و بقر و غنم، و أما ما سوی ذلک من الأقمشة و العین و الحلی فیخرج عن الحد. و أخربوا بلد اللاذقیة و ما جاورها و لم یسلم منها إلا القلیل، و خرجوا إلی شیزر بما معهم من الغنائم سالمین منتصف رجب، فامتلأ من الأساری و الدواب، و فرح المسلمون بذلک فرحا عظیما و لم یقدر الفرنج علی شیء یفعلونه مقابل هذه الحادثة عجزا منهم و وهنا و ضعفا. اه.سنة 531 محاصرة زنکی لحمص ثم لباریناشارة
قال ابن العدیم: فی الرابع و العشرین من شهر رمضان من سنة إحدی و ثلاثین و خمسمائة وصل أتابک زنکی من الموصل إلی حلب و سیر صلاح الدین فی مقدمته، فنزل حمص و سار أتابک إلی حماة و عیّد عید الفطر فی الطریق، و أخذ من حلب معه خمسمائة راجل لحصار حمص.
و رحل أتابک من حماة إلی حمص فی شوال و بها (أنر) من قبل صاحب دمشق فحصرها مدة، و خرج الفرنج نجدة لحمص و غیلة لزنکی فرحل عن حمص و لقیهم تحت قلعة بارین فکسرتهم طلائع زنکی مع أسوار فأفنوا عامتهم قتلا و أسرا، و قتل أکثر من ألفین من الفرنج و نجا القلیل منهم، فرحل إلی بارین مع ملکهم کندیاجور صاحب القدس، و أقام الحصار علی بارین بعشر مجانیق لیلا و نهارا. ثم تقرر الصلح فی العشر الأواخر من ذی القعدة علی التسلیم بعد خراب القلعة، و خلع علی الملک و أطلق و خرج الفرنج منها و تسلمها زنکی، و عاد إلی حلب و استقر الصلح بین أتابک و صاحب دمشق. و تزوج أتابک خاتون بنت جناح الدولة حسین علی ید الإمام برهان الدین البلخی و دخل علیها بحلب فی هذه السنة.
زیادة بیان لهذه الحوادث و استیلاء زنکی علی المعرة و کفر طاب
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی شوال سار أتابک زنکی من حمص و حصر قلعة بعرین و هی للفرنج تقارب مدینة حماة، و هی من أمنع الحصون و أحصنها، فلما نزل علیها قاتلها و زحف إلیها، فجمع الفرنج فارسهم و راجلهم و ساروا فی قضهم و قضیضهم و ملوکهم
و قمامصتهم و کنودهم إلی أتابک زنکی لیرحلوه عن بعرین فلم یرحل و صبر لهم إلی أن وصلوا إلیه، فلقیهم و قاتلهم أشد قتال رآه الناس و صبر الفریقان. ثم أجلت الوقعة عن هزیمة الفرنج و أخذتهم سیوف المسلمون و منع أتابک زنکی عنهم کل شیء حتی الأخبار، فکان من به منهم لا یعلم شیئا من أخبار بلادهم لشدة ضبطه الطرق و هیبته من جنده.
ثم إن القسوس و الرهبان دخلوا بلاد الروم و بلاد الفرنج و ما والاها من بلاد النصرانیة مستنفرین علی المسلمین و أعلموهم أن زنکی إن أخذ قلعة بعرین و من فیها من الفرنج ملک جمیع بلادهم فی أسرع وقت لعدم المحامی عنها و أن المسلمین لیس لهم نیة إلا قصد البیت المقدس فحینئذ اجتمعت النصرانیة و ساروا علی الصعب و الذلول و قصدوا الشام مع ملک الروم و کان منهم ما نذکره.
و أما زنکی فإنه جد فی قتال الفرنج فصبروا و قلت عنهم المیرة و الذخیرة، فإنهم کانوا غیر مستعدین و لم یکونوا یعتقدون أن أحدا یقدر علیهم، بل کانوا یتوقعون ملک باقی بلاد الشام، فلما قلت الذخیرة أکلوا دوابهم و أذعنوا بالتسلیم لیؤمنهم و یترکهم یعودون إلی بلادهم فلم یجبهم إلی ذلک، فلما سمع بقرب ملک الروم من الشام و اجتماعه بمن بقی من الفرنج أعطی لمن فی الحصن الأمان و قرر علیهم تسلیم الحصن و من المال خمسین ألف دینار یحملونها إلیه، فأجابوه إلی ذلک فخرجوا و سلموا إلیه، فلما فارقوه بلغهم اجتماع من اجتمع بسببهم فندموا علی التسلیم حیث لا ینفعهم الندم، و کان لا یصلهم شیء من الأخبار البتة فلهذا سلموه.
و کان زنکی فی مدة مقامه علیهم فتح المعرة و کفرطاب من الفرنج، فکان أهلها و أهل سائر الولایات التی بینها و بین حلب و حماة مع أهل بعرین فی الخزی لأن الحرب بینهم قائمة علی ساق و النهب و القتل لا یزال بینهم، فلما ملک أمن الناس و عمرت البلاد و عظم دخلها و کان فتحا مبینا، و من أحسن الأعمال ما عمله زنکی مع أهل المعرة، فإن الفرنج لما ملکوها کانوا قد أخذوا أملاکهم، فلما فتحها زنکی الآن حضر من بقی من أهلها و معهم أعقاب من هلک و طلبوا أملاکهم فطلب منهم کتبها، فقالوا: إن الفرنج أخذوا کل مالنا و الکتب التی للأملاک فیها، فقال: اطلبوا دفاتر حلب و کل من علیه خراج علی ملک یسلم إلیه، ففعلوا ذاک و أعاد علی الناس أملاکهم، و هذا من أحسن الأفعال و أعدلها اه.
قال فی الروضتین : فی هذه السنة (و هی سنة أربع و ثلاثین) سار أتابک الشهید إلی بلاد الفرنج فأغار علیها، و اجتمع ملوک الفرنج و ساروا إلیه فلقیهم بالقرب من حصن بارین و هو للفرنج، فصبر الفریقان صبرا لم یسمع بمثله إلا ما یحکی عن لیلة الهریر، و نصر اللّه المسلمین و هرب ملوک الفرنج و فرسانهم فدخلوا حصن بارین فحصره حصرا شدیدا، فراسلوه فی طلب الأمان لیسلموا و یسلموا الحصن فأبی إلا أخذهم قهرا، فبلغه أن من بالساحل من الفرنج قد ساروا إلی الروم و الفرنج یستنجدونهم و ینهون إلیهم ما فیه ملوکهم من الحصر فجمعوا وحشدوا و أقبلوا إلی الساحل و من بالحصن لا یعلمون بشیء من ذلک لقوة الحصن علیهم، فأعادوا مراسلته فی طلب الأمان فأجابهم و تسلم الحصن و ساروا، فلقیتهم أمداد النصرانیة فسألوهم عن حالهم فأخبروهم بتسلیم الحصن فلاموهم و قالوا: عجزتم عن حفظه یوما أو یومین، فحلفوا لهم إنا لم نعلم بوصولکم و لم یبلغنا عنکم خبر منذ حصرونا إلی الآن، فلما عمیت الأخبار عنا ظننا أنکم أهملتم أمرنا فحقنا دماءنا بتسلیم الحصن.
قال ابن الأثیر: و کان حصن بارین من أضر بلاد الفرنج علی المسلمین، فإن أهله کانوا قد خربوا ما بین حماة و حلب من البلاد و نهبوها و تقطعت السبل فأزال اللّه تعالی بالشهید رحمه اللّه هذا الضرر العظیم. و فی مدة مقامه علی حصن بارین سیر جنده إلی المعرة و کفرطاب و تلک الولایة جمیعها فاستولی علیها و ملکها و هی بلاد کبیرة و قری عظیمة.
قلت: و قد قال القیسرانی یذکر هزیمة الفرنج و یمدح زنکی قصیدة أولها:
حذار منا و أنی ینفع الحذرو هی الصوارم لا تبقی و لا تذر
و أین ینجو ملوک الشرک من ملکمن خیله النصر لا بل جنده القدر
سلوا سیوفا کإغماد السیوف بهاصالوا فما غمدوا نصلا و لا شهروا
حتی إذا ما عماد الدین أرهقهمفی مأزق من سناه یبرق البصر
و لو تضیق بهم ذرعا مسالکهمو الموت لا ملجأ منه و لا وزر
و فی المسافة من دون النجاة لهمطول و إن کان فی أقطارها قصر
فلا تخف بعدها الإفرنج قاطبةفالقوم إن نفروا ألوی بهم بقر
إن قاتلوا قتلوا أو حاربوا حربواأو طاردوا طردوا أو حاصروا حصروا
و طالما استفحل الخطب البهیم بهمحتی أتی ملک آراؤه غرر
و السیف مفترع أبکار أنفسهمو من هنالک قیل الصارم الذکر
لا فارقت ظل محیی العدل لامعةکالصبح تطوی من الأعداء ما نشروا
و لا انثنی النصر عن أنصار دولتهبحیث کان و إن کانوا به نصروا
حتی تعود ثغور الشام ضاحکةکأنما حل فی أکنافهم عمر
و قال ابن منیر:
فدتک الملوک و أیامهاو دام لنقضک إبرامها
و زلّت لعیشک أقدامهاو زال لبطشک إقدامها
و لو لم تسلّم إلیک القلوبهواها لما صح إسلامها
أیا محیی العدل لما نعاه أیامی البرایا و أیتامها
و مستنقذ الدین من أمةأزال المحاریب أصنامها
دلفت لها تقتفیک الأسود و البیض و السمر آجامها
جزرت جزیرتها بالسیوف حتی تشاءمها شامها
قال فی معجم البلدان: بارین بکسر الراء و العامة تقول بعرین: مدینة حسنة بین حلب و حماة من جهة الغرب اه.سنة 532اشارة
قال ابن الأثیر: فی هذه السنة فی المحرم استولی أتابک زنکی علی حمص و حصن المجدل.
ذکر وصول ملک الروم إلی الشام و ملکه بزاعة و ما فعله بالمسلمین
قال ابن الأثیر: قد ذکرنا سنة إحدی و ثلاثین و خمسمائة خروج ملک الروم من بلاده و شغله بالفرنج و ابن لیون. فلما دخلت هذه السنة و وصل إلی الشام و خافه الناس خوفا عظیما و قصد بزاعة فحصرها و هی مدینة لطیفة علی ستة فراسخ من حلب، فمضی
جماعة من أعیان حلب إلی أتابک زنکی و هو یحاصر حمص فاستغاثوا به و استنصروه، فسیر معهم کثیرا من العساکر فدخلوا إلی حلب لیمنعوها من الروم إن حصروها. ثم إن ملک الروم قاتل بزاعة و نصب علیها منجنیقات و ضیق علی من بها فملکها بالأمان فی الخامس و العشرین من رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم و أسر و سبی، و کان عدة من جرح فیها من أهلها خمسة آلاف و ثمانمائة نفس، و أقام الروم بعد ملکها عشرة أیام یتطلبون من اختفی، فقیل لهم إن جمعا کثیرا من أهل هذه الناحیة قد نزلوا المغارات فدخنوا علیهم و هلکوا فی المغایر ثم رحلوا إلی حلب من الغد فی خیلهم و رجلهم، فخرج إلیهم أحداث حلب فقاتلوهم قتالا شدیدا، فقتل من الروم و جرح خلق کثیر و قتل بطریق جلیل القدر عندهم و عادوا خاسرون، و أقاموا ثلاثة أیام فلم یروا فیها طمعا فرحلوا إلی قلعة الأثارب، فخاف من فیها من المسلمین فهربوا عنها تاسع شعبان، فملکها الروم و ترکوا فیها سبایا بزاعة و الأسری و معهم جمع من الروم یحفظونهم و یحمون القلعة و ساروا.
فلما سمع الأمیر أسوار بحلب ذلک رحل فیمن عنده من العسکر إلی الأثارب فأوقع بمن فیها من الروم فقتلهم و خلص الأسری و السبی و عاد إلی حلب.
و أما عماد الدین زنکی فإنه فارق حمص و سار إلی سلمیة فنازلها، و عبر ثقله الفرات إلی الرقة و أقام جریدة لیتبع الروم و یقطع عنهم المیرة.
و أما الروم فإنهم قصدوا قلعة شیزر فإنها من أمنع الحصون، و إنما حصروها لأنها لم تکن لزنکی فلا یکون له فی حفظها اهتمام، و إنما کانت للأمیر أبی العساکر سلطان بن علی بن مقلد بن نصر بن منقذ الکنانی، فنازلوها و حصروها و نصب علیها ثمانیة عشر منجنیقا، فأرسل صاحبها إلی زنکی یستنجده، فسار إلیه فنزل علی نهر العاصی بالقرب منها بینها و بین حماة، و کان یرکب کل یوم و یسیر إلی شیزر هو و عساکره و یقفون بحیث یراهم الروم و یرسل السرایا فتأخذ من ظفرت به منهم، ثم إنه أرسل إلی ملک الروم یقول له:
إنکم قد تحصنتم منی بهذه الجبال فانزلوا منها إلی الصحراء حتی نلتقی فإن ظفرت بکم أرحت المسلمین منکم و إن ظفرتم استرحتم و أخذتم شیزر و غیرها، و لم یکن له فیهم قوة و إنما کان یرهبهم بهذا القول و أشباهه، فأشار فرنج الشام علی ملک الروم بمصافاته و هونوا أمره
علیه فلم یفعل و قال: أتظنون أن لیس له من العساکر إلا ما ترون، إنما هو یرید أن تلقوه فیجیئه من نجدات المسلمین مالا حد له.
و کان زنکی یرسل أیضا إلی ملک الروم یوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه فلو فارق مکانه تخلفوا عنه، و یرسل إلی فرنج الشام یخوفهم من ملک الروم و یقول لهم: إن ملک بالشام حصنا واحدا ملک بلادکم جمیعا، فاستشعر کل من صاحبه، فرحل ملک الروم عنها فی رمضان و کان مقامه علیها أربعین یوما، و ترک المجانیق و آلات الحصار بحالها، فسار أتابک زنکی یتبع ساقة العسکر فظفر بکثیر ممن تخلف منهم و أخذ جمیع ما ترکوه و رفعه إلی قلعة حلب.زیادة بیان لهذه الحوادث
قال ابن العدیم فی حوادث سنة 531: و فی أواخر هذه السنة وصل ملک الروم کالیانی من القسطنطینیة فی جموعه و وصل إلی أنطاکیة، فخالفه الفرنج لطفا من اللّه تعالی، و أقام إلی أن وصلته مراکبه البحریة بالأثقال و المیرة و المال فاعتمد لاون بن روبال صاحب الثغور فی حقه فتحا عظیما و تخوف أهل حلب منه، فشرعوا فی تحصینها و حفر خنادقها، فعاد إلی بلاد لاون فافتتحها جمیعها فدخل إلیه لاون متطارحا فقال: أنت بین الفرنج و الأتراک لا یصلح لک المقام، فسیره إلی قسطنطینة فی عین زربة و آذنة و الثغور مدة الشتاء، و کان فی عوده عن أنطاکیة إلی ناحیة بغراس فی الثانی و العشرین ذی الحجة من سنة إحدی و ثلاثین أنفذ رسوله إلی زنکی و ظفر سوار بسریة وافرة العدد من عسکره فقتل و أسر و دخل بهم إلی حلب، و وصل الرسول إلی زنکی و هو متوجه إلی القبلة فرده و معه هدیة إلی ملک الروم فهود و بزاة و صقور علی ید الحاجب حسن، فعاد إلیه و معه رسول منه و أخبره بأنه یحاصر بلاد لاون، فسار إلی حماة و رحل إلی حمص فقاتلها، ثم سار فی نصف المحرم من سنة اثنتین و ثلاثین فنزل بعلبک و أخذ منها مالا و سار إلی ناحیة البقاع فملک حصن المجدل من أیدی الدمشقیین، و دخل فی طاعته إبراهیم بن طرغث والی بانیاس و شتی أتابک زنکی بأرض دمشق. وورد علیه رسول الخلیفة المکتفی و السلطان مسعود بالتشریف. ثم رحل أتابک عن دمشق فی شهر ربیع الآخر و عاد إلی حماة، ثم رحل عنها
إلی حمص فخیم علیها و جرد من حلب رجالا لحصارها و جمع علیها جموعا کثیرة و هجم المدینة و کسر أهلها و نال منهم منالا عظیما.
و نقض الفرنج الهدنة التی کانت بینهم و بین زنکی علی حلب و أظهروا العناد و قبضوا علی التجار بأنطاکیة و السفار من أهل حلب فی جمادی الأولی من السنة بعد إحسانه إلیهم و اصطناعه لمقدمیهم حین أظفره اللّه بهم، و انضافوا إلی ملک الروم کالیانی، و ظهر ملک الروم بغتة من طریق مدینة البلاط یوم الخمیس الکبیر من صومهم، و نزل فی الحادی و العشرین من رجب علی حصن بزاعة، و انتشرت الخیل بغتة فلطف اللّه بالمسلمین، فرأوا رجلا من [کافر ترک] و معه جماعة منهم قد تاهوا عن عسکر الروم و أظهروا أنهم مستأمنة، و أنذروا من بحلب بالروم فتحذر الناس و تحفظوا و کاتبوا أتابک زنکی بذلک، فوصله الخبر و هو علی حمص فسیر فی الحال الأمیر سیف الدین سوار و الرجّالة الحلبیین و خمسمائة فارس فی أربعة من الأمراء الاصفهسلاریة منهم زین الدین علی کوجک، فقویت قلوب أهل حلب بهم و وصلوا فی سابع و عشرین من رجب.
و أما الروم فإنهم حصروا حصن بزاعة و قاتلوه سبعة أیام فضعفت قلوب المسلمین، و کان الحصن فی ید امرأة فسلموه إلی الروم بالأمان بعد أن توثقوا منهم بالعهود و الأیمان، فغدروا بهم و أسروا من بزاعة ستة آلاف مسلم أو یزیدون.
و أقام الملک بالوادی یدخن علی مغایر الباب عشرة أیام فهلکوا بالدخان، ثم رحل فنزل یوم الأربعاء الخامس من شعبان بأرض الناعورة، ثم رحل یوم الخمیس سادس شعبان و معه ریمند صاحب أنطاکیة و ابن جوسلین، فنزل علی حلب و نصب خیمته من قبلیها علی نهر قویق و أرض السعدی و قاتل حلب یوم الثلاثاء من ناحیة برج الغنم، و خرج إلیهم أحداث حلب فقاتلوهم و ظهروا علیهم و قتل من الروم مقدم کبیر، و رجعوا إلی خیمهم خائبین. و رحل یوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلا إلی السعدی فخاف من بقلعة الأثارب من جند المسلمین فهربوا منها یوم الخمیس تاسع شعبان و طرحوا النار فی خزائنهم، و عرف الروم ذلک فخفت منهم سریة و جماعة من الفرنج و معهم سبی بزاعة و الوادی فملکوا القلعة و ألجؤوا السبی إلی خنادقها و أحواشها، فهرب جماعة منهم إلی حلب و أعلموا الأمیر سیف الدین سوار بن إیتکین بذلک و أن الروم انعزلوا عنها، و نهض إلیهم سوار فی شرذمة من العسکر
فصابحهم و قد انتشروا بعد طلوع الشمس، فوقع علیهم و استخلص السبی جمیعه إلا الیسیر منهم و أرکب الضعفاء منهم خلف الخیالة، حتی إنه أخذ بنفسه جماعة من الصبیان و أرکبهم بین یدیه و من خلفه و وصل بهم إلی حلب و لم یبق من السبی إلا القلیل، و وصل بهم إلی حلب فی یوم السبت الحادی عشر من شعبان فسر أهل حلب سرورا عظیما.
و کان أتابک قد رحل من حمص إلی حماة ثم رحل إلی سلمیة و رحل ملک الروم إلی یلد معرة النعمان، و رحل عنها یوم الاثنین ثالث عشر شعبان إلی جهة شیزر و نزلوا کفرطاب و رموها بالمجانیق فسلمها أهلها فی نصف شعبان، و هرب أهل الجسر و ترکوه خالیا، فوصله الروم و جلسوا فیه و رحلوا إلی شیزر یوم الخمیس سادس عشر شعبان، فوصلوها فی مائة ألف راکب و مائة ألف راجل و معهم من الکراع و السلاح ما لا یحصیه إلا اللّه، فنزلوا الرابیة المشرفة علی بلدة شیزر و أقاموا یومهم و یوم الجمعة إلی آخر النهار، و رکبوا و هجموا البلد فقاتلهم الناس و جرح أبو المرهف نصر بن منقذ و مات فی رمضان من جرحه ذلک، ثم انهزم الروم و خرجوا، و نزل صاحب أنطاکیة فی مسجد سمنون و جوسلین فی المصلی، و رکب الملک یوم السبت و طلع إلی الجبل المقابل لقلعة شیزر المعروف بجریجس و نصب علی القلعة ثمانیة عشر منجنیقا و أربع لعب تمنع الناس من الماء، و دام القتال عشرة أیام و لقی أهل قلعة شیزر بلاء عظیما، ثم اقتصروا فی القتال علی المجانیق و أقاموا إلی یوم السبت تاسع عشر رمضان، و بلغهم أن قرا أرسلان بن داود بن سکمان بن أرتق عبر الفرات فی جموع عظیمة تزید عن خمسین ألفا من الترکمان و غیرهم، فأحرقوا آلات الحصار و رحلوا عن شیزر و ترکوا مجانیق عظاما رفعها أتابک إلی قلعة حلب بعد رحیلهم. و ساروا بعد أن هجموا ربض شیزر دفعات عدة و یخرجهم المسلمون منها، فوصل صلاح الدین من حماة یوم السبت تاسع الشهر و بلغه أن الفرنج هربوا من کفرطاب، فسار إلیها و ملکها، و وصل أتابک یوم الأحد عاشر الشهر و سار إلی الجسر یوم الاثنین فوجد الفرنج قد هربوا نصف اللیل و نزل أهله من أبی قبیس (هکذا) فمنعوهم، و دخل الروم مضیق أفامیة إلی أنطاکیة و طلبها من الفرنج فلم یعطوه إیاها، فرحل عنها إلی بلاده و سیر أتابک خلفهم سریة من العسکر تتخطفهم، هذا کله و أتابک لم یستحضر قرا أرسلان بن داود و لم یجتمع به، بل بعث إلیه یأمره بالعود إلی أبیه و أنه مستغن عنه. و انحاز عنهم فنزل أرض حمص