اللفظ، وإن شئت كان رفعا وهو أجود على الموضع وإن شئت على الابتداء، والذين:
غير معرب لأنه لو أعرب لأعرب وسط الاسم، وقيل: لأنه لا يقع إلّا لغائب وفتحت النون لأنه جمع وقيل: لأن قبلها ياء، وقيل: لأنها بمنزلة شيء ضمّ إلى شيء. وفيها لغات فاللغة التي جاء بها القرآن «الذين» في موضع الرفع والخفض والنصب، وبنو كنانة يقولون: الذون في موضع الرفع، ومن العرب من يقول: اللاذون في موضع الرفع والخفض، ومنهم من يقول: اللذيّون. وفي التثنية أربع لغات أيضا: يقال: اللذان بتخفيف النون، واللذانّ بتشديدها يشدّد عوضا مما حذف، وقيل ليفرق بينها وبين ما يحذف في الإضافة، ويقال: اللّذيّان بتشديد الياء، ويقال: اللّذا بغير نون وأنشد سيبويه: [الكامل] 101-
أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا[1]
وفي الواحد لغات يقال: جاءني الذي كلّمك، وجاءني اللذ كلمك بكسر الذال بغير ياء، واللّذ بإسكان الذال كما قال:
102-
كاللّذ تزبّى زيبة فاصطيدا[2]
ويقال: الذي بتشديد الياء وطيء تقول: جاءني ذو قال ذاك، بالواو، ورأيت ذو قال ذاك، ومررت بذو قال ذاك، بمعنى الذي. سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ مفعولان، ومذهب سيبويه[3]أنّ التقدير: في جنّات فحذفت «في» . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ نعت لجنات. خالِدِينَ نعت أيضا لأنه قد عاد الذكر، وإن شئت كان نصبا على الحال.
أَبَداً ظرف زمان.
[سورة النساء[4]: آية 58]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ فعل مستقبل وإسكان الراء لحن. أَنْ تُؤَدُّوا في موضع نصب.
والأصل بأن تؤدّوا، والمصدر تأدية. والاسم الأداء وقد ذكرنا نِعِمَّا في «سورة البقرة»[4].
[1]الشاهد للأخطل في ديوانه ص 387، والأزهيّة 296، والاشتقاق 338، وخزانة الأدب 3/ 185، والدرر 1/ 145، وسرّ صناعة الإعراب 2/ 536، وشرح التصريح 1/ 132، وشرح المفصّل 3/ 154، والمقتضب 4/ 146، وتاج العروس (لذي) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 362، وأوضح المسالك 1/ 140، وخزانة الأدب 8/ 210، ورصف المباني 341، وما ينصرف وما لا ينصرف 84، والمحتسب 1/ 185، والمنصف 1/ 67.
[2]الشاهد بلا نسبة في الكامل 18، والخزانة 2/ 498، وصدره:
«فأنت والأمر الذي قد كيدا» [.....]
[3]انظر الكتاب 1/ 480.
[4]انظر إعراب الآية 271- البقرة.
[سورة النساء (4) : آية 59]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)
ذلِكَ خَيْرٌ ابتداء وخبر. وَأَحْسَنُ عطف على خير. تَأْوِيلًا على البيان.
[سورة النساء (4) : آية 60]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60)
يُرِيدُونَ في موضع نصب على الحال. أَنْ يَتَحاكَمُوا مفعول. إِلَى الطَّاغُوتِ قد ذكرنا قول الضحاك[1]: أنه يراد به كعب بن الأشرف وهذا عند أهل اللغة كلّ ما عبد من دون الله، ويروى أن تحاكمهم إلى الطاغوت أنهم كانوا يجيلون القداح فإذا أخرج القدح المكتوب عليه افعل أو لا تفعل قالوا قد حكم الطاغوت علينا بهذا يفعلون هذا بين يدي الأصنام. وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ أي بذلك ضَلالًا بَعِيداً محمول على المعنى أي فيضلون ضلالا بعيدا ومثله وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (17) [نوح: 17] .
[سورة النساء (4) : آية 61]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61)
يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً اسم للمصدر عند الخليل والمصدر الصدّ والكوفيون يقولون: هما مصدران.
[سورة النساء (4) : آية 62]
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62)
فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي من ترك الاستعانة بهم وما يلحقهم من الذلّ نحو فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة: 83] . ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ حال، إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً «إن» بمعنى «ما» .
[سورة النساء (4) : آية 63]
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63)
أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ابتداء وخبر. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تقبل عذرهم. وَعِظْهُمْ خوّفهم العقاب. وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً أي من الوعيد يبلغ منهم. وقد بلغ الرجل بلاغة ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه، والعرب
[1]انظر إعراب آية 51- النساء.
تقول: أحمق بلغ وبلغ أي نهاية في الحماقة، وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق.
[سورة النساء[4]: آية 64]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64)
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ «من» زائدة للتوكيد. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ «أنّ» في موضع رفع أي لو وقع هذا لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي قابلا لتوبتهم وهما مفعولان لا غير.
[سورة النساء[4]: آية 65]
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)
فَلا وَرَبِّكَ خفض بواو القسم وهي بدل من الباء لمضارعتها إياها وجواب القسم لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ نصب بحتى وعلامة النصب حذف النون. وقرأ أبو السمّال.
فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ[1]بإسكان الجيم وهذا لحن عند الخليل وسيبويه[2]لا تحذف الفتحة عندهم لخفّتها. ورواه عروة بن الزبير عن أخيه عبد الله عن أبيه قال: خاصمني رجل من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في ماء كنّا نسقي منه جميعا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «اسق يا زبير ثم خلّ لجارك، فقال الأنصاريّ: يا رسول الله أن كان ابن عمّتك. فتلوّن وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم»[3]. قال الزبير: ولا أحسب هذه الآية نزلت إلّا فيه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وبغير هذا الإسناد أن الأنصاري حاطب بن أب بلتعة.
[سورة النساء[4]: آية 66]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66)
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ضممت النون لالتقاء الساكنين واختير الضم لأن التاء مضمومة، وإن شئت كسرت على الأصل، وكذا أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ على البدل من الواو، وأهل الكوفة يقولون: على التكرير ما فعلوه ما فعله إلّا قليل منهم وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر ما فعلوه إلّا قليلا منهم نصبا[4]
[1]انظر البحر المحيط 3/ 296، وقال: «وكأنه فرّ من توالي الحركات، وليس تعوي لخفّة الفتحة بخلاف الضمة والكسرة» .
[2]انظر الكتاب 4/ 231.
[3]أخرجه البخاري 5/ 34 في المساقاة باب سكر الأنهار (3359) و (4585) ، ومسلم في الفضائل 4/ 1829، وذكره في البحر المحيط 3/ 296.
[4]انظر تيسير الداني 80.
على الاستثناء. والرفع أجود عند جميع النحويين، وإنّما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى وهو يشتمل على المعنى. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي في الدنيا والآخرة. وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً في أمورهم و «تثبيتا» على البيان.
[سورة النساء (4) : آية 67]
وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67)
أي ثوابا في الآخرة.
[سورة النساء (4) : آية 68]
وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68)
أي طريقا إلى الجنة.
[سورة النساء (4) : آية 69]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ شرط والجواب فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ اتباع الأنبياء وَالشُّهَداءِ الذين قاموا بالقسط وشهدوا لله جلّ وعزّ بالحقّ، وقيل: المقتولون في سبيل الله، وقيل: إنما سمّي المقتول شهيدا لأنه شهد لله جلّ وعزّ بالحق وأقام شهادته حتى قتل، وقيل لأنه شهد كرامة الله جلّ وعزّ: وفيه قول ثالث أنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، ويقال: إن الشهداء عدول يوم القيامة. وقرأ أبو السّمّال العدويّ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً[1]. قال أبو جعفر: وهذا جائز لنقل الضمة، وقال الأخفش «رفيقا» نصب على الحال وهو بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: هو نصب على التفسير لأن العرب تقول: حسن أولئك من رفقاء وكرم زيد من رجل، ودخول «من» يدلّ على أنه مفسّر ذلك الفعل.
[سورة النساء (4) : آية 70]
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70)
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ابتداء وخبر أي ذلك الثواب العظيم تفضل من الله جلّ وعزّ لأنه قد أنعم عليهم في الدنيا فقد كان يجوز أن يكون ذلك النعيم بأعمالهم وفي الحديث «لا يدخل الجنة أحد بعمله»[2]ففيه جوابان: أحدهما هذا وأنه مثل الآية، والجواب الآخر أنه قد كانت لهم ذنوب وقد كان يجوز أن يجعل العمل جزاء الذنوب.
[سورة النساء (4) : آية 71]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71)
فَانْفِرُوا ثُباتٍ على الحال. الواحد ثبة، ويقال لوسط الحوض: ثبة، وربما توهّم
[1]هي لغة تميم كما في البحر المحيط 3/ 301، وانظر مختصر ابن خالويه (26) .
[2]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 256 و 3/ 494.
الضعيف في العربية أنهما واحد وأن أحدهما من الآخر، وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثويبة لأنها من ثاب يثوب، ويقال في ثبة الجماعة ثبيّة[1]. أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً نصب على الحال عند سيبويه.
[سورة النساء (4) : آية 72]
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72)
وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ اللام الأولى لام التوكيد والثانية لام القسم. و «من» في موضع نصب، وصلتها: لَيُبَطِّئَنَّ، لأن فيه معنى اليمين، والخبر مِنْكُمْ وقرأ مجاهد وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ[2]جاء موحّدا على اللفظ ولو كان قالوا لجاز وكذا في جميع الآية.
وقرأ ابن كثير وعاصم من رواية حفص.
[سورة النساء (4) : آية 73]
وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73)
كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ومن ذكّر جعل مودة بمعنى الودّ. فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً جواب التمني.
[سورة النساء (4) : آية 74]
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74)
فَلْيُقاتِلْ أمر وحذفت الكسرة من اللام تخفيفا. الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وقد ذكرنا أن معنى يشترون يبيعون أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله بِالْآخِرَةِ أي بثواب الآخرة. وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شرط. فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ عطف عليه. والمجازاة فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
[سورة النساء (4) : آية 75]
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75)
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في موضع نصب كما قال عزّ وجلّ: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] وَالْمُسْتَضْعَفِينَ قال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى: في المستضعفين لأن السبيلين مختلفان كأنّ سبيل المستضعفين خلاصهم. قال أبو إسحاق[3]: بل الاختيار أن يكون المعنى: وفي سبيل المستضعفين فإنّ خلاص
[1]انظر تاج العروس (ثبا) .
[2]انظر البحر المحيط 3/ 302.
[3]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 539.
المستضعفين من سبيل الله جلّ وعزّ. الَّذِينَ يَقُولُونَ نعت للمستضعفين، ويجوز أن يكون نعتا للجميع المخفوضين بمن. مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها نعت للقرية وإن كان الفعل للضمير كما تقول: مررت بالرجل العاقل أبوه ولم يقل: الظالمين لأنه نعت يقوم مقام الفعل أي التي ظلم أهلها. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي يستنقذنا منهم. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً أي ينصرنا عليهم.
[سورة النساء (4) : آية 76]
الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76)
الَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ. يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فعل مستقبل في موضع الخبر، وكذا وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكّر ويؤنث.
قال أبو عبيدة: وإنما ذكّر وأنّث[1]لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا. قال:
وحدّثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة وفي كلّ حيّ واحدة. قال أبو إسحاق[2]: الدليل على أنه الشيطان قوله: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً.
[سورة النساء (4) : آية 77]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ روي عن ابن عباس: إنّ قوما تمنّوا القتال قبل أن يؤذن فيه فنهاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما فرض كرهوه فأنزل الله جلّ وعزّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ... إلى آخرها. يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف. أَوْ أَشَدَّ عطف على الكاف في موضع نصب، ويجوز أن يكون عطفا على خشية في موضع خفض. كَخَشْيَةِ على البيان. لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ الأصل «لما» حذفت الألف لأنها استفهام. لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ أي هلا ولا يليها إلّا الفعل. قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ابتداء وخبر وكذا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى أي اتّقى المعاصي.
[سورة النساء (4) : آية 78]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)
[1]انظر تاج العروس (طغو) .
[2]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 541. [.....]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ شرط ومجازاة و «ما» زائدة. وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ على التكثير. يقال: شاد البنيان وأشاد بذكره. وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ شرط ومجازاة وكذا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ابتداء وخبر. فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي لا يعرفون معناه وتأويله، وقد بين الله جلّ وعزّ لهم فقال: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 152] واللام متصلة عند البصريين والفراء[1]لأنها لام خفض، وحكى ابن سعدان[2]انفصالها.
[سورة النساء (4) : آية 79]
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ قال الأخفش: «ما» بمعنى الذي، وقيل: هو شرط. والصواب قول الأخفش لأنه نزل في شيء بعينه من الجدب وليس هذا من المعاصي في شيء ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة وروى مجاهد عن ابن عباس «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك» وأنا كتبتها عليك وهذه قراءة على التفسير. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا مصدر مؤكّد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة. وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على البيان.
[سورة النساء (4) : آية 81]
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81)
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ أي أمرنا طاعة أو منّا طاعة. قال الأخفش: ويجوز طاعة بالنصب أي نطيع طاعة. بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ فذكّر الطائفة لأنها في المعنى رجال، وأدغم الكوفيون التاء في الطاء لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل، وهو عند البصريين غير قبيح، وهي قراءة أبي عمرو[3]. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أمر أي ثق به. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي ناصرا لك على عدوك وموثوقا به.
[1]انظر معاني الفراء 1/ 278.
[2]محمد بن سعدان النحوي، أبو جعفر الضرير، من أصحاب القراء. كان أحد القراء بقراءة حمزة (ت 231 هـ) . ترجمته في (طبقات الزبيدي 153) .
[3]انظر تيسير الداني 83.
[سورة النساء (4) : آية 82]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82)
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي أفلا ينظرون في عاقبته وفي الحديث «لا تدبروا»[1]أي لا يولي بعضكم بعضا دبره، وأدبر القوم مضى أمرهم إلى آخره، ودلّ بهذا على أنه يجب التدبر للقرآن ليعرف معناه وكان في هذا ردّ على من قال: لا يؤخذ تفسير القرآن إلّا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا لأنه ليس من متكلّم يتكلّم بكلام كثير إلا وجد في كلامه اختلاف كثير إمّا في الوصف واللفظ وإما في جودة المعنى وإما في التناقض وإما في الكذب فأنزل جلّ وعزّ القرآن وأمر بتدبره لأنهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف من العيوب ولا رذالة في معنى ولا تناقضا ولا كذبا فيما يخبرون به من علم الغيوب ما يسرّون.
[سورة النساء (4) : آية 83]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ في إذا معنى الشرط ولا يجازى بها والمعنى: أنهم إذا سمعوا شيئا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم. أَوِ الْخَوْفِ وهو ضد هذا. أَذاعُوا بِهِ أي أظهروه وتحدّثوا به من قبل أن يقفوا على حقيقته فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب والإرجاف. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم الأمراء لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه بالمسألة وهذا مشتق من «النبط» وهو أول ما يخرج من ماء البئر أول ما يحفر وسمّي النبط نبطا لأنهم يستخرجون ما في الأرض. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ رفع بالابتداء والخبر عند سيبويه[2]ولا يجوز أن يظهر الخبر عنده، والكوفيون يقولون رفع بلولا. لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال أبو عبيد: التقدير أذاعوا به إلا قليلا، وهذا قول جماعة من النحويين قالوا لأن الأكثر من المستنبطين لا يعلمون. وقال أبو إسحاق[3]: بل التقدير «لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا» ، لأن هذا الاستنباط الأكثر يعرفه لأنه استعلام بخبر، وهذان قولان على المجاز، وقول ثالث بغير مجاز. يكون المعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بأن بعث فيكم رسولا أقام فيكم الحجة لكفرتم وأشركتم إلا قليلا منكم أي إنه كان يوحد.
[1]أخرجه الترمذي في سننه في البر والصلة 8/ 120.
[2]انظر الكتاب 2/ 128.
[3]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 547.