[سورة المائدة (5) : آية 24]
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24)
أَبَداً ظرف زمان. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ عطف على المضمر الذي في فَاذْهَبْ لأنك قد أكّدته، ويقبح عند البصريين أن تعطف على المضمر المرفوع إذا لم تؤكّده لأنه كأحد حروف الفعل إلا أنه جائز عندهم في الشعر وهو عند الفراء[1]جائز في كل موضع. إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ خبر إنّ، ويجوز في غير القرآن قاعدين على الحال لأن الكلام قد تمّ.
[سورة المائدة (5) : آية 25]
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25)
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي الأصل إنّني حذفت النون لاجتماع النونات.
وَأَخِي في موضع نصب عطف على نفسي، وإن شئت كان عطفا على اسم إن، ويجوز أن يكون موضعه رفعا عطفا على الموضع، وإن شئت على المضمر، وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ فَافْرُقْ[2]بكسر الراء ومعنى فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ اجعل دارنا الجنة ليكون بيننا وبينهم فرق.
[سورة المائدة (5) : آية 26]
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26)
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ اسم «إن» وخبرها. ومعنى محرمة أنّهم ممنوعون من دخولها كما يقال: حرّم الله وجهك على النار. أَرْبَعِينَ سَنَةً ظرف زمان.
[سورة المائدة (5) : آية 27]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)
وَاتْلُ أمر فلذلك حذفت منه الواو. أمر الله تعالى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يتلو على اليهود خبر ابني آدم إذ قرّبا قربانا وإن كان عندهم في التوراة ليعلمهم أنّ سبيلهم في عصيان الله تعالى وكفرهم بنبيه صلّى الله عليه وسلّم سبيل ابن آدم عليه السلام وأنهم ليسوا أكرم على الله من ابن آدم لصلبه وكان في ذلك دلالة على نبوته صلّى الله عليه وسلّم إذ كان لم يقرأ الكتب وأما قول عمرو مجاهد إنّ اللذين قرّبا قربانا من بني إسرائيل فغلط يدلّ على ذلك قوله عزّ وجلّ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي من المتقين من المعاصي.
[1]انظر معاني الفراء 1/ 304، والبحر المحيط 3/ 471.
[2]هذه قراءة عبيد بن عمير ويوسف بن داود، انظر البحر المحيط 3/ 472.
[سورة المائدة[5]: آية 29]
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29)
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقال: كيف يريد المؤمن هذا؟ ففي هذا قولان:
محمد بن يزيد: هذا مجاز لمّا كان المؤمن يريد الثواب ولا يبسط يده بالقتل كان بمنزلة من يريد هذا، والجواب الآخر أنه حقيقة لأنه لما قال له: لأقتلنّك استوجب النار بهذا فقد أراد الله تعالى أن يكون من أهل النار فعلى المؤمنين أن يريدوا ذلك فأما معنى بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فمن أحسن ما قيل فيه- وهو مذهب سيبويه[1]- أنّ المعنى بإثمنا لأن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، وحكى سيبويه: المال بيني وبينك أي بيننا، وأنشد: [الوافر] 120-
فأيّي ما وأيّك كان شرّا[2]
أي فأيّنا، ويجوز أن يكون بإثمي بإثم قولك لي لأقتلنك، ويجوز أن يكون المعنى بإثم قتلي إن قتلتني. فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ عطف. وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ابتداء وخبر.
[سورة المائدة[5]: الآيات 30 الى 31]
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)
وقرأ أبو واقد فطاوعت له نفسه[3].
قال أبو جعفر: هذا بعيد لأنه إنما يقال: طاوعته نفسه.
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أي أحدث له شهوة في هذا لِيُرِيَهُ لام كي يكون لما آل أمره إلى هذا كان كأنه فعله ليريه، ويجوز أن يكون المعنى ليريه الله، وإن خفّفت الهمزة قلت: سوّة. يا وَيْلَتى[4]الأصل: يا ويلتي ثم أبدل من الياء ألفا. وقرأ الحسن يا ويلتي[5]بالياء. والأول أفصح لأن حذف الياء في النداء أكثر. ومذهب
[1]انظر الكتاب 2/ 421.
[2]الشاهد لعباس بن مرداس في الكتاب 2/ 422، وهو في ديوانه ص 148، وخزانة الأدب 4/ 367، وذيل الأمالي ص 60، وشرح أبيات سيبويه 2/ 93، وشرح ديوان زهير 113، وشرح المفصّل 2/ 131، ولسان العرب (قوم) . وعجزه:
«فسيق إلى المقامة لا يراها»
[3]هذه قراءة الحسن بن عمران والجراح ورويت عن الحسن، انظر المحتسب 1/ 209.
[4]قرأ الجمهور (يا ويلتا) بألف بعد التاء، وهي بدل من ياء المتكلم، انظر البحر المحيط 3/ 481.
[5]هذه قراءة الحسن، وأمال حمزة والكسائي وأبو عمرو ألف ويلتي، انظر البحر المحيط 3/ 481. [.....]
سيبويه[1]أن النداء إنما يقع في هذه الأشياء على المبالغة إذا قلت: يا عجبا فكأنك قلت: يا عجب احضر فهذا وقتك، فهذا أبلغ من قولك: هذا وقت العجب ويا ويلتا كلمة تدعو بها العرب عند الهلاك هذا قول سيبويه[2]، وقال الأصمعي: ويل بعد وقرأ الحسن أَعَجَزْتُ[3]بكسر الجيم. وهذه لغة شاذة إنما يقال: عجزت المرأة إذا عظمت عجيزتها، وعجزت عن الشيء أعجز عجزا ومعجزة ومعجزة. فَأُوارِيَ[4]عطف على أكون، ويجوز أن يكون جواب الاستفهام.
[سورة المائدة[5]: آية 32]
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)
وقرأ يزيد بن القعقاع مِنْ أَجْلِ ذلِكَ[5].
بكسر النون وإسقاط الهمزة، وهذا على لغة من قال: أجل ثمّ خفّفت الهمزة.
يقال: أجلت الشيء آجله أجلا وإجلا إذا جنيته. أَنَّهُ في موضع نصب أي بأنّه والهاء كناية عن الحديث، ويجوز إنه بالكسر على الحكاية، والجملة خبر «انّ» . وقرأ الحسن أو فسادا[6]أي أو عمل فسادا، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي أو أفسد فسادا.
[سورة المائدة[5]: آية 33]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33)
جَزاءُ رفع بالابتداء وخبره أَنْ يُقَتَّلُوا والتقدير: الذي يحاربون أولياء الله ومتّبعي رسله، وقرأ الحسن أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ والأصل أيديهم حذفت الضمة من الياء لثقلها، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ابتداء وخبر.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ يدلّ على أن الحدّ لا يزيل عقوبة الآخرة عمّن لم يتب.
[سورة المائدة[5]: آية 34]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا في موضع نصب بالاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع رفع
[1]انظر الكتاب 2/ 222.
[2]انظر الكتاب 1/ 396.
[3]وهذه قراءة ابن مسعود وفياض وطلحة وسليمان أيضا. انظر البحر المحيط 3/ 481.
[4]انظر البحر المحيط 3/ 481.
[5]انظر البحر المحيط 3/ 483، والمحتسب 1/ 209.
[6]انظر مختصر ابن خالويه 32، والمحتسب 1/ 210، والبحر المحيط 3/ 484.
بالابتداء، ويكون التقدير: إلّا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لهم. غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[سورة المائدة (5) : آية 35]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ.
أي بترك المعاصي والجهاد.
[سورة المائدة (5) : آية 38]
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ رفع بالابتداء، والخبر فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وعند سيبويه[1]الخبر محذوف والتقدير عنده: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، والرفع عند الكوفيين بالعائد، وقرأ عيسى بن عمر وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ[2]نصبا وهو اختيار سيبويه. قال[3]: إلا أن العامة أبت إلّا الرفع، يريد بالعامة الجماعة ونصبه بإضمار فعل أي: اقطعوا السارق والسارقة وإنما اختار النصب لأن الأمر بالفعل أولى. وقد خولف سيبويه في هذا فزعم الفراء[4]: أن الرفع أولى لأنه ليس يقصد به إلى سارق بعينه فنصب وإنما المعنى كلّ من سرق فاقطعوا يده. وهذا قول حسن غير مدفوع. يدلّ عليه أنهم قد أجمعوا على أن قرءوا وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النساء: 16] وهذا مذهب محمد ابن يزيد، فأما فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ولم يقل فيه: يديهما فقد تكلّم فيه النحويون فقال الخليل: أرادوا أن يفرّقوا بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان فقال: أشبعت بطونها. وإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: 4] ، وقال الفراء: لما كان أكثر ما في الإنسان من الجوارح اثنين حملوا الأقل على الأكثر، وقال غيرهما: فعل هذا لأن التثنية جمع، وقيل: لأنه لا يشكل، وأجاز النحويون التثنية على الأصل والتوحيد لأنه يعرف، وأجاز سيبويه جمع غير هذا، وحكى: وصغار حالهما يريد رحلي راحلتين.
جَزاءً بِما كَسَبا مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا، وكذا نَكالًا مِنَ اللَّهِ.
[سورة المائدة (5) : آية 39]
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ شرط وجوابه فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ.
[1]انظر الكتاب 1/ 196.
[2]وهذه قراءة ابن أبي عبلة أيضا. انظر معجم القراءات القرآنية 2/ 208 وتفسير القرطبي 6/ 116، والكشاف 1/ 377، والبحر المحيط 3/ 489.
[3]انظر الكتاب 1/ 197.
[4]انظر معاني الفراء 1/ 306.
[سورة المائدة (5) : آية 41]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41)
لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ويقال: يحزنك، والأول أفصح. مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ أي لم يضمروا في قلوبهم الإيمان كما نطقت به ألسنتهم. وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا يكون هذا تمام الكلام ثم قال جلّ وعزّ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي هم سمّاعون ومثله طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ [النور: 58] . وقال الفراء[1]: ويجوز سمّاعين وطوّافين كما قال: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا [الأحزاب: 61] وكما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور: 17] ثم قال فاكِهِينَ [الطور: 18] وآخِذِينَ [الذاريات: 26] ويجوز أن يكون المعنى: ومن الذين هادوا قوم سمّاعون للكذب.
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ثم قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي يتأوّلونه على غير تأويله بعد أن فهموه عنك وعرفوا مواضعه التي أرادها الله عزّ وجلّ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أي إن أعطيتم هذا الذي قلنا لكم فاقبلوه. وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أي إن نهيتم عنه فَاحْذَرُوا أن تقبلوه ممن قال لكم فإنه ليس بنبيّ يريدون أن يروا ضعفتهم أنّهم ينصحونهم. أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي لم يرد الله عزّ وجلّ أن يطهّر قلوبهم من الطبع عليها والختم كما طهر قلوب المؤمنين ثوابا لهم.
[سورة المائدة (5) : آية 42]
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ[2].
على التكثير. والسّحت في اللغة كلّ حرام يسحت الطاعات أي يذهبها، وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع أكّالون للسّحت[3]بفتح السين، وهذا مصدر من سحته يقال: سحت وأسحت بمعنى واحد، وقال أبو إسحاق[4]:
سحته ذهب به قليلا قليلا.
[1]انظر معاني الفراء 1/ 309.
[2]قرأ النحويان وابن كثير (السّحت) بضمتين، وقرأ باقي السبعة بإسكان الحاء.
[3]انظر البحر المحيط 3/ 501، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.
[4]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 662. [.....]
[سورة المائدة (5) : آية 44]
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44)
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ «هدى» في موضع رفع بالابتداء ونور عطف عليه وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عطف على النبيين. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ رفع بالابتداء وخبره: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وقد ذكرنا معناه. ومن أحسن ما قيل فيه قول الشّعبيّ قال: هذا في اليهود خاصة ويدلّ على ما قال ثلاثة أشياء: منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله لِلَّذِينَ هادُوا فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدلّ على ذلك ألا ترى أنّ بعده. وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها فهذا الضمير لليهود بإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص فإن قال قائل «من» إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلّا أن يقع دليل على تخصيصها، قيل له «من» هاهنا بمعنى الذي مع ما ذكرنا من الأدلّة والتقدير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: من لم يحكم بما أنزل الله مستحلّا لذلك. وقد قيل: من ترك الحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر.
[سورة المائدة (5) : آية 45]
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)
الآية فيها وجوه[1]: قرأ نافع وعاصم والأعمش بالنصب في جميعها، وهذا بين على العطف. ويجوز تخفيف أن ورفع الكل بالابتداء والعطف، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلّا الجروح. قال أبو جعفر: حدّثنا محمد بن الوليد عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: حدثنا حجّاج عن هارون عن عبّاد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ[2]الرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر، وعلى المعنى لأن المعنى قلنا لهم النفس بالنفس، والوجه الثالث قاله أبو إسحاق[3]: يكون عطفا على المضمر. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ شرط وجوابه ويجوز في غيرة القرآن فمن اصّدّق به.
[1]انظر البحر المحيط 3/ 506، ومعاني الفراء 1/ 309.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 310.
[3]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجّاج 664.
[سورة المائدة (5) : آية 46]
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)
وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً على الحال. فِيهِ هُدىً في موضع رفع بالابتداء. وَنُورٌ عطف عليه. وَمُصَدِّقاً فيه وجهان يجوز أن يكون لعيسى صلّى الله عليه وسلّم ونعطفه على مصدّق الأول، ويجوز أن يكون للإنجيل ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقرّا فيه هدّى ونور ومصدّقا. وَهُدىً وَمَوْعِظَةً عطف على مصدّق.
[سورة المائدة (5) : آية 47]
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47)
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ أمر ويجوز كسر اللام والجزم لأن أصل اللام الكسر، وفي الكلام حذف، والمعنى: وأمرنا أهله أن يحكموا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فحذف هذا، وقرأ الأعمش وحمزة وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ[1]على أنها لام كي، والأمر أشبه وسياق الكلام يدلّ عليه. قال أبو جعفر: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأنّ الله تعالى لم ينزل كتابا إلّا ليعمل فيما فيه وأمر بالعمل بما فيه فصحّتا جميعا. وإذا كانت لام كي ففي الكلام حذف أي وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه أنزلناه عليهم.
[سورة المائدة (5) : آية 48]
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً حال. وَمُهَيْمِناً عطف عليه. لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً روي عن ابن عباس أنه قال: الشرعة والمنهاج الإسلام والسنّة، وقيل:
الشرعة ابتداء الشيء وهو قول لا إله إلّا الله، والمنهاج جملة الفرائض، وقيل: هما واحد ومن أحسن ما قيل فيه أن الشريعة والشرعة واحد وهو ما ظهر من الدين مما يؤخذ بالسمع نحو الصلاة والزكاة وما أشبههما، ومنه أشرعت بابا إلى الطريق، ومنه شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، ومنه إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً [الأعراف: 163] ومنه طريق شارع، ومنه الشّراع، والمنهاج الطريق الواضح البيّن المستقيم فجعل شريعة وطريقا بيّنا أي برهانا واضحا. ودلّ بهذا على أن شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم مخالفة لشريعة موسى صلّى الله عليه وسلّم. لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي لجعل شريعتكم واحدة.
[1]انظر معاني الفراء 1/ 312 وقرأ أبي (وأن ليحكم) بزيادة أن قبل لام كي، انظر البحر المحيط 3/ 511.
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما في الكلام حذف تتعلق به لام كي أي ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليبلوكم أي ليتعبّدكم آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا أي فاسبقوا الخيرات من قبل أن تعجزوا عنها أو تموتوا أو يذهب وقتها.
[سورة المائدة (5) : آية 49]
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49)
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وقد كان خيّره قبل هذا فنسخ التخيير بالحتم والدليل على أنّ هذا ناسخ وأنّ على الإمام أن يحكم على أهل الكتاب بالحقّ قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ [النساء: 35] . وَأَنِ احْكُمْ «أن» في موضع نصب عطفا على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله أي بحكم الله الّذي أنزله إليك في كتابه. وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ الهاء والميم في موضع نصب يجب أن يكون هذا على قول من قال: حاذر، ويجوز أن يكون على قول من قال:
حذر في قول سيبويه وأنشد: [الكامل] 121-
حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار[1]
أَنْ يَفْتِنُوكَ بدل وإن شئت بمعنى من أن يفتنوك.
[سورة المائدة (5) : آية 50]
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ نصب بيبغون. والمعنى أنّ الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء فضارعوا الجاهلية بهذا الفعل. وَمَنْ أَحْسَنُ ابتداء وخبر. مِنَ اللَّهِ حُكْماً على البيان.
[سورة المائدة (5) : آية 51]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ مفعولان وتولّيهم معاضدتهم على المسلمين واختصاصهم، دونهم. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ابتداء وخبر. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي لأنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ووجبت له النار كما وجبت لهم فصار منهم أي من أصحابهم.
[1]الشاهد لأبان اللاحقي في خزانة الأدب 8/ 169، ولأبي يحيى اللاحقي في المقاصد النحوية 3/ 543 وبلا نسبة في الكتاب 1/ 168، وخزانة الأدب 8/ 157، وشرح أبيات سيبويه 1/ 409، وشرح الأشموني 2/ 342، وشرح المفصل 6/ 71، ولسان العرب (حذر) والمقتضب 2/ 116.