[سورة البقرة[2]: آية 11]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)
وَإِذا في موضع نصب على الظرف. قِيلَ لَهُمْ فعل ماض، ويجوز قِيلَ لَهُمْ بالإدغام. وجاز الجمع بين ساكنين لأن الياء حرف مدّ ولين والأصل: قول ألقيت حركة الواو على القاف فانكسر ما قبل الواو فقلبت ياء. قال الأخفش: ويجوز قيل بضم القاف وبالياء، ومذهب الكسائي إشمام القاف الضّم ليدلّ على أنّه لما لم يسمّ فاعله وهي لغة كثير من قيس، فأما هذيل وبنو دبير[1]من بني أسد وبنو فقعس فيقولون: قول بواو ساكنة «لهم» الهاء والميم خفض باللام[2]. لا تُفْسِدُوا جزم بلا وعلامة الجزم حذف النون. فِي الْأَرْضِ خفض بفي، وإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على اللام وحذفتها ولم تحذف ألف الوصل لأن الحركة عارضة فقلت: الأرض، وحكى الكسائي أللرض لمّا خفّفت الهمزة فحذفها أبدل منها لاما. قال الفراء: لمّا خفّفت الهمزة تحركت اللام فكره حركتها لأنّ أصلها السكون زاد عليها لاما أخرى ليسلم السكون. قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ابتداء وخبر، و «ما» عند سيبويه[3]كافّة لأنّ عن العمل، فأما ضمّ «نحن» ففيه أقوال للنحويين قال هشام[4]: الأصل نحن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء، وقال محمد بن يزيد: نحن مثل قبل وبعد لأنها متعلقة بالإخبار عن اثنين وأكثر قال أحمد بن يحيى: هي مثل حيت تحتاج إلى شيئين بعدها. قال أبو إسحاق الزجاج[5]: «نحن» للجماعة ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو فلما اضطروا إلى حركة نحن لالتقاء الساكنين حرّكوها بما يكون للجماعة قال: ولهذا ضمّوا واو الجمع في قول أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: 16] وقال عليّ بن سليمان: نحن يكون للمرفوع فحرّكوها بما يشبه الرفع.
[سورة البقرة[2]: آية 12]
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12)
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ كسرت «إنّ» لأنها مبتدأة. قال عليّ بن سليمان: يجوز فتحها كما أجاز سيبويه[6]: حقا أنّك منطلق بمعنى «ألا» والهاء والميم اسم «إنّ» و «هم» مبتدأ و «المفسدون» خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره خبر «إنّ» ويجوز أن يكون «هم»
[1]بنو دبير: بطن من أسد من خزيمة من العدنانية (جمهرة أنساب العرب 195) .
[2]انظر: البحر المحيط 1/ 191.
[3]انظر الكتاب 3/ 149.
[4]هشام بن معاوية الضرير يكنى أبا عبد الله، صاحب الكسائي. (ت 209 هـ) ترجمته في غاية النهاية 2/ 354.
[5]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 51.
[6]انظر الكتاب 3/ 140.
توكيدا للهاء والميم، ويجوز أن يكون فاصلة والكوفيون يقولون: عماد.
[سورة البقرة[2]: آية 13]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13)
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا ألف قطع لأنك تقول: يؤمن كَما آمَنَ النَّاسُ الكاف في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف أي إيمانا كإيمان الناس. قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ فيه أربعة أقوال أجودها أن تخفّف الهمزة الثانية فتقلبها واوا خالصة وتحقّق الأولى فتقول السّفهاء ولا[1]وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو، وإن شئت خفّفتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والألف وجعلت الثانية واوا خالصة، وإن شئت خفّفت الأولى وحقّقت الثانية وإن شئت حقّقتها جميعا.
[سورة البقرة[2]: آية 14]
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14)
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الأصل لقيوا حذفت الضمّة من الياء لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وقرأ محمد بن السّميفع اليمانيّ وإذا لاقوا الذين آمنوا[2]، والأصل لاقيوا، فإن قيل: لم ضمّت الواو من «لاقوا» في الإدراج وحذفت من «لقوا» ؟ فالجواب أنّ قبل الواو التي في لقوا ضمّة تدلّ عليها فحذفت لالتقاء الساكنين وحرّكت في «لاقوا» لأن قبلها فتحة. الَّذِينَ في موضع نصب بالفعل آمَنُوا داخل في الصلة. قالُوا آمَنَّا جواب إذا. وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على الواو وحذفتها كما يقرأ أهل المدينة، «شياطينهم» خفض بإلى وهو جمع مكسر فلذلك لم تحذف منه النون بالإضافة، والهاء والميم خفض بالإضافة. قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ الأصل إنّنا حذفت منه لاجتماع النونات «معكم» نصب بالاستقرار ومن أسكن العين جعل «مع» حرفا. إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ مبتدأ وخبر فإن خفّفت الهمزة فسيبويه[3]يجعلها بين الهمزة والواو وحجّته أنّ حركتها أولى بها، وزعم الأخفش أنه يجعلها ياء محضة فيقول:
مستهزيون[4]قال الأخفش: أفعل في هذا كما فعلت في قوله: «السفهاء ولا» قال محمد بن يزيد ليس كما قال الأخفش لأن قوله: «السفهاء الا» لو جئت بها بين بين كنت تنحو بها نحو الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا فاضطررت إلى قلبها
[1]انظر تيسير الداني ص 40.
[2]انظر مختصر ابن خالويه[2]
[3]انظر الكتاب 4/ 24. [.....]
[4]انظر مختصر ابن خالويه[2]
واوا وليس كذا مستهزئون، ومن أبدل الهمزة قال: مستهزون وعلى هذا كتبت في المصحف.
[سورة البقرة[2]: آية 15]
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «يستهزئ» : فعل مستقبل في موضع خبر الابتداء، والهاء والميم في موضع خفض بالباء. وَيَمُدُّهُمْ عطف على يستهزئ والهاء والميم في موضع نصب بالفعل فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ في موضع الحال.
[سورة البقرة[2]: آية 16]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16)
أُولئِكَ مبتدأ، الَّذِينَ خبر. اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى في صلة الذين وفي ضم الواو أربعة أقوال، قول سيبويه[1]: أنّها ضمّت فرقا بينها وبين الواو الأصلية نحو وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى [الجن: 16] وقال الفراء: كان يجب أن يكون قبلها واو مضمومة لأنها واو جمع فلمّا حذفت الواو التي قبلها واحتاجوا إلى حركتها حرّكوها بحركة التي حذفت. قال ابن كيسان: الضمة في الواو أخفّ من غيرها لأنها من جنسها، قال أبو إسحاق[2]: هي واو جمع حرّكت بالضم كما فعل في نحن، وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر[3]اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ[4]بكسر الواو وعلى الأصل لالتقاء الساكنين: وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السّمال[5]العدويّ أنه قرأ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بفتح الواو[6]ولخفّة الفتحة وأنّ قبلها مفتوحا، وأجاز الكسائي اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بضم الواو[7]كما يقال: أُقِّتَتْ [المرسلات: 11] وأدؤر. قال أبو جعفر:
وهذا غلط لأن همزة الواو إذا انضمّت إنّما يجوز فيها إذا انضمّت لغير علّة. فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ رفع بربحت. وَما كانُوا مُهْتَدِينَ[8]نصب على خبر كان، والفراء يقول:
حال غير مستغنى عنها. قال ابن كيسان: يجوز تجارة وتجاير وضلالة وضلايل.
[1]انظر الكتاب 4/ 192، وهو قول الخليل.
[2]انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج 52.
[3]يحيى بن يعمر أبو سليمان العدواني البصري، تابعي فقيه أديب نحويّ أخذ النحو عن أبي الأسود، (ت 129 هـ) . ترجمته في (بغية الوعاة 2/ 345، وطبقات الزبيدي 21، وغاية النهاية 2/ 381) .
[4]انظر مختصر ابن خالويه[2]، والمحتسب 1/ 54.
[5]قعنب بن أبي قعنب أبو السّمّال العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن العامة، انظر غاية النهاية (2/ 27) .
[6]انظر البحر المحيط 1/ 204.
[7]انظر المحتسب 1/ 55، ومختصر ابن خالويه[2]
[8]انظر البحر المحيط 1/ 207.
[سورة البقرة[2]: آية 17]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17)
ابتداء. كَمَثَلِ الَّذِي خبره والكاف بمعنى مثل والَّذِي خفض بالإضافة.
اسْتَوْقَدَ ناراً صلته. فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ «ما» : في موضع نصب بمعنى الذي وكذا إن كانت نكرة إلّا أنّ النعت يلزمها إذا كانت نكرة وإن كانت زائدة فلا موضع لها.
وحَوْلَهُ: ظرف مكان والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وأذهب نورهم بمعنى واحد. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ وقرأ أبو السّمال وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ[1]بإسكان اللام حذف الضمة لثقلها، ومن أثبتها فللفرق بين الاسم والنعت، ويقال:
«ظلمات» بفتح اللام. قال البصريون: أبدل من الضمة فتحة لأنّها أخفّ، وقال الكسائي: ظلمات جمع الجمع جمع ظلم: لا يُبْصِرُونَ فعل مستقبل في موضع الحال.
[سورة البقرة[2]: آية 18]
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18)
على إضمار مبتدأ أي هم صمّ: بُكْمٌ عُمْيٌ وفي قراءة عبد الله[2]وحفصة[3]صمّا بكما عميا[4]لأنّ المعنى وتركهم غير مبصرين صما بكما عميا، ويكون أيضا بمعنى أعني.
[سورة البقرة[2]: آية 19]
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19)
الأصل عند البصريين[5]صيوب ثم أدغم مثل ميّت، وعند الكوفيين الأصل صويب ثم أدغم ولو كان كما قالوا لما جاز إدغامه كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيّب صيايب والتقدير في العربية: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل صيب. فِيهِ ظُلُماتٌ ابتداء. وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ معطوف عليه. يَجْعَلُونَ مستأنف وإن شئت كان حالا من الهاء التي في «فيه» فإن قيل: كيف يكون حالا ولم يعد على الهاء شيء؟ فالجواب أنّ
[1]انظر المحتسب 1/ 56، ومختصر ابن خالويه[2]
[2]عبد الله بن مسعود بن الحارث الهذلي، أحد السابقين للإسلام والبدريين، عرض القرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم (ت 32 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 1/ 458.
[3]حفصة بنت عمر بن الخطاب، جليلة، من أزواج الرسول صلّى الله عليه وسلّم. روى لها البخاري ومسلم في الصحيحين (ت 45 هـ) . ترجمتها في الإصابة تر (296) ج 4/ 273.
[4]انظر مختصر ابن خالويه[2]، ومعاني الفراء 1/ 6.
[5]انظر الإنصاف مسألة 115، والبحر المحيط 1/ 218. [.....]
التقدير في صواعقه مثل يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج: 20] . أَصابِعَهُمْ في واحد الأصابع خمس لغات يقال: إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء، ويقال إصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال: بفتحهما جميعا وبكسرهما جميعا وبضمّهما جميعا. وهي مؤنّثة وكذلك الأذن. وروي عن الحسن أنه قرأ من الصّواقع[1]وهي لغة تميم وبعض ربيعة. حَذَرَ الْمَوْتِ ويقال: حذار قال سيبويه[2]: هو منصوب لأنه موقوع له أي مفعول من أجله وحقيقته أنه مصدر، وأنشد سيبويه: [الطويل] 8-
وأغفر عوراء الكريم ادّخاره ... وأعرض عن شتم اللّئيم تكرّما[3]
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ابتداء وخبره.
[سورة البقرة[2]: آية 20]
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ويجوز في غير القرآن يكاد أن يفعل كما قال: [الرجز] 9-
قد كاد من طول البلى أن يمصحا[4]
وفي «يخطف» سبعة أوجه القراءة الفصيحة يَخْطَفُ، وقرأ عليّ بن الحسين ويحيى بن وثّاب يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ[5]بكسر الطاء قال سعيد الأخفش:
هي لغة. وقرأ الحسن[6]وقتادة[7]وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي[8]يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ بفتح الياء وكسر الخاء والطاء، وروي عن الحسن أنّه قرأ بفتح الخاء.
[1]انظر مختصر ابن خالويه 3.
[2]انظر الكتاب 1/ 435، والبحر المحيط 1/ 223.
[3]الشاهد لحاتم الطائي في ديوانه ص 224، والكتاب 1/ 435، وخزانة الأدب 3/ 123، وشراح أبيات سيبويه 1/ 45، وشرح شواهد المغني 2/ 952، وشرح المفصل 2/ 54، واللمع ص 141، والمقاصد النحوية 3/ 75 ونوادر أبي زيد ص 110، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 187، وخزانة الأدب 3/ 115، وشرح ابن عقيل ص 296، والمقتضب 2/ 348.
[4]الشاهد لرؤبة في ملحق ديوانه ص 172، والدرر 2/ 142، وشرح شواهد الإيضاح ص 99، وشرح المفصّل 7/ 121، وبلا نسبة في أدب الكاتب 419، وأسرار العربية ص 5، وتخليص الشواهد ص 329، والمقتضب 3/ 7 وهمع الهوامع 1/ 130، وديوان الأدب 2/ 198.
[5]انظر مختصر ابن خالويه 3، والبحر المحيط 1/ 227، وهي قراءة مجاهد أيضا.
[6]قراءة الحسن في البحر المحيط 1/ 227.
[7]قتادة: ابن دعامة السدوسي، أحد الأئمة في حروف القرآن، (ت 117 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 2/ 25.
[8]أبو رجاء العطاردي: عمران بن تيم البصري التابعي، أسلم في حياة الرسول وعرض القرآن على ابن عباس (ت 105 هـ) . ترجمته في (غاية النهاية 1/ 604) .
قال الفراء[1]: وقرأ بعض أهل المدينة بتسكين الخاء وتشديد الطاء، وقال الكسائي والأخفش والفراء: يجوز يَخْطَفُ بكسر الياء والخاء والطاء، فهذه ستة أوجه موافقة للسواد، والسابع حكاه عبد الوارث قال: رأيت في مصحف أبيّ[2]يكاد البرق يتخطّف أبصارهم زعم سيبويه والكسائي أنّ من قرأ يَخْطَفُ بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده «يختطف» ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. قال سيبويه[3]: ومن فتحها ألقى حركة التاء عليها، قال الفراء[4]: هذا خطأ ويلزم من قاله أن يقول في يمدّ: يمدّ لأن الميم كانت ساكنة وأسكنت الدال بعدها وفي يعضّ يعضّ، قال الفراء[5]: وإنما الكسر لأن الألف في «اختطف» مكسورة. قال أبو جعفر: قال أصحاب سيبويه[6]: الذي قال الفراء لا يلزم لأنه لو قيل: يمدّ ويعضّ لأشكل بيفعل، ويفتعل لا يكون إلّا على جهة واحدة. قال الكسائي: من قال: يخطف كسر الياء لأن الألف في اختطف مكسورة. فأما ما حكاه الفراء[7]عن أهل المدينة من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز لأنه جمع بين ساكنين. كُلَّما:
منصوب لأنه ظرف وإذا كانت كلّما بمعنى إذا فهي موصولة. قال الفراء: يقال: أضاءك وضاءك ويجوز «لذهب بسمعهم» مدغما. وَأَبْصارِهِمْ عطف عليه إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اسم إنّ وخبرها.
[سورة البقرة[2]: آية 21]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
يا أَيُّهَا النَّاسُ ... يا أَيُّهَا يا: حرف النداء، وأيّ: نداء مفرد ضمّ لأنه في موضع المكنيّ، وكان يجب أن لا يعرب فكرهوا أن يخلوه من حركة لأنه قد كان متمكنا فاختاروا له الضمة لأن الفتحة تلحق المعرب في النداء والكسرة تلحق المضاف إليه، وأجاز أبو عثمان المازني «يا أيّها الناس» : على الموضع كما يقال: يا زيد الظّريف. وزعم الأخفش أن «الناس» في صلة أيّ و «هاء» للتنبيه إلا أنّها لا تفارق أيّا لأنها عوض من الإضافة. ولغة بعض بني مالك[8]من بني أسد «يا أيه الرجل» بضم
[1]انظر مختصر في شواذ القرآن 3، ومعاني القرآن للفراء 1: 18.
[2]أبيّ بن كعب: من الخزرج، صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، ولما أسلم كان من كتّاب الوحي، شهد بدرا وأحدا والخندق مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. اشترك في جمع القرآن بتكليف من عثمان بن عفّان، وله في الصحيحين وغيرهما (164 حديثا) (ت 21 هـ/ 642 م) . ترجمته في (طبقات ابن سعد 3، وغاية النهاية 1/ 31، وصفة الصفوة 1/ 188، وحلية الأولياء 1/ 250) .
[3]انظر الكتاب 3/ 10.
[4]انظر معاني الفراء 1/ 18.
[5]انظر الكتاب 3/ 10.
[6]أصحاب سيبويه: هم تلاميذه وأشهرهم الأخفش سعيد بن مسعدة، وقطرب محمد بن المستنير. [.....]
[7]انظر معاني الفراء 1/ 18.
[8]انظر البحر المحيط 1/ 231.
الهاء لما كانت الهاء لازمة حركتها حرّكها بحركة أيّ النَّاسُ تابع لأيّ كالنعت كما ينعت، لا يجوز نصبه عند أبي العباس لأنه لا يستغنى عنه فصار كما تقول: يا ناس، اعْبُدُوا ألف وصل لأنه من يعبد وضممتها والأصل الكسر لئلا تجمع بين كسرة وضمة. قال سيبويه[1]: ليس في الكلام «فعل» وحذف النون للجزم عند الكوفيين ولأنه لم يضارع عند البصريين، رَبَّكُمُ نصب باعبدوا. الَّذِي نعت له. خَلَقَكُمْ في الصلة والكاف والميم نصب بالفعل. وَالَّذِينَ عطف على الكاف والميم. مِنْ قَبْلِكُمْ في الصلة. لَعَلَّكُمْ الكاف والميم اسم لعلّ. تَتَّقُونَ فعل مستقبل علامة رفعه النون وهو في موضع خبر لعل.
[سورة البقرة[2]: آية 22]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... الَّذِي: نعت لربكم وإن شئت كان نعتا للذي خلقكم، وصلح أن يقال نعت للنعت لأن النعت هو المنعوت في المعنى، ويجوز أن يكون منصوبا بتتقون، ويجوز أن يكون بمعنى أعني، وأن يكون في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف ويجوز «جعل لكم»[2]مدغما لأن الحرفين مثلان قد كثرت الحركات، وترك الإدغام أجود لأنها من كلمتين. الْأَرْضَ فِراشاً مفعولان لجعل.
وَالسَّماءَ بِناءً عطف، والسماء تكون جمعا لسماوة وسماءة، وتكون واحدة مؤنّثة مثل عناق وتذكيرها شاذّ، وجمعها سماوات وسماءات وأسم وسمايا، وَالسَّماءَ: المطر، مذكّر، وكذلك السقف في المستعمل، وجمعها أسمية وسميّ وسميّ[3]. «وبناء» يقصر على أنه جمع بنية ومصدر، ويقال: بنيّ جمع بنية وفي الممدود في الوقف خمس لغات: أجودها و «السماء بناء» بهمزة بين ألفين ويجوز تخفيف الهمزة حتى تضعف، ويجوز حذفها لقربها من الساكن وهي بين ساكنين فإذا حذفتها حذفت الألف بعدها فقلت: «بنا» لفظه كلفظ المقصور، ومن العرب من يزيد بعده في صورته مدّة، ومنهم من يعوض من الهمزة ياء فيقول: بنيت بنايا، والبصريون يقولون: هو مشبّه بخطايا، والفراء يقول: ردت الهمزة إلى أصلها لأن أصلها الياء. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً والأصل في ماء موه قلبت الواو ألفا لتحرّكها وتحرّك ما قبلها فقلت: ماه، فالتقى حرفان خفيّان فأبدلت من الهاء همزة لأنها أجلد وهي بالألف أشبه فقلت: ماء فالألف الأولى عين الفعل وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو
[1]الكتاب: 4/ 368.
[2]انظر البحر المحيط 1/ 237.
[3]اللسان (سما) .
الحس عليّ: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين وإن شئت بثلاث فإذا جمعوا أو صغّروا ردّوا إلى الأصل فقالوا: مويه وأمواه ومياه مثل: أجمال وجمال. فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ جمع ثمرة ويقال: ثمر مثل شجر، ويقال: ثمر مثل خشب، ويقال ثمر مثل بدن وثمار مثل إكام. رِزْقاً لَكُمْ مفعول. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً «تجعلوا» جزم بالنهي فلذلك حذفت منه النون «أندادا» مفعول أول و «لله» في موضع الثاني. وَأَنْتُمْ مبتدأ. تَعْلَمُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر والجملة في موضع الحال.
[سورة البقرة[2]: آية 23]
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23)
وَإِنْ كُنْتُمْ في موضع جزم بالشرط. فِي رَيْبٍ خفض بفي مِمَّا نَزَّلْنا «ما» خفض بمن والعائد عليها محذوف لطول الاسم أي ما نزّلناه. عَلى عَبْدِنا خفض بعلى.
فَأْتُوا جواب الشرط، وإن شئت قلت مجازاة. قال ابن كيسان: قصرت فأتوا لأنه من باب المجيء، وحكى الفراء في قراءته فتوا فيجوز فتوا. بِسُورَةٍ خفض الباء. مِنْ مِثْلِهِ خفض بمن. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ نصب بالفعل، جمع شهيد. يقال: شاهد وشهيد مثل قادر وقدير.
[سورة البقرة[2]: آية 24]
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24)
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يقال: كيف دخلت «إن» على «لم» ولا يدخل عامل على عامل؟
فالجواب أنّ «إن» هنا غير عاملة في اللفظ فدخلت على «لم» كما تدخل على الماضي لأنها لا تعمل في لم كما لا تعمل في الماضي فمعنى «إن لم تفعلوا» إن تركتم الفعل.
قال الأخفش سعيد: إنّما جزموا بلم لأنها نفي فأشبهت «لا» في قولك: لا رجل في الدار، فحذفت بها الحركة كما حذفت التنوين من الأسماء، وقال غيره: جزمت بها لأنها أشبهت إن التي للشرط لأنها تردّ المستقبل إلى الماضي كما تردّ «إن» فتحتاج إلى جواب فأشبهت الابتداء، والابتداء يلحق به الأسماء الرفع وهو أولى بالأسماء فكذا حذف مع «إن» لأن أولى ما للأفعال السكون. وَلَنْ تَفْعَلُوا نصب بلن وعلامة نصبه حذف النون، واستوى النصب والجزم في الأفعال لأنهما فرعان وهما بمنزلة النصب والخفض في الأسماء وحكي عن الخليل رحمه الله: أن أصل «لن» «لا» . وإن ردّ عليه هذا سيبويه وقال: لو كان كذا لما جاز: زيدا لن أضرب[1]. قال أبو عبيدة[2]: من
[1]انظر الكتاب 1/ 190.
[2]أبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، من اللغويين البصريين (ت 210 هـ) . ترجمته في طبقات الزبيدي 192، ونزهة الألباء 84.