أشيئاء على وزن أشيعاع كما يقال: هين وأهوناء. قال أبو حاتم: أشياء أفعال مثل أنباء وكان يجب أن تنصرف إلا أنّها سمعت عن العرب غير معروفة فاحتال لها النحويون باحتيالات لا تصحّ. قال أبو جعفر: أصحّ هذه الأقوال قول الخليل وسيبويه والمازني ويلزم الكسائي وأبا عبيد ألّا يصرفا أسماء وأبناء لأنه يقال فيهما: أبناوات وأسماوات، حدّثني أحمد بن محمد الطبري النحوي يعرف بابن رستم عن أبي عثمان المازني قال:
قلت للأخفش: كيف تصغّر أشياء؟ فقال: أشياء فقلت له: يجب على قولك أن تصغّر الواحد ثم تجمعه فانقطع. قال أبو جعفر وهذا كلام بيّن لأن أشياء لو كانت أفعلاء ما جاز أن تصغّر حتى تردّ إلى الواحد، وأيضا فإن فعلا لا يجمع على أفعلاء، وإمّا أن يكون أفعالا على قول أبي حاتم فمحال لأن أفعالا لا يمتنع من الصرف وليس شيء يمتنع من الصرف لغير علّة، والتقدير لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، وأحسن ما قيل في هذا ما رواه أبو هريرة رحمه الله أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم:
من أبي؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ فالمعنى على هذا لا تسألوا عن أشياء مستورة قد عفا الله عنها بالتوبة إن تبد لكم تسؤكم وعلم الله جلّ وعزّ أن الصلاح لهم أن لا تسألوا عنها، وقيل هذه أشياء عفا الله عنها كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحلال بيّن والحرام بيّن وأشياء سكت الله عزّ وجلّ عنها هي عفو»[1]ومعنى سكت الله عنها لم ينه عنها.
[سورة المائدة (5) : آية 102]
قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102)
أي ردّوا على أنبيائهم فقالوا ليس الأمر كما قلتم.
[سورة المائدة (5) : آية 105]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ.
إغراء لأن معنى عليكم: الزموا. لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ[2]خبر ويجوز أن يكون جزما على الجواب أو على النهي يراد به المخاطبون كما يقال: لا أرينّك هاهنا وإذا كان جزما جاز ضمّه وفتحه وكسره، وحكى الأخفش لا يَضُرُّكُمْ[3]جزما من ضار يضير.
[سورة المائدة (5) : آية 106]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)
[1]هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 4/ 42.
[2]هذه قراءة النخعي، انظر البحر المحيط 4/ 42.
[3]انظر البحر المحيط 4/ 42.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ من أشكل آية في القرآن وقد ذكرنا فيها أقوالا للعلماء، ونذكر هاهنا:
أحسن ما قيل فيها حدّثنا الحسن بن آدم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال:
حدّثنا أبو زيد هارون بن محمد يعرف بابن أبي الهيذام قال: حدّثني أبو مسلم الحسن ابن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال: حدّثنا محمد بن سلمة قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن أبي النّضر عن باذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب عن ابن عباس عن تميم الداريّ في هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قال: برىء الناس منها غيري وغير عدي بن بدّاء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبيل الإسلام فأقبلا من الشام بتجارتهما وقدم عليهم مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم[1]بتجارة ومعه جام من فضّة يريد به الملك وهو مال عظيم قال: فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلّغا ما ترك أهله قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم واقتسمناه إليهما أنا وعدي بن بداء قال: فلمّا قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألوا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه وأتوا به النبي صلّى الله عليه وسلّم فسألهم البيّنة فلم يجدوا بأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله عزّ وجلّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إلى قوله جلّ وعزّ:
أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت خمسمائة الدرهم من عدي بن بداء، وحدّثنا الحسن بن آدم قال: حدّثنا أبو يزيد قال:
حدّثني أبو زائدة زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة قال: وجدت في كتاب أبي بخطّه:
حدّثني محمد بن القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن تميما الداريّ وعديّ بن بدّاء كانا يختلفان إلى مكة في تجارة فخرج معهما رجل من بني سهم ببضاعة فتوفّي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فجاءا بتركته فدفعوها إلى أهله وحبسوا عنهم جاما[2]من فضة مخوصا بالذهب قالوا: لم نره فأتوا بهما النبي صلّى الله عليه وسلّم فأمر بهما فحلفا بالله عزّ وجلّ ما كتمنا ولا ظلمنا فخلّى سبيلهما ثم إن الجام وجد بمكة زعموا أنهم اشتروه من عدي وتميم فقام رجل من أولياء السّهميّين فحلف بالله أنّ الجام
[1]بديل بن أبي مريم، وقيل ابن أبي مارية السهمي، مولى عمرو بن العاص، انظر ترجمته في الإصابة 1/ 45 (609) .
[2]الجام من الفضة: الإناء.
لجام السهمي ولشهادتنا أحقّ من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ثم أخذوا الجام وفيهم أنزلت هذه الآية[1]. شَهادَةُ بَيْنِكُمْ[2]رفع بالابتداء، وخبره اثْنانِ والتقدير شهادة اثنين مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] ويجوز أن يكون اثنان رفعا بفعلهما أي ليكن منكم أن يشهد اثنان، وقيل: «شهادة» رفع بإذا حضر لأنها شهادة مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق أي عند حضور الموت والاثنان مرفوعان عند قائل هذا القول بمعنى أن يشهد اثنان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ نعت. أَوْ آخَرانِ عطف مِنْ غَيْرِكُمْ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما فيه وأنه قيل:
من غيركم من غير أهل دينكم، وقيل: من غير أقربائكم والثاني أولى لأن المعنى أو آخران عدلان من غيركم. كذا يجب أن يكون معنى آخر في اللغة ولا يكون غير المسلم عدلا. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ «أنتم» رفع بفعل مضمر مثل الثاني. تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي صلاة العصر وخصّت بهذا لأنه لا ركوع بعدها فالناس يتفرغون بعدها. فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ يعني المدّعى عليهما. إِنِ ارْتَبْتُمْ معترض والتقدير فيقسمان بالله يقولان لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً أي بقسمنا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى معترض أي ولو كان الميت ذا قربى. وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ متصل بقوله «ثمنا» وقرأ ابن محيصن إنّا إذا لملّاثمين[3]أدغم النون في اللّام.
وهذا رديء في العربية لأن اللام حكمها السكون وإن حرّكت فإنما الحركة للهمزة، ونظير هذا قراءة أبي عمرو ونافع وإنّه أهلك عادا لولى[4][النجم: 51] . قال أبو جعفر: سمعت محمد بن الوليد يقول: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: ما علمت أن أبا عمرو بن العلاء لحن في شيء في صميم العربية إلّا في حرفين أحدهما وإنّه أهلك عادا لّولى والآخرة يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75] .
[سورة المائدة[5]: آية 107]
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)
فَإِنْ عُثِرَ في موضع جزم بالشرط يقال: منه عثرت عليه بالذنب أعثر عثورا وعثرت في المشي أعثر عثارا. فَآخَرانِ رفع بفعل مضمر. يَقُومانِ في موضع نعت. مَقامَهُما مصدر وتقديره مقاما مثل مقامهما ثم أقيم النعت مقام المنعوت والمضاف مقام المضاف إليه. مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ[5]، روي عن أبيّ بن كعب مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ[6]
[1]القصة في البحر المحيط 4/ 43.
[2]وقرأ السلمي والحسن (شهادة) بالنصب والتنوين، انظر البحر المحيط 4/ 43.
[3]انظر البحر المحيط 4/ 48، ومختصر ابن خالويه 35.
[4]انظر كتاب السبعة 615.
[5]هذه قراءة حمزة وأبي بكر، انظر البحر المحيط 4/ 49.
[6]هذه قراءة أبيّ وعلي وابن عباس، انظر البحر المحيط 4/ 49.
بفتح التاء والحاء، وكذا روى حفص بن سليمان عن عاصم بن أبي النجود.
الْأَوْلَيانِ قراءة أهل المدينة يكون بدلا من قوله «فآخران» أو من المضمر في يَقُومانِ وقيل هو اسم ما لم يسم فاعله أي استحقّ عليهم إثم الأوليين مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ والمعنى عند قائل هذا «من الذين استحق عليهم الإثم بالخيانة» ، وعليهم بمعنى فيهم مثل عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [البقرة: 102] أي في ملك سليمان والمعنى الأولى بالميّت أو القسم، وقرأ الكوفيون الأولين[1]بدل من الذين أو من الهاء والميم في عليهم، وروي عن الحسن الأولان[2]. فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ابتداء وخبر وقد ذكرنا ما فيه. والأولى أن يكون لأولياء الميت فأما أن يكون الشاهدان يحلفان فبعيد وإنما أشكل لقوله: لشهادتنا وبيانه أنّ الشهادة بمعنى الخبر وكلّ مخبر شاهد، وقد روى معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: قام رجلان من أولياء الميت فحلفا.
[سورة المائدة (5) : آية 108]
ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108)
ذلِكَ أَدْنى ابتداء وخبر. أَنْ في موضع نصب يَأْتُوا نصب بأن. أَوْ يَخافُوا عطف عليه. أَنْ تُرَدَّ في موضع نصب بيخافوا. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا أمر فلذلك حذفت منه النون. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ نعت للقوم وفسق ويفسق ويفسق أي خرج من الطاعة إلى المعصية.
[سورة المائدة (5) : آية 109]
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ظرف زمان والعامل فيه واسمعوا أي واسمعوا خبر يوم، وقيل: التقدير: واتّقوا يوم يجمع الله الرسل. فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا لا يصحّ قول مجاهد في هذا إنهم يفزعون فيقولون: لا علم لنا لأن الرسل صلّى الله عليهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والصحيح في هذا أن المعنى: ماذا أجبتم في السرّ والعلانية ليكون هذا توبيخا للكفار فيقولون: لا علم لنا فيكون هذا تكذيبا لمن اتّخذ المسيح إلها. إِلَّا ما عَلَّمْتَنا في موضع رفع لأنه خبر التبرية ويجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء.
[سورة المائدة (5) : آية 110]
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110)
[1]انظر تيسير الداني 83، والبحر المحيط 4/ 49. [.....]
[2]انظر معاني الفراء 1/ 324، والبحر المحيط 4/ 51.
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يكون على دعوة واحدة فيكون عِيسَى صلّى الله عليه في موضع نصب ويكون على دعوتين فيكون عِيسَى عليه السلام في موضع ضمّ وابْنَ مَرْيَمَ
[1]نداء ثانيا، وإن شئت بدلا وإن شئت نعتا على الموضع ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافا إلّا عند الطوال فإنه أجاز الرفع، وقرأ ابن محيصن إذ آيدتك[2]وكذا روي عن مجاهد، وكذا روى الحسين بن علي الجعفيّ عن أبي عمرو. وتُكَلِّمُ في موضع نصب على الحال. وَكَهْلًا عطف عليه، ويجوز أن يكون معطوفا على الموضع. فِي الْمَهْدِ أي أيدتك صغيرا في المهد وكبيرا كهلا وحكى ثابت بن أبي ثابت: إن الكهل ابن أربعين إلى الخمسين، وقال غيره: ابن ثلاث وثلاثين. وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. معنى تخلق تقدّره تقديرا مستويا لا زيادة فيه ولا نقصان. فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي[3]أي فيقلب الله عزّ وجلّ الروح الذي يكون من النفخ لحما ودما وقد قرئ طَيْراً! وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي معنى بإذني بدعوتي فأبرئهما. قال الخليل رحمه الله: الأكمه الذي يولد أعمى والذي يعمى بعد ما كان يبصر.
[سورة المائدة (5) : آية 111]
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111)
آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ على الأصل ومن العرب من يحذف إحدى النونين..
[سورة المائدة (5) : آية 112]
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)
أي هل يفعل ذلك لمسألتنا وقد ذكرناه. قالَ اتَّقُوا اللَّهَ وقرأ الكسائي هل تستطيع ربّك[4]أي هل تستطيع أن تسأل ربك قال: اتّقوا الله أي اتّقوا معاصي الله وكثرة السؤال فإنكم لا تدرون ما يحلّ بكم عند اقتراح الآيات إذ كان الله جلّ وعزّ إنما يفعل الأصلح بعباده. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به فقد جئتكم من الآيات بما فيه غناء.
[1]انظر البحر المحيط 4/ 54.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 55.
[3]انظر تيسير الداني 83، والبحر المحيط 4/ 55.
[4]انظر تيسير الداني 83.
[سورة المائدة (5) : آية 113]
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نصب بأن. وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ عطف كلّه.
[سورة المائدة (5) : آية 114]
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ الأصل عند سيبويه[1]يا الله والميمان بدل من يا.
رَبَّنا نداء ثان، لا يجيز سيبويه غيره ولا يجوز عنده أن يكون نعتا لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما لحقه. أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ سؤال. تَكُونُ نعت المائدة وليس بجواب، وقرأ الأعمش تكن لنا عيدا[2]على الجواب. والمعنى يكون يوم نزولها عيدا لنا. لِأَوَّلِنا لأوّل أمتنا وآخرها، وقرأ عاصم الجحدري. لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا[3].
[سورة المائدة (5) : آية 115]
قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115)
وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق.
[سورة المائدة (5) : آية 116]
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)
المعنى وإذ يقول الله يوم القيامة «وفعل» تأتي بمعنى «يفعل» ، و «يفعل» بمعنى «فعل» إذا عرف المعنى لأن الفعل واحد وإنما اختلف لاختلاف الزمان، وأنشد سيبويه في نظير الآية: [الكامل] 127-
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني[4]
[1]انظر الكتاب 2/ 198.
[2]قرأ عبد الله والأعمش (يكن) بالجواب على جواب الأمر، انظر البحر المحيط 4/ 60.
[3]وهذه قراءة زيد بن ثابت وابن محيصن أيضا، انظر البحر المحيط 4/ 60.
[4]الشاهد لرجل من سلول والكتاب 3/ 22، والدرر 1/ 78، وشرح التصريح 2/ 11، وشرح شواهد المغني 1/ 310، والمقاصد النحوية 4/ 58، ولشمر بن عمرو الحنفي في الأصمعيات 126، ولعميرة بن جابر الحنفي في حماسة البحتري 171، وبلا نسبة في الأزهية ص 263، والأشباه والنظائر 3/ 90، والأضداد ص 132، وأمالي ابن الحاجب 631، وجواهر الأدب 307، وخزانة الأدب 1/ 357، والخصائص 2/ 338، وشرح شواهد الإيضاح 221، وشرح شواهد المغني 1/ 84، وشرح ابن عقيل 475، ولسان العرب (ثم) و (منن) .
وقال آخر: [الكامل] 128-
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح[1]
يريد فلقد كان. قالَ سُبْحانَكَ مصدر أي تنزيها لك أن يكون معك إله سواك.
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ هذا التمام و «بحق» من صلة لي ولا بدّ للباء من أن تكون متعلقة بشيء. تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي تعلم حقيقة ما عندي ولا أعلم حقيقة ما عندك على الازدواج. قال المازني: التقدير إن قيل كنت قلته.
[سورة المائدة (5) : آية 117]
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
أَنِ لا موضع لها من الإعراب وهي مفسّرة مثل وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: 6] ، ويجوز أن تكون «أن» في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلّا عبادة الله جلّ وعزّ، ويجوز أن تكون في موضع خفض أي: بأن اعبدوا، وضمّ النون أجود لأنهم يستثقلون كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين[2]. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ (ما) في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ قيل هذا يدلّ على أن الله جل وعز توفاه قبل أن يرفعه.
[سورة المائدة (5) : آية 118]
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ شرط وجوابه. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مثله وقد مضى تفسيره العزيز الذي لا يقهر الحكيم في فعله.
[سورة المائدة (5) : آية 119]
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ هذه القراءة البينة على الابتداء والخبر، وفيها وجهان آخران: أحدهما هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ بالتنوين ويحذف فيه مثل
[1]الشاهد لزياد الأعجم في ديوانه 54، وأمالي المرتضى 2/ 301، وخزانة الأدب 10/ 4، والشعر والشعراء 1/ 438، ولسان العرب (كون) ، وللصلتان العبدي في أمالي المرتضى 2/ 199، وبلا نسبة في تخليص الشواهد 512، وخزانة الأدب 1/ 217.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 64، والكشاف 1/ 694.
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [البقرة: 123] . والوجه الآخر هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ[1]بنصب يوم. حكى إبراهيم بن حميد عن محمد بن يزيد إنّ هذه القراءة لا تجوز لأنه نصب خبر الابتداء. قال أبو جعفر: ولا يجوز فيه البناء وقال إبراهيم بن السريّ[2]هي جائزة بمعنى قال الله هذا لعيسى يوم ينفع الصادقين صدقهم أي قاله يوم القيامة، وقال غيره: التقدير قال الله جلّ وعزّ هذه الأشياء تقع يوم القيامة، وقال الكسائي والفراء[3]: بني «يوم» هاهنا على النصب لأنه مضاف إلى غير اسم كما تقول: مضى يومئذ وأنشد الكسائي: [الطويل] 129-
على حين عاتبت المشيب على الصّبا ... وقلت ألمّا تصح والشّيب وازع[4]
ولا يجيز البصريون ما قالاه إذا أضفت الظرف إلى فعل مضارع فإن كان ماضيا كان جيدا كما مرّ في البيت. وإنّما جاز أن يضاف إلى الفعل ظروف الزمان لأن الفعل بمعنى المصدر. قال أبو إسحاق: حقيقة الحكاية أَبَداً ظرف زمان.
[سورة المائدة (5) : آية 120]
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ابتداء وخبر.
[1]انظر البحر المحيط 4/ 67، وتيسير الداني 84، وهذه قراءة نافع.
[2]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 717.
[3]انظر معاني الفراء 1/ 326. [.....]
[4]الشاهد للنابغة في ديوانه 32، والكتاب 2/ 345، والأضداد 151، وجمهرة اللغة 1315، وخزانة الأدب 2/ 456، والدرر 3/ 144، وسرّ صناعة الإعراب 2/ 506، وشرح أبيات سيبويه 2/ 53، وشرح التصريح 2/ 42، وشرح شواهد المغني 2/ 816، ولسان العرب (وزع) و (خشف) ، والمقاصد النحوية 3/ 406، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 111، وشرح الأشموني 2/ 315، وشرح ابن عقيل 387، وشرح المفصّل 3/ 16، ومغني اللبيب 571، والمقرب 1/ 290، والمنصف 1/ 58، وهمع الهوامع 1/ 218.