جعلوا «أن» في موضع رفع والأول بغير تقديم ولا تأخير، وفي قراءة أبيّ وابن مسعود ليس البرّ بأن تولّوا فلا يجوز في البرّ هاهنا إلّا الرفع. وَلكِنَّ الْبِرَّ وقرأ الكوفيون ولكن البرّ رفع بالابتداء. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الخبر، وفيه ثلاثة أقوال: يكون التقدير ولكن البرّ برّ من آمن بالله ثم حذف كما قالت الخنساء: [البسيط] 32-
فإنما هي إقبال وإدبار[1]
أي ذات إقبال، ويجوز أن يكون التقدير ولكن ذو البرّ من آمن بالله ويجوز أن يكون البرّ بمعنى البار والبرّ كما يقال: رجل عدل، وفي الآية إشكال من جهة الإعراب لأن بعد هذا وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فيه خمسة أقوال: يكون و «الموفون» رفعا عطفا على «من» ، و «الصابرين» على المدح أي وأعني الصابرين، ويكون و «الموفون» رفعا بمعنى، وهم الموفون مدحا للمضمرين و «الصابرين» عطفا على ذوي القربى، ويكون و «الموفون» رفعا على وهم الموفون و «الصابرين» بمعنى وأعني الصابرين فهذه ثلاثة أجوبة لا مطعن فيها من جهة الإعراب موجودة في كلام العرب وأنشد سيبويه[2]: [الكامل] 33-
لا يبعدن قومي الّذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكلّ معترك ... والطّيّبون معاقد الأزر
وإن شئت قلت: النازلون والطيبين، وإن شئت رفعتهما جميعا، ويجوز نصبهما.
قال الكسائي: يجوز أن يكون و «الموفون» نسقا[3]على «من» و «الصابرين» نسقا على «ذوي القربى» . قال أبو جعفر: وهذا القول خطأ وغلط بيّن لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة «من» فقد نسقت على «من» من قبل أن تتمّ الصلة وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف، والجواب الخامس: أن يكون
[1]الشاهد للخنساء في ديوانها ص 383، والأشباه والنظائر 1/ 198، وخزانة الأدب 1/ 431، وشرح أبيات سيبويه 1/ 282، والشعر والشعراء 1/ 354، والكتاب 1/ 337، ولسان العرب (رهط، وقبل، وسوا) ، والمقتضب 4/ 305، والمنصف 1/ 197، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 387، وشرح الأشموني 1/ 213، وشرح المفصّل 1/ 115، والمحتسب 2/ 43، وصدره:
«ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت»
[2]البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان في ديوانها ص 43، والأشباه والنظائر 6/ 231، وأمالي المرتضى 1/ 205، والإنصاف 2/ 468، وأوضح المسالك 3/ 314، والحماسة البصرية 1/ 227، وخزانة الأدب 5/ 41، والدرر 6/ 14، وسمط اللآلي ص 548، وشرح أبيات سيبويه 2/ 16، وشرح التصريح 2/ 116، والكتاب 1/ 264، ولسان العرب (نضر) ، والمحتسب 2/ 198، والمقاصد النحوية 3/ 602، وأساس البلاغة (أزر) ، وبلا نسبة في رصف المباني ص 416، وشرح الأشموني 2/ 399.
[3]النسق: العطف.
و «الموفون» عطفا على المضمر الذي في آمن «الصابرين» عطفا على «ذوي القربى» قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله والموفين والصابرين قال أبو جعفر: يكونان منسوقين على ذوي القربى وعلى المدح. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله في «النساء» والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة [النساء: 162] .
[سورة البقرة (2) : آية 178]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ اسم ما لم يسمّ فاعله. فِي الْقَتْلى لم يتبيّن فيه الإعراب لأنّ فيه ألف التأنيث وجيء بها لتأنيث الجماعة. الْحُرُّ بِالْحُرِّ ابتداء وخبر.
وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى نسق عليه. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ شرط والجواب فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وهو رفع بالابتداء، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف ويجوز في غير القرآن فاتّباعا وأداء يجعلهما مصدرين. ذلِكَ تَخْفِيفٌ ابتداء وخبر.
[سورة البقرة (2) : آية 179]
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ رفع بالابتداء. وقراءة أبيّ وأبي الجوزاء ولكم في القصص شاذة والظاهر دلّ على غيرها. قال الله عزّ وجلّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى فدلّ بعض الكلام على بعض والتفسير على القصاص. روى سفيان الثوري[1]عن السدّيّ عن أبي مالك وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال: أن لا يقتل بعضكم بعضا ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ حذف المفعول لعلم السامع. روى اللّيث عن ربيعة في قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ محارمكم وما نهيت بعضكم فيه عن بعض.
[سورة البقرة (2) : آية 180]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ في الكلام تقدير واو العطف المعنى وكتب عليكم، ومثله في بعض الأقوال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:
15، 16] أي ولا يصلاها. أَحَدَكُمُ مفعول والْمَوْتُ فاعل. إِنْ تَرَكَ خَيْراً شرط، وفي جوابه قولان: قال الأخفش سعيد: التقدير فالوصيّة ثم حذف الفاء كما قال: [البسيط]
[1]سفيان الثوري: أبو عبد الله الكوفي، الإمام الكبير، روى القراءة عرضا عن حمزة وروى عن عاصم (ت 161 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 1/ 308.
34-
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان[1]
والجواب الآخر أنّ الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا فإن حذفت الفاء فالوصية رفع بالابتداء وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها أيضا بالابتداء وأن ترفعها على أنها اسم ما لم يسمّ فاعله أي كتب عليكم الوصية. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا في الآية أقوالا منها أن تكون منسوخة بالفرض ومنها أن تكون على الندب على الوصية. قال أبو جعفر: والقول أنه لا يجوز أن يكون شيء من هذا على الندب إلّا بدليل وقد قيل: أنها منسوخة بالحديث «لا وصية لوارث»[2]. حَقًّا مصدر، ويجوز في غير القرآن «حقّ» بمعنى ذلك حق.
[سورة البقرة[2]: آية 181]
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)
فَمَنْ بَدَّلَهُ شرط، وجوابه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ و «ما» كافة لأنّ عن العمل وإِثْمُهُ رفع بالابتداء. عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ في موضع الخبر.
[سورة البقرة[2]: آية 182]
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
فَمَنْ خافَ شرط، والأصل خوف وقلبت الواو ألفا لتحرّكها وتحرّك ما قبلها.
وأهل الكوفة يميلون «خاف» ليدلّوا على الكسرة من فعلت. مِنْ مُوصٍ ومن موصّ والتخفيف أبين لأن أكثر النحويين يقول: موصّ للتكثير وقد يجوز أن يكون مثل كرّم وأكرم جَنَفاً من جنف يجنف إذا جاز والاسم منه جنف وجانف. فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ عطف على خاف والكناية عن الورثة ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى وجواب الشرط فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.
[سورة البقرة[2]: آية 183]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ اسم ما لم يسمّ فاعله. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[1]الشاهد لكعب بن مالك في ديوانه ص 288، وشرح أبيات سيبويه 2/ 109، وله أو لعبد الرّحمن بن حسان في خزانة الأدب 9/ 49، وشرح شواهد المغني 1/ 178، ولعبد الرّحمن بن حسان في خزانة الأدب 2/ 365، ولسان العرب (بجل) ، والمقتضب 2/ 72، ومغني اللبيب 1/ 56، والمقاصد النحوية 4/ 433، ونوادر أبي زيد ص 31، ولحسان بن ثابت في الدرر 5/ 81، والكتاب 3/ 73، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 7/ 114، وأوضح المسالك 4/ 210، وخزانة الأدب 9/ 40، والخصائص 2/ 281، وسرّ صناعة الإعراب 1/ 264، وشرح شواهد المغني 1/ 286، وشرح المفصّل 9/ 2، 3، والمحتسب 1/ 193، والمقرب 1/ 276، والمنصف 3/ 118، وهمع الهوامع 2/ 60.
[2]أخرجه أحمد في مسنده 4/ 186، والترمذي في سننه 2120، 2121، والنسائي في سننه (الوصايا ب 5) ، وابن ماجة في سننه 2713، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 85.
الكاف في موضع نصب من ثلاث جهات: يجوز أن يكون نعتا لمصدر من كتب أي كتب عليكم الصّيام كتبا كما، ويجوز أن يكون التقدير كتب عليكم الصيام صوما كما، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم، ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتا للصيام وما للصيام وما بيانه «الذين آمنوا» و «ما» في موضع خفض وصلتها كتب على الذين من قبلكم والضمير في كتب يعود على «ما» .
[سورة البقرة[2]: آية 184]
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ قال الأخفش: أَيَّاماً نصب بالصيام أي كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات، وقال الفراء[1]: هي نصب بكتب لأن فعل ما لم يسمّ فاعله إذا رفعت بعده اسما نصبت الآخر. وفي الآية شيء لطيف غامض من النحو يقال: لا يجيز النحويون: هذا صارف ظريف زيدا وكيف يجوز أن تنصب «أياما» بالصيام إذا كانت الكاف نعتا للصيام؟ فالجواب أنك إذا جعلت أياما مفعولة لم يجز هذا، وإن جعلتها ظرفا جاز لأن الظروف تعمل فيها المعاني، وزعم أحمد بن يحيى: أنّ ذلك لا يجوز البتّة وإن جعلت الكاف في موضع نصب بكتب لم يجز لأنك تفرق بين الصيام وبين ما عمل فيه بما لم يعمل فيه وإن جعلت الكاف في موضع نصب بالصيام ونصبت أياما بالصيام فلا اختلاف فيه إنّه جيد بالغ. مَعْدُوداتٍ نعت لأيام إلّا أن التاء كسرت عند البصريين لأنه جمع مسلّم، وعند الكوفيين لأنها غير أصلية. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً شرط بمن أي فمن كان منكم مريضا في هذه الأيام فَعِدَّةٌ رفع بالابتداء، والخبر عليه حذفت. قال الكسائي: ويجوز فعدّة أي فليصم عدّة. مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لم تنصرف «أخر» عند سيبويه[2]لأنها معدولة عن الألف واللام لأن سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللام نحو الكبر والفضل. قال الكسائي: هي معدولة أخر كما تقول:
حمراء وحمر فلذلك لم تنصرف، وقيل منعت من الصرف لأنها على وزن جمع.
ويقال: إنما يقال يوم آخر ولا يقال: أخرى وأخر إنما هي جمع أخرى ففي هذا جوابان: أحدهما أنّ نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر، والجواب الآخر أن يكون أخر جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل أيام أخر. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
[1]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 112، والبحر المحيط 2/ 46.
[2]انظر الكتاب 3/ 315.
والأصل يطوقونه، وقد قرئ به فقلبت حركة الواو على الطاء فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ ابن عباس يطوّقونه[1]فصحّت الواو لأنه ليس قبلها كسرة، ويقرأ يطّوّقونه[2]والأصل يتطوّقونه ثم أدغمت التاء في الطاء. والقراءة المجمع عليها يُطِيقُونَهُ وأصحّ ما فيها أنّ الآية منسوخة كما ذكرناه. فأما يطيّقونه وتطّيّقونه فلا يجوز لأن الواو لا تقلب ياء إلا لعلّة. فدية طعام مساكين[3]هذه قراءة أهل المدينة وابن عامر[4]رواها عنه عبيد الله عن نافع، وقرأ أبو عمرو والكسائي وحمزة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ[5]وهذا اختيار أبي عبيد وزعم أنه اختاره لأن معناه لكل يوم إطعام واحد منهم فالواحد مترجم عن الجميع وليس الجميع بمترجم عن الواحد. قال أبو جعفر: وهذا مردود من كلام أبي عبيد لأن هذا إنّما يعرف بالدلالة فقد علم أنّ معنى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين أنّ لكلّ يوم مسكينا فالاختيار هذه القراءة ليرد جمعا على جمع. واختار أبو عبيد أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قال: لأن الطعام هو الفدية. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل وأبين منه أن يقرأ فِدْيَةٌ طَعامُ بالإضافة لأن فدية مبهمة تقع للطعام وغيره فصار مثل قولك: هذا ثوب خزّ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ شرط وجوابه وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ابتداء وخبر أي فالصوم خير لكم.
[سورة البقرة[2]: آية 185]
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
شَهْرُ رَمَضانَ حكيت فيه ستة أوجه: شَهْرُ رَمَضانَ قراءة العامة، وقرأ مجاهد وشهر ابن حوشب شَهْرُ رَمَضانَ بالنصب وحكي عن الحسن وأبي عمرو إدغام الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلّا يجتمع ساكنان، والقراءة الرابعة: الإخفاء والوجه الخامس أن تقلب حركة الراء على الهاء فتضم الهاء، وهذا قول الكوفيين كما قال امرؤ القيس: [الطويل] 35-
فمن كان ينسانا وحسن بلائنا ... فليس بناسينا على حالة بكر[6]
[1]انظر المحتسب 1/ 118.
[2]انظر المحتسب 1/ 118، والبحر المحيط 2/ 42.
[3]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 176.
[4]ابن عامر، عبد الله بن عامر اليحصبي، أحد القراء السبعة (ت 118 هـ) ترجمته في كتاب السبعة لابن مجاهد 86، وغاية النهاية 1/ 423. [.....]
[5]وهذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 2/ 44.
[6]الشاهد غير موجود في شعر امرئ القيس ولا في الشواهد النحوية.
ويجوز شَهْرُ رَمَضانَ[1]من جهتين: إحداهما على قراءة من نصب فقلب حركة الراء على الهاء، والأخرى على لغة من قال لحم ولحم ونهر ونهر «شهر رمضان» رفع بالابتداء وخبره الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ويجوز أن يكون شهر مرفوعا على إضمار ابتداء، والتقدير المفترض عليكم صومه شهر رمضان أو ذلك شهر رمضان أو الصوم أو الأيام. ورمضان لا ينصرف لأن النون فيه زائدة. ونصب شهر رمضان شاذّ وقد قيل فيه أقوال: قال الكسائي: المعنى كتب عليكم الصيام وأن تصوموا شهر رمضان. قال الفراء[2]: أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان. قال أبو جعفر: لا يجوز أن تنصب شهر رمضان تصوموا لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة والموصول وكذا إن نصبته بالصيام، ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء أي الزموا شهر رمضان وصوموا شهر رمضان. وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدّم ذكر الشهر فيغرى به.
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ في موضع نصب على الحال من القرآن والقرآن اسم ما لم يسمّ فاعله. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يقال: ما الفائدة في هذا والحاضر والمسافر يشهدان الشهر؟ فالجواب أن الشهر ليس بمفعول وإنما هو ظرف زمان والتقدير فمن شهد منكم المصر في الشهر، وجواب آخر أن يكون التقدير فمن شهد منكم الشهر غير مسافر ولا مريض فَلْيَصُمْهُ وقرأ الحسن فَلْيَصُمْهُ وكان يكسر لام الأمر كانت مبتدأة أو كان قبلها شيء وهو الأصل ومن أسكن حذف الكسرة لأنها ثقيلة. وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ اسم «كان» فيها مضمر «ومريضا» خبره «أو على سفر» عطف أي أو مسافرا.
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ واليسر واليسر لغتان وكذا العسر والعسر.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فيه خمسة أقوال. قال الأخفش: هو معطوف أي ويريد ولتكملوا العدة كما قال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [الصف: 8] ، وقال غيره: يريد الله هذا التخفيف لتكملوا العدة، وقيل الواو مقحمة، وقال الفراء[3]: المعنى ولتكملوا العدّة فعل هذا. قال أبو جعفر: وهذا قول حسن ومثله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75] أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك، والقول الخامس ذكره أبو إسحاق إبراهيم بن السري[4]قال: هو محمول على المعنى والتقدير فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ولتكملوا العدة. قال: ومثله ما أنشد سيبويه[5]: [الكامل]
[1]وهذه قراءة مجاهد وشهر بن حوشب وهارون الأعور، انظر البحر المحيط 2/ 45.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 112.
[3]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 113.
[4]انظر إعراب القرآن ومعانيه 219.
[5]البيتان للشمّاخ بن ضرار في ملحق ديوانه ص 427، وأساس البلاغة (معز) ، وشرح أبيات سيبويه 1/ 396، ولذي الرمة في ملحق ديوانه ص 1840، وبلا نسبة في أساس البلاغة (شجج) ، وتاج العروس (شجج) ، وخزانة الأدب 5/ 147، والكتاب 1/ 320، ولسان العرب (شجج) .
36-
بادت وغيّر آيهنّ مع البلى ... إلّا رواكد جمرهنّ هباء
ومشجّج أمّا سواء قذاله ... فبدا وغيّر ساره المعزاء
لأن معنى: بادت إلّا رواكد بها رواكد فكأنه. قال: وبها مشجّج أو ثمّ مشجّج، وقرأ الحسن وقتادة والعاصمان والأعرج وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ واختار الكسائي وَلِتُكْمِلُوا لقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] . قال أبو جعفر: هما لغتان بمعنى واحد كما قال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17] ولا يجوز ولتكملوا بإسكان اللام والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير ولأن تكملوا العدة فلا يجوز حذف أن والكسرة. وَلِتُكَبِّرُوا عطف عليه.
[سورة البقرة[2]: آية 186]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
فَإِنِّي قَرِيبٌ خبر إنّ. أُجِيبُ خبر بعد خبر. حكى سيبويه[1]: «هذا حلو حامض» . ويجوز أن يكون نعتا ومستأنفا. فَلْيَسْتَجِيبُوا لام أمر وكذا وَلْيُؤْمِنُوا وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط، وقيل:
لأنها لا تقع إلّا على الفعل.
[سورة البقرة[2]: آية 187]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ اسم ما لم يسمّ فاعله. قال أبو إسحاق[2]:
«الرفث» كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرجل من المرأة. هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ابتداء وخبر وشدّدت النون من هنّ لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ فتحت أن بعلم. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ قد ذكرناه وهو إباحة. وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ عطف عليه وكذا وَكُلُوا وَاشْرَبُوا فَلا تَقْرَبُوها جزم بالنهي والكلام في «لا» كالكلام في لام الأمر.
قال الكسائي: فلا تقربوها قربانا.
[1]انظر الكتاب 2/ 79، قال: «كقولك: هذا حلو حامض» .
[2]انظر إعراب القرآن ومعانيه 220.
[سورة البقرة[2]: آية 188]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا عطف على تأكلوا، وفي قراءة أبيّ ولا تدلوا[1]ويجوز أن يكون ولا تدلوا جواب النهي بالواو كما قال: [الكامل] 37-
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم[2]
بِها الهاء تعود على الأموال أي ترشوا بها أو تخاصموا من أجلها فكأنكم قد أدليتم بها ويجوز أن يكون الهاء تعود على الحجّة وإن لم يتقدم لها ذكر كما يقال: أدلى بحجته. «أموالكم» إضافة الجنس أي الأموال التي لكم.
[سورة البقرة[2]: آية 189]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ وإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على السين وحذفتها فقلت: يسلونك وأهلّه جمع هلال في القليل والكثير وكان يجب أن يقال في الكثير:
هلل فاستثقلوا ذلك كما استثقلوه في كساء ورداء من المعتل قُلْ هِيَ مَواقِيتُ ابتداء وخبر، الواحد ميقات انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهي ساكنة ولم تنصرف مواقيت عند البصريين لأنها جمع وهو جمع لا يجمع ولا نظير له في الواحد وقال الفراء[3]لم تنصرف لأنها غاية الجمع. لِلنَّاسِ خفض باللام. وَالْحَجِّ[4]عطف عليه هذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون الحجّ بكسر الحاء فالفتح على المصدر والكسر على أنه اسم والحجّة بفتح الحاء المرة الواحدة والحجّة عمل سنة ومنه ذو الحجّة ويقال للسنة أيضا حجّة كما قال زهير: [الطويل] 38-
وقفت بها من بعد عشرين حجّة ... فلأيا عرفت الدّار بعد توهّم[5]
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ ولا يجوز نصب البرّ لأن الباء إنما تدخل في الخبر
[1]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 115.
[2]مرّ الشاهد رقم (19) .
[3]انظر معاني القرآن للفراء 1/ 115.
[4]انظر البحر المحيط 2/ 70.
[5]الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 7، ولسان العرب (وهم، ولأي) ، وبلا نسبة في المخصّص 3/ 30. [.....]