاه آلب أرسلان قبله ففطن به أصحاب سلطانشاه فقتلوه.
ثم إن أهل حلب خافوا من الفرنج فسلموا البلد إلی نجم الدین إیلغازی، فلما تسلمه لم یجد فیه مالا و لا ذخیرة لأن الخادم کان قد فرق الجمیع، و کان الملک رضوان قد جمع فأکثر فرزقه اللّه غیر أولاده، فلما رأی إیلغازی خلو البلد من الأموال صادر جماعة من الخدم بمال صانع به الفرنج و هادنهم مدة یسیرة تکون بمقدار مسیره إلی ماردین، و جمع العساکر و العود، فلما تمت الهدنة سار إلی ماردین علی هذا العزم و استخلف بحلب ابنه حسام الدین تمرتاش اه، و به انقرض ملک بنی رضوان السلجوقیین من حلب.
و فی المختار من الکواکب المضیة أن إیلغازی بن أرتق لما غلب علی ملک حلب و تسلم قلعتها أنزل سلطانشاه و إبراهیم و بنات رضوان من القلعة فی دار من دور حلب، ثم إنه أخرجهم جمیعا من حلب و ذلک فی سنة خمس عشرة و خمسمائة إلی قلعة ابن مالک ثم انتقلوا إلی حران.
و فی هذه السنة توفی السلطان محمد بن ملکشاه بن آلب أرسلان و جلس علی تخت السلطنة بعده ابنه السلطان محمود.سنة 512 استنجاد إیلغازی بملوک بغداد
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة وصل رسول إیلغازی بن أرتق صاحب جلب و ماردین إلی بغداد یستنفر علی الفرنج و یذکر ما فعلوا بالمسلمین فی الدیار الجزیریة و أنهم ملکوا قلعة عند الرها و قتلوا أمیرها ابن عطیر، فسیرت الکتب بذلک إلی السلطان محمود.
سنة 513 ذکر غزاة إیلغازی بن أرتق بلاد الفرنج و تولیة ولده سلیمان علی حلباشارة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار الفرنج من بلادهم إلی نواحی حلب فملکوا بزاعة و غیرها و أخربوا بلد حلب و نازلوها، و لم یکن بحلب من الذخائر ما یکفیها شهرا
واحدا، و خافهم أهلها خوفا شدیدا ولو مکنوا من القتال لم یبق بها أحد، لکنهم منعوا من ذلک و صانع الفرنج أهل حلب علی أن یقاسموهم علی أملاکهم التی بباب حلب، فأرسل أهل البلد إلی بغداد یستغیثون و یطلبون النجدة فلم یغاثوا، و کان الأمیر إیلغازی صاحب بلد ماردین یجمع العساکر و المتطوعة للغزاة فاجتمع علیه نحو عشرین ألفا، و کان معه أسامة بن المبارک بن شبل الکلابی و الأمیر طغان أرسلان بن المکر صاحب بدلیس و أرزن و سار بهم إلی الشام عازما علی قتال الفرنج، فلما علم الفرنج قوة عزمهم علی لقائهم و کانوا ثلاثة آلاف فارس و تسعة آلاف راجل ساروا فنزلوا قریبا من الأثارب بموضع یقال له تل عفرین بین جبال لیس لها طریق إلا من ثلاث جهات، و فی هذه الموضع قتل شرف الدولة مسلم بن قریش، و ظن الفرنج أن أحدا لا یسلک إلیهم لضیق الطریق فأخلدوا إلی المطاولة، و کانت عادة لهم إذا رأوا قوة من المسلمین. و راسلوا إیلغازی یقولون له لا تتعب نفسک بالمسیر إلینا فنحن واصلون إلیک، فأعلم أصحابه بما قالوه و استشارهم فیم یفعل فأشاروا بالرکوب من وقته و قصدهم، ففعل ذلک و سار إلیهم و دخل الناس من الطرق الثلاثة و لم تعتقد الفرنج أن أحدا یقدم علیهم لصعوبة المسلک، فلم یشعروا إلا و أوائل المسلمین قد غشیهم، فحمل الفرنج حملة منکرة فولوا منهزمین فلقوا باقی العسکر متتابعة، فعادوا معهم و جری بینهم حرب شدیدة و أحاطوا بالفرنج من جمیع جهاتهم، و أخذهم السیف من سائر نواحیهم فلم یفلت منهم غیر نفر یسیر، و قتل الجمیع و أسروا، و کان فی جملة الأسری نیف و سبعون فارسا من مقدمیهم، و حملوا إلی حلب فبذلوا فی نفوسهم ثلاثمائة ألف دینار فلم یقبل منهم، و غنم المسلمون منهم الغنائم الکثیرة و أما (سیرجال) صاحب أنطاکیة فإنه قتل و حمل رأسه. و کانت الوقعة منتصف شهر ربیع الأول، فمما مدح به إیلغازی فی هذه الوقعة قول العظیمی:
قل ما تشاء فقولک المقبولو علیک بعد الخالق التعویل
و استبشر القرآن حین نصرتهو بکی لفقد رجاله الإنجیل
ثم تجمع من سلم من المعرکة مع غیرهم فلقیهم إیلغازی أیضا فهزمهم و فتح منهم
حصن الأثارب و زردنا و عاد إلی حلب و قرر أمرها و أصلح حالها، ثم عبر الفرات إلی ماردینتتمة حوادث سنة 513 زیادة بیان لهذه الحوادث:
قال ابن العدیم توجه إیلغازی إلی ماردین و معه أتابک و راسلا من بعد و قرب من عساکر المسلمین و الترکمان فجمعا عسکرا عظیما و توجه إیلغازی فی عسکر یزید عن أربعین ألفا فی سنة ثلاث عشرة و خمسمائة و قطع الفرات من عبر بدایا و سبخة و امتدت عساکره فی أرض تل باشر و تل خالد و ما یقاربهما یقتل و ینهب و یأسر و غنموا کل ما قدروا علیه، و وصل من رسل حلب من یستحثه علی الوصول لتواصل غارات الفرنج من جهة الأثارب علی حلب و إیاس أهلها من أنفسهم، فسار إلی مرج دابق ثم إلی المسلمیة ثم قنسرین فی أواخر صفر من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، و سارت سرایاهم فی أعمال الفرنج و الروج یقتلون و یأسرون، و أخذوا حصن قسطون فی الروج، و جمع سرجال صاحب أنطاکیة الفرنج و الأرمن و غیرهم و خرج إلی جسر الحدید، ثم رحلوا و نزلوا بالبلاط بین جبلین مما یلی درب سرمدا شمالی الأثارب، و ذلک فی یوم الجمعة التاسع من شهر ربیع الأول، و ضجر الأمراء من طول المقام و إیلغازی ینتظر أتابک طغتکین لیصل إلیه و یتفقا علی ما یفعلانه، فاجتمعوا و حثوا إیلغازی علی مناجزة العدو، فجدد إیلغازی الأیمان علی الأمراء و المقدمین أن یناصحوا فی حربهم و یصابروا فی قتال العدو و أنهم لا یتکلون و یبذلون مهجهم فی الجهاد، فحلفوا علی ذلک بنفس طیبة، و سار المسلمون جراید و خلفوا الخیام بقنسرین و ذلک فی یوم الجمعة السادس عشر من شهر ربیع الأول فباتوا قریبا من الفرنج و قد شرعوا فی عمارة حصن مطل علی تل عقبرین، و الفرنج یتوهمون أن المسلمین ینازلون الأثارب أو زردنا، فما شعروا عند الصبح إلا و رایات المسلمین قد أقبلت و أحاطوا بهم من کل جانب، و أقبل القاضی أبو الفضل بن الخشاب یحرض الناس علی القتال و هو راکب علی حجر و بیده رمح، فرآه
بعض العساکر فازدراه و قال: إنما جئنا من بلادنا تبعا لهذا المعمم، فأقبل علی الناس و خطبهم خطبة بلیغة استنهض فیها عزائمهم و استرهق هممهم بین الصفین فأبکی الناس و عظم فی أعینهم، و دار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم و نزل فی خیامهم و قتل من فیها و نهبها، و ألقی اللّه النصر علی المسلمین، و صار من انهزم من الفرنج و قصد الخیام قتل، و حمل الترک بأسرهم حملة واحدة من جمیع الجهات صدقوهم فیها و کانت السهام کالجراد، و لکثرة ما وقع فی الخیل و السواد من السهام عادت منهزمة و غلبت فرسانها و طحنت الرجالة و الأتباع و الغلمان بالسهام و أخذوهم بأسرهم أسری، و قتل سرجال فی الحرب و فقد من المسلمین عشرون نفرا منهم سلیمان بن مبارک بن شبل، و سلم من الفرنج مقدار عشرین نفرا لا غیر و انهزم جماعة من أعیانهم، و قتل فی المعرکة ما یقارب خمسة عشر ألفا من الفرنج، و کانت الوقعة یوم السبت وقت الظهر، فوصل البشیر إلی حلب بالنصر و المصاف قائم و الناس یصلون صلاة الظهر بجامع حلب سمعوا صیحة عظیمة بذلک من نحو الغرب و لم یصل أحد من العسکر إلا نحو صلاة العصر.
و أحرق أهل القری القتلی من الفرنج فوجد فی رماد فارس واحد و أربعون نصل نشاب، و نزل إیلغازی فی خیمة سرجال و حمل إلیه المسلمون ما غنموه فلم یأخذ منهم إلا سلاحا یهدیها لملوک الإسلام، ورد علیهم ما حملوه بأسره، و لما حضر الأسری بین یدی إیلغازی کان فیهم رجل عظیم الخلقة مشتهرا بالقوة و أسره رجل ضعیف قلیل السلاح، فلما حضر بین یدی إیلغازی قال له الترکمان: أما تستحی یأسرک مثل هذا الضعیف و علیک مثل هذا الحدید، فقال: و اللّه ما أخذنی هذا و لا هو مولای إنما أخذنی رجل عظیم أعظم منی و أقوی و سلمنی إلی هذا، و کان علیه ثوب أخضر و تحته فرس أخضر، و تفرقت عساکر المسلمین فی بلاد أنطاکیة و السویدیة و غیرهما یقتلون و یأسرون و ینهبون، و کانت البلاد مطمئنة لم یبلغهم خبر هذه الوقعة، فأخذ المسلمون من السبی و الغنائم و الدواب ما یفوت الإحصاء و لم یبق أحد من الترک إلا امتلأ صدره و یداه بالغنائم و السبی، و لقی بعض السرایا بغدوین الروسر و ابن صنجیل فی خیلهما بالقرب من جبلة و قد توجها لنصر سرجال صاحب أنطاکیة فأوقع بهم الترک و قتلوا جماعة و غنموا ما قدروا علیه و انهزم بغدوین و ابن صنجیل و تعلقوا بالحبال، و رحل إیلغازی إلی أرتاح و بادر بغدوین فدخل أنطاکیة و سلمت إلیه أخته
زوجة سرجال خزائنه و أمواله و قبض علی أموال القتلی و دورهم و أخذها و زوج نساء القتلی بمن بقی و أثبت الخیل و جمع وحشد و استولی علی أنطاکیة، ولو سبقه إیلغازی إلی أنطاکیة لما امتنعت علیه.
و وصل أتابک إلی نجم الدین بأرتاح فعاد و نزل الأثارب و هجم الربض و نهبه و قتل من قدر علیه و خرجت أحداث من حلب و نقبوا حصنها فطلبوا الأمان فأمنهم بعد أن استأخذت و سیرهم إلی مأمنهم، و رحل منها إلی زردنا و کانوا قد حصنوها و أحکموا عمارتها و قاتلها فطلبوا الأمان فأمنهم و سیرهم إلی أنطاکیة، فلقیهم بعض الترکمان فنهبوهم و قتلوا بعضهم و مضوا إلی أهلهم، و کان صاحب زردنا لما بلغه منازلتها حمل بغدوین و الفرنج إلی الخروج لاستنقاذها و قد عرفوا تفرّق الترکمان بالغنائم و عودهم إلی أهلهم و أن إیلغازی فی عدة قلیلة، فبلغه ذلک فجدّ فی قتالها حتی أخذها کما ذکرناه و رتب أصحابه بها و توجه بمن بقی معه و استصحب معه عسکر أتابک و طغان أرسلان بن دملاج جراید إلی دانیث بعد أن ردّ الأثقال و الخیام إلی قنسرین، و وصل إلی دانیث فی یومه فوجد الفرنج قد نزلوها یوم فتحه زردنا فی مائتی خیمة و راجل کثیر، و قیل إنهم کانوا یزیدون علی أربعمائة فارس سوی الرجالة، و ذلک فی رابع جمادی الأولی، و التقوا فحمل صاحب زردنا و أکثر خیل الفرنج علی عسکر دمشق و حمص و بعض الترکمان فکشفوهم و انهزموا بین أیدیهم و سار لیتدارک أمر زردنا و یکبس الأثقال و الخیام، فعرف أخذها و تسییر الأثقال إلی قنسرین، فسار و حمل بقیة المسلمین علی بغدوین و من کان معه فقتلوهم و ردوهم علی أعقابهم، فحینئذ حمل إیلغازی و طغتکین و طغان أرسلان فیمن بقی من الخواص علی الفرنج فکسروهم و قتلوا أکثر الرجالة و بعض الخیالة و تبعوهم إلی أن دخلوا إلی حصن هاب و غنموا أکثر ما کان معهم، و عاد نجم الدین و طغتکین و طغان أرسلان إلی دانیث فوجدوا صاحب زردنا و الفرنج قد عادوا بعد أن هزموا من کان بین أیدیهم من المسلمین و معرفة أخذ المسلمین زردنا، فلقوهم و قتلوا منهم جماعة کثیرة و انهزم الباقون إلی هاب و عاد الترک بالظفر و الغنیمة. و حین بلغ من بقنسرین مع الأثقال هزیمة من کان فی مقابلة صاحب زردنا رحلوا إلی حلب و انزعج أهل حلب غایة الانزعاج فوصلهم البشیر بعد ساعتین بما بدل غمهم سرورا و همهم حبورا، و کان البشیر من الفرنج قد مضی إلی بلادهم و أخبر بکسر صاحب زردنا للمسلمین، فزینوا بلادهم و أظهروا
الجذل و المسرة، فوصل ابن صنجیل من الکسرة بعد ذلک فانقلب سرورهم حزنا و راحتهم تعبا و عناء.
و کان صاحب زردنا و هو القومس الأبرص و اسمه روبارد قد سقط عن فرسه، فأدرکه قوم من أهل جبل السماق من أهل مریمین فقبضوه و حملوه إلی إیلغازی بظاهر حلب فأنفذه إلی أتابک طغتکین فقتله صبرا، ثم دخل إیلغازی إلی حلب و أحضر الأسری فرد أصحاب القلاع و المقدمین و ابن میمند صاحب أنطاکیة و رسول ملک الروم و نفرا یسیرا ممن کان معه مال فأخذه و أطلقهم و بقی من الأسری نیف و ثلاثون رجلا بذلوا من المال ما رغب عنه فقتلهم بأسرهم، و توجه من حلب إلی ماردین فی جمادی الأولی من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة لیجمع من الترکمان من یعود به إلی بلد حلب، و کانت حلب ضعیفة عن مقامه فیها.
فخرج الفرنج إلی بلد المعرة فسبوا جماعة و أدرکهم جماعة من الترک فرجعوا، ثم خرج بغدوین من أنطاکیة فی عسکره و نزل علی زور غربی البارة و هو حصن کان لابن منقذ و سلمه إلیهم، و لما جرت الوقعة الأولی علی البلاط عاد و أخذه فقاتله بغدوین و أخذه فی جمادی الأولی و أطلق من کان فیه و رحل إلی کفر دوما فأخذ حصنها بالسیف و قتل جمیع من کان فیه و وصل إلی کفر طاب و قد أحرق ابن منقذ حصنها و أخذ رجاله منه خوفا منهم، فرمموه و رتبوا رجالهم فیه و ساروا إلی سرمین و معرة مصرین فتسلموها بالأمان، ثم نزلوا زردنا و رحلوا عنها إلی أنطاکیة و مع هذا فغارات عسکر حلب متواصلة علی ما یقرب منهم و تعود بالظفر و الغنیمة، و وصل جوسلین إلی بغدوین خاله وقت أخذه سرمین فأقطعه الرها و تل باشر و سیره إلیها فأسری إلی وادی بطنان دفعتین و إلی ما یلی الفرات من جهة الشام و قتل و سبی ما یقارب ألف نفس، و أغار جوسلین علی منبج و النقرة و أعمال حلب الشرقیة و أخذ کل ما وجده من دواب و أسر رجالا و نساء و أسری إلی الراوندان یتبع طائفة من الترکمان کانت قطعت الفرات فاقتتلوا فانهزم الفرنج و قتل منهم جماعة.سنة 514اشارة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة سار إیلغازی إلی الفرنج و کان قد جمع لهم جمعا، فالتقوا بموضع اسمه ذات البقل من أعمال حلب، فاقتتلوا و اشتد القتال، و کان الظفر له،
ثم اجتمع إیلغازی و أتابک طغتکین صاحب دمشق و حصروا الفرنج فی معرة مصرین یوما و لیلة، ثم أشار أتابک طغتکین بالإفراج عنهم کیلا یحملهم الخوف علی أن یستقتلوا و یخرجوا إلی المسلمین، فربما ظفروا، و کان أکثر خوفه من دبر خیل الترکمان وجودة خیل الفرنج لأنه کان یجمع الترکمان للطمع فیحضر أحدهم و معه جراب فیه دقیق و شاة و یعد الساعات لغنیمة یتعجلها و یعود، فإذا طال مقامهم تفرقوا ولم یکن له من الأموال ما یفرقها فیهم.
و فیها أغار جوسلین الفرنجی صاحب الرها علی جیوش الغرب و الترکمان و کانوا نازلین بصفین الفرات و غنم من أموالهم و خیلهم و مواشیهم شیئا کثیرا، و لما عاد خرب بزاعة.زیادة بیان لهذه الحوادث:
قال ابن العدیم: و فی صفر من سنة أربع عشرة و خمسمائة وقعت مشاحنة بین والی الأثارب بلاق بن إسحق صاحب نجم الدین إیلغازی و بین الفرنج، فأسری و معه جماعة من عسکر حلب إلی أنطاکیة فلقیهم عسکر أنطاکیة و عاد فتبعه الفرنج و التقوا ما بین ترمانین و تل أغدی من فرضة لیلون، و وصل فی هذه السنة إیلغازی بجمع کثیر من الترکمان و قطع الفرات فی الخامس و العشرین من صفر و توجه إلی تل باشر و أقام أیاما و لم یقاتلهم، و رحل إلی عزاز یرید أخذها و لم یمکن أحدا من الترکمان من تشعیث ضیاعها، و رحل إلی أنطاکیة و أقام علیها یوما واحدا و أقام فی أعمال الروج أیاما یسیرة، ثم خرج إلی قنسرین فتشوشت قلوب الترکمان لأنهم أملوا من الغنائم مثل السنة الخالیة و لم یقاتل بهم حصنا و لا غنموا شیئا، و باع الأسری الذین أسرهم فی الوقعة الأولی فعادوا إلی بلادهم و بالغوا فی التشفی من المسلمین و القتل و السبی. و جری من نجم الدین إساءة إلی بعض الترکمان علی شیء أنکره علیهم فبالغ فی هوانهم و حلق لحی بعضهم و قطع أعصابهم فتفرق عسکره و بقی نفر یسیر متفرقین فی أعمال حلب، فطمع الفرنج و خرجوا إلی دانیث فوصل طغتکین و عسکر دمشق و اجتمعوا مع إیلغازی فی عسکر یقاوم الفرنج، فساروا إلی الفرنج و هم فی ألف فارس و راجل کثیر، فدار الترک حولهم فلم یخرج منهم أحد و کرهوا أن یعودوا علی أعقابهم فتکون هزیمة، فساروا نحو معرة مصرین لا ینفرد منهم فارس و لا راجل و أشرف الترک علی أخذهم و من خرج منهم قتل و من وقعت دابته ترکها و أخذت و لا یقدرون علی الماء و هم علی حالة الهلاک و إیلغازی