[سورة آل عمران (3) : آية 182]
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182)
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ حذفت الضمة من الياء لثقلها.
[سورة آل عمران (3) : آية 183]
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183)
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا في موضع خفض بدلا من الذين في قوله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا [آية: 181] أَلَّا نُؤْمِنَ في موضع نصب. قال الملهم صاحب الأخفش من أدغم بغنّة كتب أن لا منفصلا ومن أدغم بغير غنّة كتب ألّا متصلا وقيل بل يكتب منفصلا لأنها «أن» دخلت عليها «لا» وقيل: من نصب الفعل كتبها متصلة ومن رفع كتبها منفصلة حَتَّى يَأْتِيَنا نصب بحتى. وقرأ عيسى بن عمر بِقُرْبانٍ[1]بضم الراء. إن جمعت قربانا قلت: قرابين وقرابنة. قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي على تذكير الجميع أي جاء أوائلكم وإذا جاء أوائلهم فقد جاءهم. بِالْبَيِّناتِ بالآيات المعجزات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ بالقربان. فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن كنتم صادقين إن الله جلّ وعزّ عهد إليكم ألّا تؤمنوا حتى تؤتوا بقربان تأكله النار.
[سورة آل عمران (3) : آية 184]
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184)
فَإِنْ كَذَّبُوكَ شرط فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جوابه فهذا تعزية له صلّى الله عليه وسلّم.
[سورة آل عمران (3) : آية 185]
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ابتداء وخبر. وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «ما» كافة ولا يجوز أن تكون بمعنى الذي ولو كان ذلك لقلت: أجوركم فرفعت على خبر «إن» وفرقت بين الصلة والموصول. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ابتداء وخبر أي أنها فانية فهي بمنزلة ما يغر ويخدع.
[سورة آل عمران (3) : آية 186]
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ لا ما قسم فإن قيل: لم ثبتت الواو في «لتبلونّ» وحذفت من «لتسمعنّ» ؟ فالجواب أنّ الواو في لتبلونّ قبلها فتحة فحركت
[1]انظر المحتسب 1/ 177، والبحر المحيط 3/ 138.
لالتقاء الساكنين ولم يجز حذفها لأنه ليس قبلها ما يدلّ عليها وحذفت في ولتسمعنّ لأن قبلها ما يدلّ عليها ولا يجوز همز الواو في لتبلونّ لأن حركتها عارضة.
[سورة آل عمران[3]: آية 187]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ على حكاية الخطاب، وقرأ أبو عمرو وعاصم بالياء[1]لأنهم غيب والهاء كناية عن أهل الكتاب، وقيل: عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أي عن أمره.
[سورة آل عمران[3]: آية 188]
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188)
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش بما آتوا[2]أي أعطوا. قيل: يراد بهذا اليهود وفي قراءة أبيّ بما فعلوا[3]، وقال ابن زيد: هم المنافقون كانوا يقولون للنبي صلّى الله عليه وسلّم: نخرج ونحارب معك ثم يتخلّفون ويعتذرون ويفرحون بما فعلوا لأنهم يرون أنهم قد تمّت لهم الحيلة فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ كرّر «تحسبنّ» لطول الكلام ليعلم أنه يراد الأول كما تقول: لا تحسب زيدا إذا جاءك وكلّمك لا تحسبه مناصحا.
[سورة آل عمران[3]: آية 189]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ابتداء وخبر، وكذا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
[سورة آل عمران[3]: آية 190]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190)
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ في موضع نصب على أنه اسم «إن» لِأُولِي خفض باللام وزيدت فيها الواو فرقا بينها وبين «إلى» . الْأَلْبابِ خفض بالإضافة وحكى سيبويه[4]عن يونس: قد لببت ولا يعرف في المضاعف سواه.
[سورة آل عمران[3]: آية 191]
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191)
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ في موضع خفض على النعت لأولي الألباب. قِياماً وَقُعُوداً
[1]وهذه قراءة ابن كثير أيضا، انظر تيسير الداني 77.
[2]انظر مختصر ابن خالويه 23.
[3]انظر مختصر ابن خالويه 24، والبحر المحيط 3/ 143. [.....]
[4]انظر الكتاب 4/ 147.
نصب على الحال. وَعَلى جُنُوبِهِمْ في موضع حال أي مضطجعين. وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ليكون ذلك أزيد في بصائرهم ويكون «ويتفكّرون» عطفا على الحال أو على يذكرون أو منقطعا. رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي ما خلقته من أجل باطل أي خلقته دليلا عليك، والتقدير: يقولون «باطلا» مفعول من أجله. سُبْحانَكَ أي تنزيها لك من أن يكون خلقت هذا باطلا. حدّثنا عبد السلام بن أحمد بن سهل قال: حدّثنا محمد بن علي بن محرّر قال: حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثنا الثوريّ عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن معنى «سبحان الله» فقال:
«تنزيه الله عن السوء»[1]. سُبْحانَكَ مصدر وأضيف على أنه نكرة.
[سورة آل عمران[3]: آية 193]
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193)
رَبَّنا نداء مضاف. أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ في موضع نصب أي بأن آمنوا. وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ المعنى وتوفّنا أبرارا مع الأبرار، ومثل هذا الحذف كلّه قوله: [الوافر] 90-
كأنّك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشنّ[2]
وواحد الأبرار بارّ كما يقال: صاحب وأصحاب، ويجوز أن يكون واحدهم برّا مثل كتف وأكتاف.
[سورة آل عمران[3]: آية 194]
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194)
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ أي على ألسن رسلك مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .
[سورة آل عمران[3]: آية 195]
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي أي بأنّي، وقرأ عيسى بن عمر فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي[3]
[1]أخرجه الطبري في تفسيره 11/ 64.
[2]الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه 126، وخزانة الأدب 5/ 67، وشرح أبيات سيبويه 2/ 58، وشرح المفصّل 3/ 59، والكتاب 2/ 363، ولسان العرب (وقش) ، و (قعع) و (شنن) ، والمقاصد النحوية 4/ 67، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب 1/ 284، وشرح الأشموني 2/ 401، وشرح المفصّل 1/ 61، ولسان العرب (خدر) و (أقش) و (دنا) ، والمقتضب 2/ 138.
[3]انظر مختصر ابن خالويه 24.
بكسر الهمزة أي فقال إني. بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ابتداء وخبر أي دينكم واحد. فَالَّذِينَ هاجَرُوا ابتداء. وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي في طاعة الله جلّ وعزّ. وَقُتِلُوا أي قاتلوا أعدائي. وَقُتِلُوا أي في سبيلي، وقرأ ابن كثير وابن عامر وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا[1]على التكثير، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وقتلوا وقاتلوا[2]لأن الواو لا تدلّ على أن الثاني بعد الأول. قال هارون القارئ: حدّثني يزيد بن حازم[3]عن عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه أنه قرأ وقتلوا وقتلوا[4]خفيفة بغير ألف. لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأسترنّها عليهم في الاخرة فلا أوبّخهم بها ولا أعاقبهم عليها. ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مصدر مؤكد عند البصريين، وقال الكسائي: وهو منصوب على القطع، قال الفراء[5]: هو مفسّر.
[سورة آل عمران[3]: آية 196]
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196)
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ نهي مؤكد بالنون الثقيلة، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب لا يَغُرَّنَّكَ بنون خفيفة.
[سورة آل عمران[3]: آية 197]
مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197)
مَتاعٌ قَلِيلٌ أي ذلك متاع قليل أي ابتداء وخبر، وكذا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ والجمع مآو.
[سورة آل عمران[3]: آية 198]
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198)
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ في موضع رفع بالابتداء، وقرأ يزيد بن القعقاع لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا[6]بتشديد النون نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مثل ثوابا عند البصريين، وقال الكسائي: يكون مصدرا وقال الفراء[7]: هو مفسّر، وقرأ الحسن نزلا[8]بإسكان الزاي وهي لغة تميم، وأهل الحجاز وبنو أسد يثقّلون.
[1]انظر تيسير الداني 77.
[2]انظر تيسير الداني 77.
[3]يزيد بن حازم بن زيد الأزدي الجهضمي البصري. روى عن سليمان بن يسار وعكرمة (ت 148 هـ) ترجمته في تهذيب التهذيب 11/ 317.
[4]انظر مختصر ابن خالويه 24، والبحر المحيط 3/ 152.
[5]انظر معاني الفراء 1/ 251، والبحر المحيط 3/ 153.
[6]انظر مختصر ابن خالويه 24.
[7]انظر معاني الفراء 1/ 251.
[8]وهذه قراءة مسلمة بن محارب والأعمش أيضا، وانظر مختصر ابن خالويه 24.
[سورة آل عمران (3) : آية 199]
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199)
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ اسم «إنّ» واللام توكيد. قال الضحاك: وما أنزل إليكم القرآن وما أنزل إليهم التوراة والإنجيل. قال الحسن: نزلت في النجاشيّ[1]. خاشِعِينَ لِلَّهِ حال من المضمر الذي في يؤمن، وقال الكسائي: يكون قطعا من من لأنها معرفة وتكون قطعا من وما أنزل إليهم. قال الضحاك: خاشِعِينَ أي أذلّة.
[سورة آل عمران (3) : آية 200]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أمر فلذلك حذفت منه النون. وَصابِرُوا وَرابِطُوا عطف عليه وكذا وَاتَّقُوا اللَّهَ أي لا يكن وكدكم الجهاد فقط اتقوا الله في جميع أموركم. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لتكونوا على رجاء من الفلاح. قال الضحّاك: الفلاح البقاء.
[1]انظر البحر المحيط 3/ 155.
[4] شرح إعراب سورة النساء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة النساء[4]: آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[1]
يا أَيُّهَا النَّاسُ «يا» حرف ينادى به، وقد يجوز أن يحذف إذا كان المنادى يعلم بالنداء و «أيّ» نداء مفرد و «ها» تنبيه. «النّاس» نعت لأيّ لا يجوز نصبه على الموضع لأن الكلام لا يتم قبله إلّا على قول المازني، وزعم الأخفش: أنّ أيّا موصولة بالنعت ولا تعرف الصلة إلّا جملة. اتَّقُوا رَبَّكُمُ أمر فلذلك حذفت منه النون. الَّذِي خَلَقَكُمْ في موضع نصب على النعت. مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أنّثت على اللفظ، ويجوز في الكلام من نفس واحد، وكذا وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما المذكر والمؤنث في التثنية على لفظ واحد في العلامة وليس كذا الجمع لاختلافه واتفاق التثنية. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ[1]هذه قراءة أهل المدينة بإدغام التاء في السين، وقراءة أهل الكوفة تَسائَلُونَ بحذف التاء لاجتماع تاءين ولأن المعنى يعرف ومثله إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: 15] . وَالْأَرْحامَ عطف أي واتّقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ إبراهيم وقتادة وحمزة وَالْأَرْحامَ[2]بالخفض وقد تكلّم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحلّ القراءة به، وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علّة قبحه فيما علمته. وقال سيبويه[3]: لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه بمنزلة التنوين، وقال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان لا يدخل في أحدهما إلّا ما دخل في الآخر فكما لا يجوز مررت بزيد وك وكذا لا يجوز مررت بك وزيد، وقد جاء في الشعر كما قال: [البسيط] 91-
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيّام من عجب[4]
[1]انظر تيسير الداني 78. [.....]
[2]انظر تيسير الداني 78.
[3]انظر الكتاب 2/ 403.
[4]الشاهد بلا نسبة في الإنصاف 464، وخزانة الأدب 5/ 123، وشرح الأشموني 2/ 430، والدرر 2/ 81، وشرح أبيات سيبويه 2/ 207، وشرح ابن عقيل ص 503، وشرح عمدة الحافظ ص 662، وشرح المفصّل 3/ 78، والكتاب 2/ 404، وهمع الهوامع 2/ 139.
وكما قال: [الطويل] 92-
وما بينها والكعب غوط نفانف[1]
وقال بعضهم وَالْأَرْحامَ قسم وهذا خطأ من المعنى والإعراب لأن الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدلّ على النصب روى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن النذر بن جرير عن أبيه قال: كنت عند النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى جاء قوم من مصر حفاة عراة فرأيت وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم يتغير لما رأى من فاقتهم ثم صلّى الظهر وخطب الناس فقال: «يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم والأرحام، ثم قال تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره»[2]وذكر الحديث فمعنى هذا على النصب لأنه حضّهم على صلة أرحامهم، وأيضا فلو كان قسما كان قد حذف منه لأن المعنى: ويقولون بالأرحام أي وربّ الأرحام: ولا يجوز الحذف إلّا أن لا يصحّ الكلام إلّا عليه. وأيضا فقد صحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «من كان حالفا فليحلف بالله»[3]فكما لا يجوز أن تحلف إلّا بالله كذا لا يجوز أن تستحلف إلّا بالله فهذا يرد قول من قال المعنى أسألك بالله وبالرّحم، وقد قال أبو إسحاق[4]: معنى تَسائَلُونَ بِهِ تطلبون حقوقكم به ولا معنى للخفض على هذا. والرحم مؤنثة ويقال:
رحم ورحم ورحم ورحم. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً قال ابن عباس أي حفيظا. قال أبو جعفر: يقال: رقب الرجل وقد رقبته رقبة ورقبانا.
[سورة النساء[4]: آية 2]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً[2]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ مفعولان ولا يقال: يتيم إلّا لمن بلغ دون العشر، وقيل: لا يقال: يتيم إلا لمن لم يبلغ الحلم، يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يتم بعد بلوغ»[5]. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرّمة خبيثة وتدعوا الطّيب وهو مالكم ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي
[1]الشاهد لمسكين الدارمي في ديوانه ص 53 وفيه (تنائف) بدل (نفانف) ، والحيوان 6/ 494، والمقاصد النحوية 4/ 164، وبلا نسبة في الإنصاف 2/ 465، وشرح الأشموني 2/ 430، وشرح عمدة الحافظ 663، وشرح المفصّل 3/ 79، ولسان العرب (غوط) ، وتاج العروس (غوط) . وصدره:
«نعلّق في مثل السواري سيوفنا»
[2]أخرجه أحمد في مسنده 4/ 359، ومسلم في الزكاة 70.
[3]أخرجه الترمذي في النذور 7/ 16، وابن ماجة في سننه- باب، حديث 2094، وأبو داود في سننه، الإيمان والنذور، حديث 3249، والدارمي في النذور 2/ 185.
[4]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 455، والبحر المحيط 3/ 164.
[5]أخرجه أبو داود في سننه 2873، والمتقي في كنز العمال 90499.
لا تجمعوا بينهما فتأكلوهما. إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً[1]وقرأ الحسن حُوباً[2]. قال الأخفش: وهي لغة بني تميم والحوب المصدر وكذا الحيابة والحوب الاسم. وقرأ ابن محيصن ولا تبّدلوا[3]أدغم التاء في التاء وجمع بين ساكنين، وذلك جائز لأن الساكن الأول حرف مدّ ولين، ولا يجوز هذا في قوله ناراً تَلَظَّى [الليل: 14] .
[سورة النساء[4]: آية 3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا[3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى شرط أي إن خفتم ألّا تعدلوا في مهورهنّ في النفقة عليهن. فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ فدلّ بهذا على أنه لا يقال: نساء إلا لمن بلغ الحلم.
واحد النساء نسوة ولا واحد لنسوة من لفظه ولكن يقال: امرأة. ويقال: كيف جاءت «ما» للآدميين ففي هذا جوابان: قال الفراء[4]: «ما» هاهنا مصدر وهذا بعيد جدّا لا يصحّ فانكحوا الطيبة، وقال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع «ما» لما لا يعقل يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريف وكريم فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء أي الحلال وما حرّمه الله فليس بطيب. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ في موضع نصب على البدل من «ما» ولا ينصرف عند أكثر البصريين في معرفة ولا نكرة لأن فيه علّتين إحداهما أنه معدول. قال أبو إسحاق:
والأخرى أنه معدول عن مؤنث وقال غيره: العلّة أنّه معدول يؤدّي عن التكرير صحّ أنها لا تكتب وهذا أولى قال الله عزّ وجلّ: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [فاطر: 1] فهذا معدول عن مذكّر، وقال الفراء[5]: لم ينصرف لأن فيه معنى الإضافة والألف واللام، وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة، وزعم الأخفش أنه إن سمّي به صرفه في المعرفة والنكرة لأنه قد زال عنه العدل. فَإِنْ خِفْتُمْ في موضع جزم بالشرط أَلَّا تَعْدِلُوا في موضع نصب بخفتم فَواحِدَةً أي فانكحوا واحدة وقرأ الأعرج فَواحِدَةً بالرفع. قال الكسائي: التقدير فواحدة تقنع. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عطف على واحدة. ذلِكَ أَدْنى ابتداء وخبره أَلَّا تَعُولُوا في موضع نصب.
[سورة النساء[4]: آية 4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً[4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ مفعولان الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم
[1]وهذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 3/ 169.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 253، والإتحاف 112، والبحر المحيط 3/ 169، وهذه لغة بني تميم.
[3]انظر مختصر ابن خالويه 24.
[4]انظر معاني الفراء 1/ 253، والبحر المحيط 3/ 170.
[5]انظر معاني الفراء 1/ 254.