بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 103

بالإدغام أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: 78 فلا يكون إلّا مدغما. فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ الكاف في موضع نصب أي ذكرا كذكركم، ويجوز أن يكون في موضع الحال. أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً «أشدّ» في موضع خفض عطفا على ذكركم، والمعنى أو (كأشدّ ذكرا. ولم ينصرف لأنه أفعل صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه أشدّ ذكرا) ، ذِكْراً على البيان. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ في موضع رفع بالابتداء وإن شئت بالصفة. يَقُولُ رَبَّنا آتِنا صلة من وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ من زائدة للتوكيد.

[سورة البقرة (2) : آية 201]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201)
والأصل في قِنا أوقنا حذفت الواو كما حذفت في يقي وحذفت من يقي لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد. هذا قول البصريين، وقال الكوفيون[1]: حذفت فرقا بين اللازم والمتعدّي، وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ لأن العرب تقول: ورم يرم فيحذفون الواو.

[سورة البقرة (2) : آية 203]
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ قال الكوفيون: الألف والتاء لأقل العدد، وقال البصريون: هما للقليل والكثير. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا المعدودات والمعلومات وقول العلماء فيهما. ونشرح ذلك ها هنا. أصحّ ما قيل في المعدودات: أنها ثلاثة أيام: بعد يوم النحر، وقيل المعدودات والمعلومات واحد، وهذا غلط لقوله جل وعز:
«فمن تعجّل في يومين» ، والتقدير في العربية فمن تعجل في يومين منها، والمعنى في أيام معدودات لذكر الله تعالى. وأصحّ ما قيل (فيه) في المعلومات قول ابن عمر رحمه الله وهو مذهب أهل المدينة: إنها يوم النحر ويومان بعده لأن الله عزّ وجلّ قال:
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ [الحج: 28] فلا يجوز أن يكون هذا إلّا الأيام التي ينحر فيها ولا يخلو يوم النحر من أن يكون أولها أو أوسطها أو آخرها فلو كان آخرها أو أوسطها لكان النحر قبله، وهذا محال فوجب أن يكون أولها. فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ «من» رفع بالابتداء والخبر: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم لأن معنى «من» جماعة كما قال عزّ وجلّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يونس: 42]
[1]انظر الإنصاف مسألة 112. [.....]


صفحه 104

وكذا وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى يقال: بأيّ شيء اللام متعلقة؟ فالجواب وفيه أجوبة يكون التقدير المغفرة لمن اتقى وهذا على تفسير ابن مسعود، وقال الأخفش:
التقدير ذلك لمن اتّقى، وقيل التقدير السلامة لمن اتقى، وقيل، واذكروا يدلّ على الذكر فالمعنى الذكر لمن اتّقى.

[سورة البقرة[2]: آية 204]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قيل «من» هاهنا مخصوص، وقال الحسن: الكاذب، وقيل: الظالم وقيل: المنافق وقرأ ابن محيصن وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ[1]بفتح الياء والهاء. وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ الفعل مثل منه لددت تلدّ وعلى قول أبي إسحاق[2]: خصام جمع خصم وقال غيره: وهو مصدر خاصم.

[سورة البقرة[2]: آية 205]
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205)
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها منصوب بلام كي. وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ عطف عليه، وفي قراءة أبيّ. وليهلك الحرث وقرأ الحسن وقتادة ويهلك[3]بالرفع وفي رفعه أقوال: يكون معطوفا على يعجبك، وقال أبو حاتم: هو معطوف على سعى لأن معناه يسعى ويهلك، وقال أبو إسحاق: التقدير هو يهلك أي يقدر هذا، وروي عن ابن كثير أنه قرأ ويهلك الحرث والنسل[4]بفتح الياء وضم الكاف والحرث والنسل مرفوعان بيهلك.

[سورة البقرة[2]: آية 207]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207)
ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول من أجله.

[سورة البقرة[2]: آية 208]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً في الكسائي: السّلم والسّلم واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين إلّا أن أبا عمرو فرّق بينهما وقرأ هاهنا (ادخلوا في السّلم)[5]
[1]انظر البحر المحيط 2/ 122، وهي قراءة أبي حيوة أيضا.
[2]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 239.
[3]انظر البحر المحيط 2/ 123.
[4]انظر البحر المحيط 2/ 123.
[5]انظر التيسير 68.


صفحه 105

وقال: هو في الإسلام وقرأ التي في «الأنفال»[1]والتي في «سورة محمد»[2]صلّى الله عليه وسلّم «السّلم» بفتح السين، وقال: هي بالفتح المسالمة وقال عاصم الجحدري: «السّلم» الإسلام و «السّلم» الصّلح والسّلم الاستسلام ومحمد بن يزيد ينكر هذه التفريقات وهي تكثر عن أبي عمرو واللّغة لا تأخذ هكذا وإنما تأخذ بالسماع لا بالقياس ويحتاج من فرق إلى دليل، وقد حكى البصريون: بنو فلان سلم وسلم بمعنى واحد ولو صح التفريق لكان المعنى واحدا لأنه إذا دخل في الإسلام فقد دخل في المسالمة. والصّلح والسّلم مؤنثة وقد تذكّر. كَافَّةً نصب على الحال وهو مشتق من قولهم: كففت أي منعت أي لا يمتنع منكم أحد ومنه قيل: مكفوف وكفّة الميزان وقيل: كفّ لأنه يمتنع بها. وَلا تَتَّبِعُوا نهي. خُطُواتِ الشَّيْطانِ مفعول وقد ذكرناه.

[سورة البقرة[2]: آية 209]
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)
فَإِنْ زَلَلْتُمْ المصدر زلا وزللا ومزلّة وزلّ في الطين زليلا.

[سورة البقرة[2]: آية 210]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع في ظلال من الغمام وقرأ أبو جعفر وَالْمَلائِكَةُ[3]بالخفض وظلل جمع ظلّة في التكسير، وفي التسليم ظللات، وأنشد سيبويه: [الطويل] 43-
إذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها ... سواقط من حرّ وقد كان أظهرا[4]
ويجوز ظللات وظلّات، وظلّال جمع ظلّ في الكثير، والقليل أظلال، ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلّة وقيل: بل القليل أظلال، والكثير ظلال، وقيل: ظلال جمع ظلّة مثله قلّة وقلال كما قال: [الخفيف] 44-
ممزوجة بماءه القلال[5]
قال الأخفش سعيد: وَالْمَلائِكَةُ بالخفض بمعنى وفي الملائكة قال: والرفع أجود كما قال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام: 158] وَجاءَ رَبُّكَ
[1]يشير إلى الآية 61: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ.
[2]يشير إلى الآية 35: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ.
[3]انظر معاني الفراء 1/ 124، والبحر المحيط 2/ 125.
[4]الشاهد للنابغة الجعدي في ديوانه 74، وشرح شواهد الإيضاح ص 484، والكتاب 1/ 106، ولسان العرب (سقط) .
[5]الشاهد للأعشى في ديوانه ص 55، ولسان العرب (أسفط) و (سفط) و (عتق) ، وتاج العروس (سنفط) و (عتق) ، والمخصّص 17/ 19 وروايته: وكأن الخمر العتيق من الإرفنط ممزوجة بماء زلال.


صفحه 106

وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] قال الفراء[1]: وفي قراءة عبد الله هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام قال أبو إسحاق: التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة.

[سورة البقرة[2]: آية 211]
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211)
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ بتخفيف الهمزة فلما تحركت السين لم تحتج إلى ألف الوصل.
كَمْ في موضع نصب لأنها مفعول ثان لآتيناهم، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار عائد ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيها معنى الاستفهام. قال سيبويه: فبعدت من المضارعة بعد «كم» و «إذ» من المتمكنة. مِنْ آيَةٍ إذا فرقت بين كم وبي الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال: [الرمل] 45-
كم بجود مقرف نال العلى ... وكريم بخله قد وضعه[2]

[سورة البقرة[2]: آية 212]
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا اسم ما لم يسمّ فاعله، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس[3]زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا[4]وهي قراءة شاذّة لأنه لم يتقدّم للفاعل ذكر. وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ابتداء. فَوْقَهُمْ ظرف في موضع الخبر.

[سورة البقرة[2]: آية 213]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
كانَ النَّاسُ اسم كان. أُمَّةً خبرها. واحِدَةً نعت، قال أبو جعفر: قد ذكرنا
[1]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 124.
[2]الشاهد لأنس بن زنيم في ديوانه ص 113، وخزانة الأدب 6/ 471، والدرر 4/ 49، وشرح شواهد الشافية ص 53، والمقاصد النحوية 4/ 493، ولعبد الله بن كريز في الحماسة البصرية 2/ 10، وبلا نسبة في الإنصاف 1/ 303، والدرر 6/ 204، وشرح أبيات سيبويه 2/ 30، وشرح الأشموني 3/ 635، وشرح عمدة الحفاظ ص 534، وشرح المفصل 4: 132، والكتاب 2/ 168، والمقتضب 3/ 61، والمقرّب 1/ 313، وهمع الهوامع 1/ 255.
[3]حميد بن قيس المكي الأعرج القارئ، ثقة، أخذ عرضا عن مجاهد (ت 224 هـ) ترجمته في غاية النهاية 1/ 265.
[4]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 131، والبحر المحيط 2/ 138 وهي قراءة أبي حيوة أيضا. [.....]


صفحه 107

قول أهل التفسير في المعنى، والتقدير في العربية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ودلّ على هذا الحذف وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا. فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي «مبشّرين» من أطاع و «منذرين» من عصى وهما نصب على الحال. وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ الكتاب بمعنى الكتب. لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ نصب بإضمار أن وهو مجاز مثل هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: 29] ، وقرأ عاصم الجحدري لِيَحْكُمَ شاذة لأنه قد تقدّم ذكر الكتاب. وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ موضع الذين رفع بفعلهم والذين اختلفوا فيه هم المخاطبون. فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أهل التفسير فيه وربما أعدنا الشيء مما تقدّم لنزيده شرحا أو لنختار منه قولا. فمن أحسن ما قيل فيه: إن المعنى فهدى الله الذين آمنوا بأن بيّن لهم الحقّ مما اختلفت فيه من كان قبلهم، فأمّا الحديث «في يوم الجمعة فهم لنا تبع»[1]فمعناه فعليهم أن يتّبعونا لأن هذه الشريعة ناسخة لشرائعهم. قال أبو إسحاق[2]: معنى بإذنه بعلمه. قال أبو جعفر: وهذا غلط وإنما ذلك الإذن والمعنى والله أعلم بأمره وإذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه.

[سورة البقرة[2]: آية 214]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْ تقوم مقام المفعولين: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ حذفت الياء للجزم وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ[3]هذه قراءة أهل الحرمين، وقرأ أهل الكوفة والحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بالنصب وهو اختيار أبي عبيد وله في ذلك حجّتان: إحداهما عن أبي عمرو: قال: «زلزلوا» فعل ماض و «يقول» فعل مستقبل فلما اختلفا كان الوجه النصب، والحجة الأخرى حكاها عن الكسائي، قال: إذا تطاول الفعل الماضي صار بمنزلة المستقبل. قال أبو جعفر: أما الحجّة الأولى بأنّ «زلزلوا» ماض و «يقول» مستقبل فشيء ليس فيه علّة الرفع ولا النصب لأن حتّى ليست من حروف العطف في الأفعال ولا هي البتّة من عوامل الأفعال وكذا قال الخليل وسيبويه[4]: في نصبهم ما بعدها على إضمار «أن» إنما حذفوا أن لأنهم قد علموا أن حتى من عوامل الأسماء هذا معنى قولهما، وكأن هذه الحجة غلط وإنما تتكلم بها في
[1]أخرجه الطبري في تفسيره 2/ 338.
[2]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 247، والبحر المحيط 2/ 147.
[3]انظر التيسير 68.
[4]انظر الكتاب 3/ 16، والإنصاف مسألة 83.


صفحه 108

باب الفاء. وحجة الكسائي: بأن الفعل إذا تطاول صار بمنزلة المستقبل كلا حجّة، لأنه لم يذكر العلّة في النصب ولو كان الأول مستقبلا لكان السؤال بحاله. ومذهب سيبويه[1]في «حتّى» أن النصب فيما بعدها من جهتين، والرفع من جهتين: تقول:
سرت حتّى أدخلها على أن السير والدخول جميعا قد مضيا أي سرت إلى أن أدخلها.
وهذا غاية وعليه قراءة من قرأ بالنصب، والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها أي كي أدخلها، والوجهان في الرفع سرت حتّى أدخلهما أي سرت فأدخلها وقد مضيا جميعا أي كنت سرت فدخلت ولا تعمل حتّى ها هنا بإضمار أن لأن بعدها جملة كما قال الفرزدق: [الطويل] 46-
فيا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع[2]
فعلى هذه القراءة بالرفع وهي أبين وأصحّ معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى، والوجه الآخر في الرفع في غير الآية سرت حتى أدخلها على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن، وحكى سيبويه مرض حتّى ما يرجونه ومثله:
سرت حتّى أدخلها لا أمنع. مَتى نَصْرُ اللَّهِ رفع بالابتداء على قول سيبويه وعلى قول أبي العباس رفع بفعله أي متى يقع نصر الله. أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ اسم إنّ وخبرها ويجوز في غير القرآن إن نصر الله قريبا أي مكانا قريبا والقريب لا تثنّيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنّثه في هذا المعنى قال عزّ وجلّ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] وقال الشاعر: [الطويل] 47-
له الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم ... قريب ولا بسباسة ابنة يشكرا[3]
فإن قلت: فلان قريب، ثنّيت وجمعت فقلت: قريبون وأقرباء أو قرباء.

[سورة البقرة[2]: آية 215]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ وإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحتها وحذفت الهمزة فقلت: يسلونك. ماذا يُنْفِقُونَ «ما» في موضع رفع بالابتداء و «ذا»
[1]انظر الكتاب 3/ 16.
[2]الشاهد للفرزدق في ديوانه 419، وخزانة الأدب 5/ 414، والدرر 4/ 112، وشرح شواهد المغني 1/ 12، وشرح المفصّل 8: 18 ومغني اللبيب 1/ 129، وبلا نسبة في رصف المباني ص 181، وشرح المفصل 8/ 62، والمقتضب 2/ 41، وهمع الهوامع 2/ 24.
[3]الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص 68، ولسان العرب (قرب) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 5/ 232.


صفحه 109

الخبر وهو بمعنى الذي وحذفت الياء لطول الاسم أي ما الذي ينفقونه وإن شئت كانت «ما» في موضع نصب بينفقون و «ذا» مع «ما» بمنزلة شيء واحد. قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ «ما» في موضع نصب بأنفقتم وكذا وما تنفقوا وهو شرط والجواب: فَلِلْوالِدَيْنِ وكذا وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.

[سورة البقرة[2]: آية 216]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216)
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ اسم ما لم يسمّ فاعله. وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ابتداء وخبر.

[سورة البقرة[2]: آية 217]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ وفي قراءة عبد الله عن قتال فيه وقراءة عكرمة[1]عن الشهر الحرام قتل فيه بغير ألف وكذا: قل قتل فيه كبير. وقرأ الأعرج ويسئلونك بالواو. عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال أبو جعفر: الخفض عند البصريين على بدل الاشتمال، وقال الكسائي[2]: هو مخفوض على التكرير أي عن قتال فيه، وقال الفراء[3]: هو مخفوض على نيّة «عن» ، وقال أبو عبيدة[4]: هو مخفوض على الجوار. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عزّ وجلّ ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله عزّ وجلّ على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن» ، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] 48-
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما[5]
[1]عكرمة مولى ابن عباس. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عن مولاه وابن عمر. عرض عليه عمرو بن العلاء (ت 105 هـ) ، ترجمته في غاية النهاية 1/ 515.
[2]انظر البحر المحيط 2/ 154.
[3]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 141، والبحر المحيط: 2/ 154.
[4]انظر مجاز القرآن 1/ 72.
[5]الشاهد لعبدة بن الطبيب في ديوانه 88، والأغاني 14/ 78، 21/ 29، وخزانة الأدب 5/ 204، وديوان المعاني 2/ 175، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 792، وشرح المفصل 3/ 65، والشعر والشعراء 2/ 732، والكتاب 1/ 208، ولمرداس بن عبدة في الأغاني 14/ 86.


صفحه 110

فأمّا قتال فيه بالرفع فغامض في العربية. والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه فقوله: «يسألونك» يدلّ على الاستفهام كما قال: [الطويل] 49-
أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلّل[1]
فالمعنى أترى برقا فحذف ألف الاستفهام لأن الألف التي في أصاح بدل منها وتدلّ عليها وإن كانت حرف النداء وكما قال[2]: [المتقارب] 50-
تروح من الحيّ أم تبتكر
والمعنى: أتروح فحذف الألف لأن أم تدلّ عليها. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ابتداء وخبر. وَصَدٌّ ابتداء. عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ خفض بعن. وَكُفْرٌ بِهِ عطف على صدّ. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف على صدّ وخبر الابتداء. أكرم عند الله ووَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ابتداء وخبر أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام، وقيل: في المسجد الحرام عطف على الشهر أي ويسألونك عن المسجد فقال تعالى وإخراج أهله منه أكبر عند الله وهذا لا وجه له لأن القوم لم يكونوا في شكّ من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم من منازلهم بمكة فيحتاجوا إلى المسألة عنه هل كان ذلك لهم، ومع ذلك فإنه قول خارج عن قول العلماء لأنهم أجمعوا أنها نزلت في سبب قتل ابن الحضرمي[3].

[سورة البقرة[2]: آية 218]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم إن. وَالَّذِينَ هاجَرُوا عطف عليه: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ابتداء وخبر في موضع خبر إنّ.

[سورة البقرة[2]: آية 219]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ هذه قراءة أهل الحرمين وأبي
[1]الشاهد للأسود بن يعفر في ديوانه ص 57، وشرح المفصّل 1/ 46، ولسان العرب (خلد) ، و (حجا) ، ونوادر أبي زيد ص 160، ولامرئ القيس في ديوانه ص 24، ولسان العرب (كلل) ، وبلا نسبة في الاشتقاق ص 244، وإصلاح المنطق ص 403، وأمالي ابن الحاجب ص 328، وجمهرة اللغة ص 442، 657، 1037.
[2]مرّ الشاهد رقم (7) . [.....]
[3]ابن الحضرميّ: هو عمرو بن الحضرمي وهو أول قتيل من المشركين (البحر المحيط 2/ 155) .