لا تجمعوا بينهما فتأكلوهما. إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً[1]وقرأ الحسن حُوباً[2]. قال الأخفش: وهي لغة بني تميم والحوب المصدر وكذا الحيابة والحوب الاسم. وقرأ ابن محيصن ولا تبّدلوا[3]أدغم التاء في التاء وجمع بين ساكنين، وذلك جائز لأن الساكن الأول حرف مدّ ولين، ولا يجوز هذا في قوله ناراً تَلَظَّى [الليل: 14] .
[سورة النساء[4]: آية 3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا[3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى شرط أي إن خفتم ألّا تعدلوا في مهورهنّ في النفقة عليهن. فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ فدلّ بهذا على أنه لا يقال: نساء إلا لمن بلغ الحلم.
واحد النساء نسوة ولا واحد لنسوة من لفظه ولكن يقال: امرأة. ويقال: كيف جاءت «ما» للآدميين ففي هذا جوابان: قال الفراء[4]: «ما» هاهنا مصدر وهذا بعيد جدّا لا يصحّ فانكحوا الطيبة، وقال البصريون: «ما» تقع للنعوت كما تقع «ما» لما لا يعقل يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريف وكريم فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء أي الحلال وما حرّمه الله فليس بطيب. مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ في موضع نصب على البدل من «ما» ولا ينصرف عند أكثر البصريين في معرفة ولا نكرة لأن فيه علّتين إحداهما أنه معدول. قال أبو إسحاق:
والأخرى أنه معدول عن مؤنث وقال غيره: العلّة أنّه معدول يؤدّي عن التكرير صحّ أنها لا تكتب وهذا أولى قال الله عزّ وجلّ: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [فاطر: 1] فهذا معدول عن مذكّر، وقال الفراء[5]: لم ينصرف لأن فيه معنى الإضافة والألف واللام، وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة، وزعم الأخفش أنه إن سمّي به صرفه في المعرفة والنكرة لأنه قد زال عنه العدل. فَإِنْ خِفْتُمْ في موضع جزم بالشرط أَلَّا تَعْدِلُوا في موضع نصب بخفتم فَواحِدَةً أي فانكحوا واحدة وقرأ الأعرج فَواحِدَةً بالرفع. قال الكسائي: التقدير فواحدة تقنع. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عطف على واحدة. ذلِكَ أَدْنى ابتداء وخبره أَلَّا تَعُولُوا في موضع نصب.
[سورة النساء[4]: آية 4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً[4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ مفعولان الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم
[1]وهذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 3/ 169.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 253، والإتحاف 112، والبحر المحيط 3/ 169، وهذه لغة بني تميم.
[3]انظر مختصر ابن خالويه 24.
[4]انظر معاني الفراء 1/ 253، والبحر المحيط 3/ 170.
[5]انظر معاني الفراء 1/ 254.
يقولون: صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت، وإن شئت أسكنت»
. قال المازني: يقال صداق المرأة بالكسر ولا يقال: بالفتح، وحكى يعقوب وأحمد ابن يحيى الفتح. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً مخاطبة للأزواج وزعم الفراء[2]أنه مخاطبة للأولياء لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة. قال أبو جعفر: والقول الأول أولى لأنه لم يجر للأولياء ذكر.
نَفْساً منصوبة على البيان، ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدّم ما كان على البيان، وأجاز المازني وأبو العباس أن يتقدم إذا كان العامل فعلا وأنشد: [الطويل] 93-
وما كان نفيسا بالفراق تطيب[3]
وسمعت أبا إسحاق يقول: إنّما الرواية «وما كان نفسي» . فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً منصوب على الحال من الهاء. يقال: هنؤ الطعام ومرؤ فهو هنيء مريء على فعيل، وهنيء يهنأ فهو هني على فعل، والمصدر على فعل، وقد هنأني ومرأني فإن أفردت قلت: أمرأني بالألف.
[سورة النساء (4) : آية 5]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5)
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ روى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ قال: يعني اليتامى لا تؤتوهم أموالهم. كما قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] وهذا من أحسن ما قيل في الآية وشرحه في العربية ولا تؤتوا السفهاء الأموال التي تملكونها ويملكونها كما قال: وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:
59] ، وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ قال:
أولادكم لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء، وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ قال: النساء. قال أبو جعفر: وهذا القول لا يصحّ، إنّما تقول العرب في النساء: سفائه وقد قيل «ولا تؤتوا السفهاء
(1) انظر مختصر ابن خالويه 24 والبحر المحيط 3/ 174، والقراءة الأولى لأبي واقد، والثانية بالفتح عن قتادة، والثالثة عن قتادة وأبي السمال. [.....]
[2]انظر معاني الفراء 1/ 256، والبحر المحيط 3/ 174.
[3]الشاهد للمخبّل السعدي في ديوانه ص 290، والخصائص 2/ 384، ولسان العرب (صبب) ، وللمخبّل السعدي أو لأعشى همدان أو لقيس بن الملوّح في الدرر 4/ 36، والمقاصد النحوية 3/ 235، وللمخبّل السعدي أو لقيس بن معاذ في شرح شواهد الإيضاح ص 188، وبلا نسبة في أسرار العربية 197، والإنصاف ص 828، وشرح الأشموني 1/ 266، وشرح ابن عقيل 348، وشرح المفصّل 2/ 74، والمقتضب 3/ 36، وهمع الهوامع 1/ 252، وصدره:
«أتهجر ليلى بالفراق حبيبها»
أموالكم» مخاطبة للأوصياء أضيفت الأموال إليهم وإن كانت ليست لهم على السعة لأنها في أيديهم كما يقال: بسر النخلة وماء البئر، وقيل: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم» حقيقة أي لا تعطوهم الأموال التي تملكونها وهذا بعيد لأن بعده وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً مصدر ونعته. قرأ إبراهيم النخعيّ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم اللاتي جعل الله لكم على جمع التي، وقراءة العامة الَّتِي[1]على لفظ الجماعة. قال الفراء[2]: الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي والأموال التي وكذلك غير الأموال. قرأ أهل الكوفة قِياماً وقرأ أهل المدينة قيما[3]وقرأ عبد الله بن عمر قواما[4]، زعم الفراء والكسائي أن قياما مصدر أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فتقومون بها قياما، وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم يذهب إلى أنه جمع وقيّما وقواما عند الكسائي والفراء بمعنى قياما، وقال البصريون: قيم جمع قيمة أي جعلها الله قيمة للأشياء.
[سورة النساء[4]: آية 6]
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6)
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا وقرأ أبو عبد الرّحمن السلمي رشدا[5]وهو مصدر رشد، ورشد مصدر رشد وكذا الرّشاد. وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً مفعول من أجله، وقد يكون مصدرا في موضع الحال. وَبِداراً عطف عليه. أَنْ يَكْبَرُوا في موضع نصب ببدار، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ شرط وجوابه، وكذا وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ يجازى بإذا في الشعر لأنها تحتاج إلى جواب، ولا يليها إلا الفعل مظهرا أو مضمرا ولم يجاز بها في غير الشعر عند الخليل وسيبويه لأن ما بعدها مخالف لما بعد حروف الشرط لأنه محصّل قال الخليل: تقول آتيك إذا احمرّ البسر ولا تقول: إن احمرّ البسر.
[سورة النساء[4]: آية 7]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.
[1]انظر البحر المحيط 3/ 177.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 257.
[3]انظر تيسير الداني 78.
[4]انظر مختصر ابن خالويه 24، والبحر المحيط 3/ 178.
[5]وأيضا هي قراءة عيسى الثقفي وأبي السمال وابن مسعود انظر مختصر ابن خالويه 44، والبحر المحيط 3/ 180.
مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً قال أبو إسحاق[1]: نَصِيباً مَفْرُوضاً نصب على الحال، وقال الأخفش والفراء[2]: هو مصدر كما تقول: فرضا ولو كان غير مصدر لكان مرفوعا على النعت لنصيب.
[سورة النساء[4]: آية 8]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)
يبعد أن يكون هذا على الندب لأن الندب لا يكون إلّا بدليل أو إجماع أو توقيف فأحسن ما قيل فيه أنّ الله جلّ وعزّ أمر إذا حضر أولو القربى ممن لا يرث أن يعطيه من يرث شكرا لله جلّ وعزّ على تفضيله إياه.
[سورة النساء[4]: آية 9]
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9)
وَلْيَخْشَ جزم بالأمر فلذلك حذفت منه الألف. قال سيبويه: لئلا يشبه المجزوم المرفوع والمنصوب، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم، وأجاز ذلك سيبويه في الشعر وأنشد الجميع: [الوافر] 94-
محمد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا[3]
وزعم أبو العباس: أن هذا لا يجوز لأن الجازم لا يضمر.
[سورة النساء[4]: آية 10]
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)
اسم إن والخبر إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس وَسَيَصْلَوْنَ[4]على ما لم يسم فاعله، وقرأ أبو حيوة وسيصلّون[5]على التكثير.
[سورة النساء[4]: آية 11]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11)
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ خبر فيه معنى الإلزام ثمّ بيّن الذي أوصاهم به فقال:
[1]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 467، والبحر المحيط 3/ 183.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 257.
[3]مرّ الشاهد رقم (65) .
[4]انظر تيسير الداني 78.
[5]انظر مختصر ابن خالويه 24.
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ «مثل» رفع بالابتداء أو بالصفة، ويجوز النصب في غير القرآن على إضمار فعل. فَإِنْ كُنَّ نِساءً خبر كان أي فإن كان الأولاد نساء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ قال أبو جعفر: قد ذكرنا فيه أقوالا[1]: منها أنّ فوق زائدة وهو خطأ لأن الظروف ليست مما يزداد لغير معنى، ومنها الاحتجاج للأخوات ولا حجّة فيه لأن ذلك إجماع فهو مسلّم لذلك، ومنها أنه إجماع وهو مردود لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنين النصف لأن الله جلّ وعزّ قال: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ قال: فلا أعطي البنتين الثلثين، ومنها أن أبا العباس قال: في الآية ما يدلّ على أن للبنتين الثلثين قال:
لما كان للواحد مع الابن الواحد الثلث علمنا أن للابنتين الثلثين وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة فيقول مخالفه إذا ترك ابنتين وابنا فللبنتين النصف فهذا دليل على أنّ هذا فرضهما وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث المروي. لغة أهل الحجاز وبني أسد الثّلث والرّبع إلى العشر، ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر، ويقال: ثلثت القوم أثلثهم، وثلثت الدراهم أثلثها إذا أتممتها ثلاثة وأثلثت هي إلا أنّهم قالوا في المائة والألف: مأيتها وأمأت وآلفتها وألفت. وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت المولودة واحدة مثل فَإِنْ كُنَّ نِساءً، وقرأ أهل المدينة وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً[2]تكون كانت بمعنى وقعت مثل كان الأمر، وقرأ أبو عبد الرّحمن السلميّ فَلَهَا النِّصْفُ وقرأ أهل الكوفة فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ[3]وهذه لغة حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كثير من هوازن وهذيل. قال أبو جعفر: لما كانت اللام مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة فأبدلوا من الضمة كسرة لأنه ليس في الكلام فعل ومن ضم جاء به على الأصل ولأن اللام تنفصل لأنها داخلة على الاسم. قرأ مجاهد وعاصم وابن كثير مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ[4]على ما لم يسمّ فاعله وقرأ الحسن يُوصِي بِها[5]على التكثير. فَرِيضَةً مصدر. إِنَّ اللَّهَ اسم إنّ. كانَ عَلِيماً خبر كان واسم كان فيها مضمر والجملة خبر إنّ، ويجوز في غير القرآن «إنّ الله كان عليم حكيم» على إلغاء كان. وأهل التفسير يقولون: معنى كان عليما حكيما لم يزل، ومذهب سيبويه[6]أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم: إن الله كان كذلك وقال أبو العباس: ليس
[1]انظر البحر المحيط 3/ 191.
[2]انظر تيسير الداني 78 والبحر المحيط 3/ 191. [.....]
[3]انظر تيسير الداني 78، والحجّة لابن خالويه 95.
[4]انظر تيسير الداني 78.
[5]انظر مختصر ابن خالويه 25، وهي قراءة أبي الدرداء وأبي رجاء أيضا.
[6]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 477.
في قوله «كان» دليل على نفي الحال والمستقبل، وقيل: «كان» يخبر بها عن الحال كما قال جلّ وعزّ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: 29] .
[سورة النساء (4) : آية 12]
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)
وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ ابتداء أو بالصفة. قال الأخفش سعيد في وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً إن شئت نصبت كلالة على أنه خبر كان، وإن شئت جعلت كان بمعنى وقع وجعلت يورث صفة لرجل وكلالة نصب على الحال كما تقول: يضرب قائما. قال أبو جعفر: تكلّم الأخفش على أن الكلالة هو الميّت فإن كان للورثة قدّرته ذا كلالة. أَوِ امْرَأَةٌ ويقال مرأة وهو الأصل. وَلَهُ أَخٌ الأصل أخو يدلّ على ذلك أخوان فحذف منه وغيّر على غير قياس. وقال محمد بن يزيد حذف منه للتثبّت والأصل في أخت أخوة. قال الفراء: ضمّ أول أخت لأن المحذوف منها واو وكسر أول بنت لأن المحذوف منها ياء. فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ابتداء أو بالصفة. غَيْرَ مُضَارٍّ نصب على الحال أي يوصي بها غير مضارّ وبيّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ الموصى بأكثر من الثلث مضارّ وَصِيَّةٍ مصدر. وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي بمن أطاعه. حَلِيمٌ أي عمّن عصاه فأما قوله جلّ وعزّ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً فقيل معناه «عليما» بما لكم فيه من المصلحة «حكيما» بما قسم من هذه الأموال، وقال الحسن: «إنّ الله كان عليما» بخلقه قبل أن يخلقهم «حكيما» بما يدبّرهم به.
[سورة النساء (4) : آية 13]
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ابتداء وخبر. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شرط يُدْخِلْهُ مجازاة، ويجوز في الكلام يدخلهم على المعنى، ويجوز من يطيعون.
[سورة النساء (4) : آية 15]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ابتداء، والخبر فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً
مِنْكُمْ
ولا يجوز أن تكون اللاتي إلّا النساء. فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ. قال أبو جعفر: قد بيّنا أن هذا منسوخ فإنّ المرأة كانت إذا زنت حبست فنسخ ذلك بحديث النبي صلّى الله عليه وسلّم «قد جعل الله لهنّ سبيلا»[1]ولولا الحديث لكان الحبس واجبا مع الضرب ونسخ عن الزانية المحصنة الحبس بالرّجم، والرجم سنّة فقد نسخ القرآن الحديث بلا مدفع.
[سورة النساء (4) : آية 16]
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16)
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ الأولى أن يكون هذا للرجلين فأما أن يكون للرجل والمرأة على أن يغلّب المذكر على المؤنث فبعيد لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. وزعم قوم أنّ قوله فَآذُوهُما منسوخ وقيل، وهو أولى:
إنه ليس بمنسوخ وإنه واجب أن يؤذيا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله جلّ وعزّ.
[سورة النساء (4) : آية 17]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17)
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قيل: هذا لكل من عمل ذنبا، وقيل: هذا لمن جهل فقط والتوبة لكلّ من عمل ذنبا في موضع آخر.
[سورة النساء (4) : آية 18]
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18)
قال أبو جعفر: الآية مشكلة والإعراب يبيّن معناها فقوله جلّ وعزّ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ عطف على الذين يعملون السيئات. وفي معناه ثلاثة أقوال:
فأكثر الناس على أن معنى السيئات هاهنا لما دون الكفر أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة، ويجوز أن يكون معنى «ولا الذين يموتون» ولا الذين يقاربون الموت، وقيل: الذين يعملون السيئات الكفار وغيرهم ثم خصّ الكفار كما قال جلّ وعزّ فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرّحمن: 68] وقول ثالث يكون الذين يعملون السيئات الكفار فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت ولا الذين يموتون وهم كفار.
[1]أخرجه أحمد في مسنده 5/ 313، ومسلم في صحيحه الحدود 12، 13، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 210، وابن كثير في تفسيره 2/ 204، والطبري في تفسيره 4/ 198.
[سورة النساء (4) : آية 19]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً[1]أَنْ في موضع رفع أي وراثة النساء والنِّساءَ منصوبات على أحد معنيين يكون بمعنى أن ترثوا من النساء كما ترثون الأموال وقد رويا جميعا في التفسير. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: لما مات أبو قيس بن الأسلت جاء ابنه فألقى على امرأة أبيه رداءه وقال: قد ورثتها كما ورثت ماله. وكان هذا حكمهم فإن شاء دخل بها بلا صداق وإن شاء زوّجها وأخذ صداقها فأنزل الله جلّ وعزّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً.
وفي رواية أخرى كان الرجل يتزوج المرأة فإذا مات عنها قبل أن يدخل بها منعها ابنه من التزويج حتى يرث منها. كَرْهاً مصدر في موضع الحال. وَلا تَعْضُلُوهُنَّ يجوز أن يكون معطوفا وفي قراءة عبد الله ولا أن تعضلوهنّ[2]ويجوز أن يكون «كرها» تمام الكلام ثم ابتدأ النهي فقال: «ولا تعضلوهنّ» وذلك أن يكون عند الرجل امرأة لا يريدها فيعضلها أي لا يطلقها لتفتدي منه فذلك محظور عليه قال ابن السلماني: نزلت لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً في أمر الجاهلية ونزلت وَلا تَعْضُلُوهُنَّ في أمر الإسلام، وقال ابن سيرين وأبو قلابة لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلّا أن يجد على بطنها رجلا قال الله جلّ وعزّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وقال الضحاك وقتادة:
الفاحشة المبيّنة النشوز أي فإذا نشزت كان له أن يأخذ الفدية، وقول ثالث إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت فيكون هذا قبل النسخ «وأن» في موضع نصب على جميع الأقوال لأنها استثناء ليس من الأول.
[سورة النساء (4) : آية 20]
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20)
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً مصدر في موضع الحال. وَإِثْماً معطوف عليه. مُبِيناً من نعته.
[سورة النساء (4) : آية 21]
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ جملة في موضع الحال.
[1]هذه قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة بفتح الكاف، انظر تيسير الداني 79.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 259، والبحر المحيط 3/ 213.