لا يتولّى الكافرين. أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أي أيبتغون أن يعتزوا بهم. فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً نصب على الحال.
[سورة النساء (4) : آية 140]
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140)
فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر لأنّ من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضى بالكفر كفر، قال الله جلّ وعزّ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ والأصل التنوين فحذف استخفافا.
[سورة النساء (4) : آية 141]
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ نعت للمنافقين. فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ اسم كان وكذا وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ جاء على الأصل، ولو أعلّ لكان لم نستحذ والفعل على الإعلال استحاذ يستحيذ وعلى غير الإعلال استحوذ يستحوذ وفي حرف أبيّ ومنعناكم من المؤمنين[1]وهو محمول على المعنى لأن المعنى قد استحوذنا عليكم ويجوز أن يكون على حذف قد. وقد ذكرنا معنى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
[سورة النساء (4) : آية 142]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142)
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ
مجاز أي يخادعون أولياء الله. وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي معاقبهم، وإن شئت أسكنت الهاء فقلت «وهو» لأن الضمّة ثقيلة وقبل الكلمة واو، وحكي إسكان الواو وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي وَهُوَ خادِعُهُمْ
[2]بإسكان العين، وقال محمد بن يزيد: هذا لحن لأنه زوال الإعراب. قال أبو جعفر: وقد أجاز سيبويه ذلك وأنشد: [الرجز] 109-
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم[3]
[1]انظر البحر المحيط 3/ 391، ومعاني الفراء 1/ 292.
[2]انظر البحر المحيط 3/ 393، ومختصر ابن خالويه (29) .
[3]مرّ الشاهد (22) .
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
في موضع نصب على الحال، وكذا يراءون الناس أي يرون الناس أنّهم يتديّنون بصلاتهم وقرأ ابن أبي إسحاق والأعرج يرؤّون الناس[1]على وزن يُدَعُّونَ [الطور: 13] ، وحكى أنها لغة سفلى مضر والقراءة الأولى أولى لإجماعهم على الذين هم يراءون، ويقال: فلان مراء وفعل ذلك رئاء الناس. وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
أي لا يذكرون الله جلّ وعزّ بقراءة ولا تسبيح وإنّما يذكرونه بالتكبير وبما يراءون به والتقدير: إلّا ذكرا قليلا.
[سورة النساء[4]: آية 143]
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي مضطربين يظهرون لهؤلاء أنهم منهم ولهؤلاء أنهم منهم وفي حرف أبيّ متذبذبين[2]ويجوز الإدغام على هذه القراءة مُذَبْذَبِينَ بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية وروي عن الحسن مذبذبين[3]بفتح الميم.
[سورة النساء[4]: آية 144]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144)
لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ مفعولان أي لا تجعلوهم خاصتكم وبطانتكم. أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي في تعذيبه إياكم.
[سورة النساء[4]: آية 145]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ[4]وقرأ الكوفيون فِي الدَّرْكِ[5]والأول أفصح، والدليل على ذلك أنه يقال في جمعه: أدراك مثل جمل وأجمال. وقد ذكرنا أن الإدراك الطبقات والمنازل إلا أن استعمال العرب أن يقال لكل ما تسافل:
أدراك، يقال للبئر: أدراك، ويقال لما تعالى: درج فللجنّة درج وللنار أدراك.
[سورة النساء[4]: آية 146]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء فأولئك مع المؤمنين أي فأولئك يؤمنون مع المؤمنين.
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً مفعولان وحذفت الياء في المصحف من «يؤتي»
[1]انظر البحر المحيط 3/ 393، ومختصر ابن خالويه (29) .
[2]انظر البحر المحيط 3/ 394.
[3]وهي قراءة ابن عباس أيضا، انظر مختصر ابن خالويه (29) .
[4]قرأ الحرميان والعربيان «في الدرك» انظر البحر المحيط 3/ 396.
[5]وهي قراءة حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب، انظر البحر المحيط 3/ 396. [.....]
لأنها محذوفة في اللفظ لالتقاء الساكنين، وأهل المدينة يحذفونها في الوقف ويثبّتون أمثالها في الإدراج، واعتلّ لهم الكسائي بأنّ الوقف موضع حذف، ألا ترى أنك تحذف الإعراب في الوقف[1].
[سورة النساء (4) : آية 147]
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147)
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ما في موضع نصب والمعنى أن الله جلّ وعزّ لا ينتفع بعذابكم ولا بظلمكم فلم يعذّبكم إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً أي يشكر عباده على طاعته ومعنى يشكرهم يثيبهم.
[سورة النساء (4) : آية 148]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148)
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ أي لا يريد أن يجهر أحد بسوء من القول، وتمّ الكلام ثم قال جلّ وعزّ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ استثناء ليس من الأول في موضع نصب أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان بكذا، ويجوز أن يكون «من» في موضع رفع، ويكون التقدير لا يحبّ الله أن يجهر بالسوء إلا من ظلم، ويجوز إسكان اللام ومن قرأ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ[2]فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة وتقديره ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم.
[سورة النساء (4) : آية 149]
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)
إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أي من القول السيئ. أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ أي أن تبدوا خيرا فهو خير من القول السّيئ أو تخفوه أو تعفوا عن سوء مما لحقكم فإنّ الله يعفو عنكم لعفوكم.
[سورة النساء (4) : آية 150]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ اسم «إنّ» والجملة الخبر وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي بين الإيمان بالله ورسله. وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وهم اليهود آمنوا بموسى صلّى الله عليه وسلّم وكفروا بعيسى ومحمد صلّى الله عليه وسلّم وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ ولم يقل: ذينك لأن ذلك يقع للإثنين كما قال جلّ وعزّ بَيْنَ ذلِكَ [البقرة: 68] في سورة «البقرة» ، ولو كان ذينك لجاز، والمعنى ويريدون أن يتّخذوا بين الإيمان والجحد طريقا.
[1]انظر البحر المحيط 3/ 397.
[2]انظر البحر المحيط 3/ 398.
[سورة النساء (4) : آية 151]
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151)
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا لأنهم لا ينفعهم إيمانهم بالله جل وعز إذا كفروا برسوله وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به جلّ وعزّ لأنه مرسل للرسول ومنزّل عليه الكتاب وكفروا بكل رسول مبشّر بذلك الرسول فلهذا، صاروا الكافرين حقا والتقدير قلت قولا حقا وما قبله يدلّ عليه. وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ولِلْكافِرِينَ يقوم مقام المفعول الثاني.
[سورة النساء (4) : آية 152]
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152)
وَالَّذِينَ آمَنُوا ابتداء في موضع رفع، وإن شئت كان في موضع نصب بإضمار فعل يفسّره ما بعده.
[سورة النساء (4) : آية 153]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153)
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً هم اليهود سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يصعد إلى السماء وهم يرونه بلا كتاب وينزل ومعه كتاب تعنّتا له صلّى الله عليه وسلّم فأعلم الله جل وعز أن آباءهم قد تعنّتوا موسى صلّى الله عليه وسلّم بأكبر من هذا. فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً جهرة نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة، وقول أبي عبيدة[1]: إن التقدير فقالوا جهرة في موضع الحال.
وَأَرِنا[2]بإسكان الراء بعيدة في العربية لأنه حذف بعد حذف. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ أي بعظيم ما جاءوا به. ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي البراهين أنه لا معبود إلا الله جلّ وعزّ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً من الآيات التي جاء بها وسمّيت الآية سلطانا لأن من جاء بها قاهر بالحجة وهي قاهرة للقلوب بأن تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها.
[سورة النساء (4) : آية 154]
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154)
وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً على الحال. وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ[3]من عدا
[1]انظر مجاز القرآن 1/ 142.
[2]راجع إعراب الآية 127- البقرة.
[3]انظر البحر المحيط 3/ 403.
تعدو، وتعدّوا، والأصل فيه تعتدوا، فأدغمت التاء في الدال، ولا يجوز إسكان العين ولا يوصل إلى الجمع بين ساكنين في هذا، والذي يقرأ بهذا إنما يروم الخطأ.
[سورة النساء (4) : آية 155]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155)
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ خفض بالباء و «ما» زائدة. وَكُفْرِهِمْ عطف وكذا وَقَتْلِهِمُ.
[سورة النساء (4) : الآيات 157 الى 158]
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158)
كسرت «إنّ» لأنها مبتدأة بعد القول وفتحها لغة. رَسُولَ اللَّهِ بدل، وإن شئت على معنى أعني وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ رويت روايات في التشبيه الذي كان منها أن رؤساءهم لمّا فقدوا المسيح أخذوا رجلا فقتلوه ولبّسوه ثيابا مثل ثياب المسيح وصلبوه على خشبة مرتفعة ومنعوا الناس من الدنوّ منه لئلّا يفطن بهم ثم دفنوه ليلا، وقيل: كان المسيح صلّى الله عليه وسلّم محبوسا عند خليفة قيصر فاجتمعت اليهود إليه فتوهّم أنهم يريدون خلاصه فقال لهم: أنا أخلّيه لكم قالوا بل نريد قتله فرفعه الله جل وعز إليه أي حال بينهم وبينه فأخذ خليفة قيصر رجلا فقتله وقال لهم: قد قتلته خوفا منه فهو الذي شبّه عليهم، وقد يكون آمن به وأطلقه فرفع وشبّه عليهم بغيره ممّن قد استحق القتل في حبسه، وقد يكون امتنع من قتله لما رأى من الآيات قال الله جلّ وعزّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ تمّ الكلام. ثم قال جلّ وعزّ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء ليس من الأول في موضع نصب، وقد يجوز أن يكون في موضع رفع على البدل أي ما لهم به علم إلّا اتباع الظن، وأنشد سيبويه: [الرجز] 110-
وبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس[1]
وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً نعت لمصدر وفيه تقديران: أبينهما أنّ التقدير قال الله جلّ وعزّ هذا قولا يقينا، والقول الآخر أن يكون المعنى وما علموه علما يقينا وروى الأعشى عن أبي بكر بن عياش عن عاصم:
[1]الشاهد لجران العود في ديوانه ص 97، وخزانة الأدب 10/ 15، والدرر 3/ 162، وشرح أبيات سيبويه 2/ 140، وشرح التصريح 1/ 353، وشرح المفصل 2/ 117، والمقاصد 3/ 107، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 91، والإنصاف 1/ 271، وأوضح المسالك 2/ 261، والجنى الداني 164، ورصف المباني ص 417، وشرح الأشموني 1/ 229، وشرح شذور الذهب 344.
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً بغير إدغام والإدغام أجود لقرب اللام من الراء وأنّ في الراء تكريرا فالإدغام فيها حسن. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي قادرا على أن يمنع أولياءه من أعدائه ولا يمنعه من ذاك مانع ولا يغلبه غالب. حَكِيماً فيما يدبّره من أمور خلقه.
[سورة النساء (4) : آية 159]
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159)
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لأن أهل الكتاب فيه على ضربين منهم من كذّبه ومنهم من اتّخذه إلها فيضطرّ قبل موته إلى الإيمان به لأنه يتبيّن أنه كان على باطل إذا عاين وتقدير سيبويه[1]وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن به، وتقدير الكوفيين وإن من أهل الكتاب إلّا من ليؤمننّ به، وحذف الموصول خطأ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي على من كان فيهم.
[سورة النساء (4) : آية 160]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160)
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قال أبو إسحاق: هذا بدل من فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [آية: 155] حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ نحو كل ذي ظفر وما أشبهه وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أي صدّا كثيرا.
[سورة النساء (4) : آية 162]
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162)
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ رفع بالابتداء. يُؤْمِنُونَ في موضع الخبر، والكوفيون يقولون: رفع بالضمير وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، في نصبه ستة أقوال فسيبويه ينصبه على المدح أي وأعني المقيمين. قال سيبويه: هذا باب ما ينصب على التعظيم ومن ذلك المقيمين الصلاة وأنشد[2]: [البسيط] 111-
وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحدا ... والقائلون لمن دار نخلّيها
وأنشد[3]: [الكامل]
[1]انظر الكتاب 2/ 363.
[2]البيتان لمالك بن خياط العكلي في شرح أبيات سيبويه 2/ 21، والكتاب 2/ 59، ولابن حماط العكلي في خزانة الأدب 5/ 42، وبلا نسبة في الإنصاف 2/ 470، ولسان العرب (ظعن) ، وتاج العروس (ظعن) .
[3]مرّ البيتان في الشاهد رقم (33) .
112-
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكلّ معترك ... والطّيبون معاقد الأزر
وهذا أصحّ ما قيل في المقيمين، وقال الكسائي: وَالْمُقِيمِينَ معطوف على «ما» . قال أبو جعفر: وهذا بعيد لأن المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين، وحكى محمد بن جرير أنه قيل: إن المقيمين هنا الملائكة عليهم السلام لدوامهم على الصّلاة والتسبيح والاستغفار، واختار هذا القول، وحكى أنّ النصب على المدح بعيد لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر، وخبر الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ في أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً فلا ينتصب على المدح ولم يتمّ خبر الابتداء لأنه جعل «والمؤتون» عطفا وجعل الخبر ما ذكر. ومذهب سيبويه غير ما قال، وقيل: والمقيمين عطف على الكاف التي في قبلك أي من قبلك ومن قبل المقيمين وقيل: «والمقيمين» عطف على الكاف التي في أولئك وقيل: هو معطوف على الهاء والميم أي منهم ومن المقيمين. وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض، والجواب السادس أن يكون و «المقيمين» عطفا على قبلك ويكون المعنى ومن قبل المقيمين ثم أقام المقيمين مقام قبل كما قال وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وقرأ سعيد بن جبير وعاصم الجحدري والمقيمون الصلاة وكذا هو في حرف عبد الله بن مسعود فأما حرف أبيّ فهو فيه وَالْمُقِيمِينَ[1]كما في المصاحف. وَالْمُؤْتُونَ[2]فيه خمسة أقوال: قال سيبويه: وأما «المؤتون» فمرفوع بالابتداء. وقال: غيره: هو مرفوع على إضمار مبتدأ أي فهم المؤتون الزكاة، وقيل هو معطوف على المضمر الذي في المقيمين، وقيل: هو عطف على المضمر الذي في يؤمنون أي يؤمنون هم والمؤتون، والجواب الخامس أن يكون معطوفا على الراسخين.
[سورة النساء (4) : آية 163]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163)
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ انصرف نوح وهو اسم أعجمي لأنه على ثلاثة أحرف فخفّ فأما إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ فأعجمية وهي معرفة فلذلك لم ينصرف، وكذا يعقوب وعيسى وموسى إلا أن عيسى وموسى يجوز أن تكون الألف فيهما للتأنيث فلا ينصرفان في معرفة ولا نكرة. روي عن الحسن أنه قرأ ويونس[3]بكسر النون
[1]وهي قراءة عمرو بن عبيد وعيسى بن عمرو مالك بن دينار وعصمة عن الأعمش ويونس وهارون عن أبي عمرو أيضا، انظر البحر المحيط 3/ 411.
[2]انظر البحر المحيط 3/ 412.
[3]وهي قراءة نافع في رواية ابن جماز عنه أيضا، انظر البحر المحيط 3/ 413.
وكذا يوسف بكسر السين يجعلهما من أنس وأسف ويجب على هذا أن ينصرفا ويهمزا ويكون جمعهما يأ أنس ويأ اسف ومن لم يهمز قال: يوانس ويواسف وحكى أبو زيد: يونس ويوسف.
[سورة النساء (4) : آية 164]
وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164)
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ بإضمار فعل أي وقصصنا رسلا لأنه معطوف على ما قد عمل فيه الفعل ومثله ما أنشد سيبويه[1]: [المنسرح] 113-
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
والذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا
ويجوز أن يكون وَرُسُلًا عطفا على المعنى لأن المعنى إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إنا أرسلناك موحين إليك وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك من قبل وفي حرف أبيّ ورسل[2]بالرفع. وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً مصدر مؤكّد، وأجمع النحويون على أنك إذا أكّدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا وأنه لا يجوز في قول الشاعر: [الرجز] 114-
امتلأ الحوض وقال قطني[3]
أن يقول: قال قولا فكذا لمّا قال: تكليما وجب أن يكون كلاما على الحقيقة من الكلام الذي يعقل.
[سورة النساء (4) : آية 165]
رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165)
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ على البدل من وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ ويجوز أن يكون على
[1]البيتان للربيع بن ضبع في أمالي المرتضى 1/ 255 وحماسة البحتري 201، وخزانة الأدب 7/ 384، وشرح التصريح 2/ 36، والكتاب 1/ 144، ولسان العرب (ضمن) ، والمقاصد النحوية 3/ 398، وبلا نسبة في الردّ على النحاة 114، وشرح المفصّل 7/ 105، والمحتسب 2/ 99.
[2]انظر البحر المحيط 3/ 414. [.....]
[3]الشاهد بلا نسبة في إصلاح المنطق ص 57، والإنصاف 130، وأمالي المرتضى 2/ 309، وتخليص الشواهد 111، وجواهر الأدب ص 151، والخصائص 1/ 23، ورصف المباني ص 362، وسمط اللآلي 475، وشرح الأشموني 1/ 57، وشرح المفصّل 1/ 82، وكتاب اللامات 140، ولسان العرب (قطط) و (قطن) ، ومجالس ثعلب ص 189، والمقاصد النحوية 1/ 361، ومقاييس اللغة 5/ 14، والمخصّص 14/ 62، وتهذيب اللغة 8/ 264، وكتاب العين 5/ 14، وبعده:
«مهلا رويدا قد ملأت بطني»