[سورة الأنعام (6) : آية 41]
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41)
إِيَّاهُ نصب بتدعون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ فعل مستقبل. وَتَنْسَوْنَ وتتركون مثل وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: 115] ويجوز أن يكون المعنى وتتركون فتكونون بمنزلة الناسين. وقرأ عبد الرحمن الأعرج. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ بضم الهاء على الأصل لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول: جئت معه وقد ذكرنا توحيد الهاء.
[سورة الأنعام (6) : آية 49]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49)
قال الكسائي: يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة إذا أتاهم فجاءة وقرأ الحسن والأعمش الْعَذابُ بِما[1]مدغما وهكذا روي عن أبي عمرو مدغما وقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش بِما كانُوا يَفْسُقُونَ[2]بكسر السين وهي لغة معروفة.
[سورة الأنعام (6) : آية 52]
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ جزم بالنهي وعلامة الجزم حذف الضمة وكسرت الدال لالتقاء الساكنين. يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ غداة نكرة فعرفت بالألف واللام وكتبت بالواو كما كتبت الصلاة بالواو وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ وعبد الله بن عامر ومالك بن دينار بِالْغَداةِ[3]وباب غدوة أن تكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تنكّر الأسماء الأعلام فإذا نكّرت دخلتها الألف واللام للتعريف، وعشيّ وعشيّة نكرتان لا غير. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (من) الأولى للتبعيض والثانية زائدة للتوكيد وكذا. وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي. فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ جواب النهي.
[سورة الأنعام (6) : آية 53]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)
لام كي وهذا من المشكل يقال: كيف فتنوا ليقولوا هذا لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم وفي هذا جوابان: أحدهما أنّ المعنى اختبرنا الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم عند النبي صلّى الله عليه وسلّم واحدة ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، والجواب الآخر أنهم لما اختبروا بهذا فآل عاقبته
[1]انظر البحر المحيط 4/ 136.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 136.
[3]انظر تيسير الداني 85، والبحر المحيط 4/ 139.
إلى أن قالوا هذا سبيل الإنكار صار مثل قوله جلّ وعزّ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] .
[سورة الأنعام (6) : آية 54]
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)
فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ رفع بالابتداء وفيه معنى المنصوب عند سيبويه[1]فلذلك ابتدئ بالنكرة. كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب فخوطب العباد على ما يعرفون من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قراءة[2]من قرأ (أنّه) (فأنه) ففتحهما جميعا وقراءة من كسرهما جميعا وقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية، وقرأ عبد الرحمن الأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية كذا روى عنه ابن سعدان فمن فتحهما جميعا جعل الأولى بدلا من الرحمة أو على إضمار مبتدأ أي هي كذا والثانية مكرّرة عند سيبويه[3]كما قال الله جلّ وعزّ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران: 188] وقال جلّ وعزّ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ثم قال بعد إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ [الحج: 17] وقال الأخفش وأبو حاتم: «أنّ» الثانية في موضع رفع بالابتداء أي فالمغفرة له وهذا خطأ عند سيبويه، وسيبويه لا يجوز عنده أن يبتدأ بأنّ ولكن قال بعض النحويين يجوز أن تكون «أنّ» الثانية في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي فالذي له أنّ الله غفور رحيم ومن كسرهما جميعا جعل الأولى مبتدأة وجعل كتب بمعنى قال وكسر الثانية لأنها بعد الفاء في جواب الشرط، ومن كسر الأولى وفتح الثانية جعل الأولى كما قلنا وفتح الثانية على إضمار مبتدأ، وأنكر أبو حاتم هذه القراءة ولم يقع إليه، ومن فتح الأولى وكسر الثانية جعل الأولى كما ذكرنا فيمن فتحهما جميعا وكسر الثانية على ما يجب فيها بعد الفاء فهذه القراءة بيّنة في العربية.
[سورة الأنعام (6) : الآيات 55 الى 56]
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ يقال: هذه اللام تتعلّق بالفعل فأين الفعل الذي تعلّقت به فالكوفيون يقولون: التقدير وكذلك نفصّل الآيات لنبيّن لكم
[1]انظر الكتاب 1/ 395.
[2]القراءات كلّها في البحر المحيط 4/ 144.
[3]انظر الكتاب 3/ 153. [.....]
ولتستبين سبيل المجرمين. قال أبو جعفر: وهذا الحذف كلّه لا يحتاج إليه والتقدير وكذلك نفصّل الآيات، ولتستبين سبيل المجرمين فصّلناها. والسبيل يذكر ويؤنّث والتأنيث أكثر، وقرأ يحيى بن وثّاب وطلحة بن مصرف قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً[1]بكسر اللام وقال أبو عمرو بن العلاء ضللت لغة تميم.
[سورة الأنعام (6) : آية 57]
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57)
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الضمير يعود على البيّنة وذكّرت لأن البيان والبيّنة واحد وقيل: التقدير: وكذّبتم بما جئت به. قال أبو جعفر: قد ذكرنا[2]يقضي الحقّ ويَقُصُّ الْحَقَّ.
[سورة الأنعام (6) : آية 58]
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب. لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي لانقطع إلى آخره.
[سورة الأنعام (6) : آية 59]
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59)
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ الذي هو يفتح علم الغيب إذا أراد جلّ وعزّ أن يخبر به نبيّا أو غيره، ومفاتح جمع مفتح هذه اللغة الفصيحة ويقال مفتاح والجمع مفاتيح. وقرأ الحسن وعبد الله بن بي إسحاق ولا رطب لا يابس إلّا في كتاب مّبين[3]عطفا على المعنى ويجوز وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ على الابتداء والخبر. إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي كتبها الله لتعتبر الملائكة بذلك.
[سورة الأنعام (6) : آية 60]
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ابتداء وخبر أي يستوفي عددكم. بِاللَّيْلِ وفي الليل واحد وقرأ أبو رجاء وطلحة بن مصرّف ثم يبعثكم فيه ليقضي أجلا مسمّى[4].
[1]انظر البحر المحيط 4/ 145.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 146، ومعاني الفراء 1/ 38.
[3]انظر مختصر ابن خالويه 37، والبحر المحيط 4/ 15، وهي قراءة ابن السميفع أيضا.
[4]انظر مختصر ابن خالويه 37.
[سورة الأنعام[6]: آية 61]
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61)
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هذا اختيار الخليل وهي قراءة نافع على تخفيف الهمزة الثانية ويجوز تخفيفهما[1]وحذف إحداهما. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا على تأنيث الجماعة كما قال: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [غافر: 83] وقرأ حمزة توفّاه رسلنا[2]على تذكير الجمع وقرأ الأعمش يتوفّاه رسلنا بزيادة ياء في أوله والتذكير.
[سورة الأنعام[6]: آية 62]
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62)
ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ على النعت وقرأ الحسن الحقّ[3]بالنصب يكون مصدرا وبمعنى أعني، ومعنى مولاهم الحقّ أنه خالقهم ورازقهم ونافعهم وضارهم وهذا لا يكون إلا الله جلّ وعزّ أَلا لَهُ أي اعلموا وقولوا له الحكم وحده.
[سورة الأنعام[6]: آية 63]
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً مصدر ويجوز أن يكون حالا والمعنى ذوي تضرّع وروى أبو بكر ابن عيّاش عن عاصم وَخُفْيَةً[4]بكسر الخاء وروي عن الأعمش وخيفة الياء قبل الفاء وهذا معنى بعيد لأن معنى تضرعا أن يظهروا التذلّل، وخفية أن يبطنوا مثل ذلك قرأ الكوفيون لَئِنْ أَنْجانا[5]واتّساق الكلام بالتاء كما قرأ أهل المدينة وأهل الشام.
[سورة الأنعام[6]: آية 65]
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وروي عن أبي عبد الله المدني أَوْ يَلْبِسَكُمْ»
بضم الياء أي يجلّلكم العذاب ويعمّكم به وهذا من اللّبس بضم اللام والأول من اللّبس بفتحها وهو موضع مشكل والإعراب يبيّنه. قيل: التقدير أو يلبس عليكم أمركم فحذف أحد المفعولين وحرف الجر كما قال جلّ وعزّ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ [المطففين: 3]
[1]انظر تيسير الداني 85.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 152.
[3]وهذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط 4/ 153، ومختصر ابن خالويه 37.
[4]انظر البحر المحيط 4/ 153، وتيسير الداني 85.
[5]انظر البحر المحيط 4/ 154، وتيسير الداني 85.
[6]انظر البحر المحيط 4/ 155.
وهذا اللبس بأن يكون يطلق لبعضهم أن يحارب بعضا أو يريهم آية يتفرقون عندها فيروا شيعا، وشِيَعاً نصب على الحال أو المصدر، وقيل: معنى يلبسكم شيعا يقوّي عدوكم حتى يخالطكم فإذا خالطكم فقد لبسكم فرقا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالحرب.
[سورة الأنعام (6) : الآيات 66 الى 67]
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)
قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لم أومر أن أحفظكم من التكذيب والكفر.
روي عن ابن عباس لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي لكل خبر حقيقة.
[سورة الأنعام (6) : آية 68]
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا التقدير وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ منكرا عليهم. حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فأدّب الله جلّ وعزّ نبيه فهذا صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزءون بالقرآن فأمره الله عزّ وجلّ أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه وكان في هذا ردّ في كتاب الله عزّ وجلّ على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج واتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين ويصوبوا آراءهم تقية، وقرأ عبد الله بن عامر وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ[1]على التكثير.
[سورة الأنعام (6) : آية 69]
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
وَلكِنْ ذِكْرى في موضع نصب على المصدر ويجوز أن تكون في موضع رفع بمعنى «ولكن الذي يفعلونه ذكرى» أي ولكن عليهم ذكرى، وقال الكسائي:
المعنى ولكن هذه ذكرى.
[سورة الأنعام (6) : آية 70]
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)
وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ في موضع نصب أي كراهة أن تبسل. بِما كانُوا يَكْفُرُونَ في موضع نصب على خبر كانوا.
[سورة الأنعام (6) : آية 71]
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71)
[1]انظر تيسير الداني 85، والبحر المحيط 4/ 157.
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا أي ما لا ينفعنا إن دعوناه. وَلا يَضُرُّنا إن تركناه. وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحد الأعقاب عقب وهي مؤنّثة تصغيرها عقيبة. كَالَّذِي الكاف في موضع نصب نعت لمصدر. اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ على تأنيث الجماعة، وقرأ حمزة استهواه الشياطين[1]على تذكير الجمع، وروي عن ابن مسعود استهواه الشيطان[2]وعن الحسن استهوته الشياطون[3]رواه محبوب عن عمرو عن الحسن وهو لحن. حَيْرانَ نصب على الحال ولم ينصرف لأنّ أنثاه حيرى. لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا وفي الابتداء ائتنا والأصل بهمزتين أبدلت من إحداهما ياء لئلا يجتمعا. وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ لام كي. قال أبو جعفر: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام الخفض واللامات كلها ثلاث لام خفض ولام أمر ولام توكيد لا يخرج شيء عنها.
[سورة الأنعام (6) : الآيات 72 الى 73]
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ فيه ثلاثة أقوال: فمذهب الفراء أنّ المعنى وأمرنا لأن نسلّم وأن أقيموا، والجواب الثاني أن يكون المعنى وبأن أقيموا الصلاة والثالث أن يكون عطفا على المعنى أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة، لأن معنى «ائتنا» أن ائتنا.
وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ابتداء وخبر وكذا وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. وَيَوْمَ يَقُولُ فيه ثلاثة أجوبة يكون عطفا على الهاء في وَاتَّقُوهُ، والثاني أن يكون عطفا على السموات، والثالث أن يكون بمعنى اذكر. كُنْ فَيَكُونُ فيه ثلاثة أجوبة: قال الفراء[4]: يقال إنه للصور خاصة «ويوم يقول للصور كن فيكون» ، والجواب الثاني أن يكون المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم وعلى هذين الجوابين قَوْلُهُ الْحَقُّ ابتداء وخبر، والجواب الثالث أن يكون قوله رفعا بيكون والحقّ من نعته. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فيه ثلاثة أجوبة: يكون بدلا من يوم، والجواب الثاني أن يكون التقدير قوله الحقّ يوم ينفخ في الصور، والجواب الثالث أن يكون التقدير وله الملك يوم ينفخ في الصّور. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فيه ثلاثة أجوبة يكون نعتا للذي أي
[1]انظر الحجة لابن خالويه 117.
[2]انظر مختصر ابن خالويه 38.
[3]انظر البحر المحيط 4/ 162. [.....]
[4]انظر معاني الفراء 1/ 340.
وهو الذي خلق السموات عالم الغيب، ويكون على إضمار مبتدأ وقرأ الحسن والأعمش وعاصم عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ[1]يكون بدلا من الهاء التي في (له) ، والجواب الثالث في الرفع أن يكون محمولا على المعنى أي ينفخ فيه عالم الغيب لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر الله كان منسوبا إلى الله جلّ وعزّ وأنشد سيبويه: [الطويل] 132-
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... وأشعث ممّن طوّحته الطّوائح[2]
[سورة الأنعام (6) : آية 74]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74)
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ تكلّم العلماء في هذا فقال الحسن: كان اسم أبيه آزر، وقيل كان له اسمان آزر وتارح، وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: بلغني أنها أعوج، قال: وهي أشدّ كلمة قالها إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم لأبيه، وقال الضحاك: معنى آزر شيخ.
قال أبو جعفر: يكون هذا مشتقا من الأزر وهو الظّهر ولا ينصرف لأنه على أفعل ويكون بدلا كما يقال: رجل أجوف أي عظيم الجوف، وكذا آزر يكون عظيم الأزر معوّجه، وروي عن ابن عباس أنه قرأ وإذ قال إبراهيم لأبيه أازرا[3]بهمزتين فالأولى مفتوحة والثانية مكسورة هذه رواية أبي حاتم ولم يبيّن معناه فيجوز أن يكون مشتقا من الأزر أي الظّهر ويكون معناه القوة ويكون مفعولا من أجله، ويجوز أن يكون بمعنى وزر كما يقال: وسادة وإسادة وفي رواية غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين وفي الروايتين تَتَّخِذُ بغير ألف. أَصْناماً آلِهَةً مفعولان وفيه معنى الإنكار. إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ عطفا على الكاف.
[سورة الأنعام (6) : آية 75]
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
وقرأ أبو السمّال العدوي وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بإسكان اللام ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفّتها ولعلّها لغة. وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي وليكون من الموقنين أريناه.
[1]انظر البحر المحيط 4/ 165.
[2]الشاهد للحارث بن نهيك في الكتاب 1/ 345، وفي خزانة الأدب 1/ 303، وشرح شواهد الإيضاح 94، وشرح المفصل 1/ 80، وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه 362، ولنهشل بن حريّ في خزانة الأدب 1/ 303، ومعاهد التنصيص 1/ 202، وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه 1/ 110، ولنهشل أو للحارث أو لضرار أو لمزرد بن ضرار أو للمهلهل في المقاصد النحوية 2/ 454، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 345، وأمالي ابن الحاجب ص 447، وتخليص الشواهد 478، وخزانة الأدب 8/ 139، والخصائص 2/ 353، وشرح الأشموني 1/ 171، وشرح المفصل 1/ 80، ومغني اللبيب 620، والمقتضب 3/ 282، وهمع الهوامع 1/ 160، وعجز البيت «ومختبط ممّا تطيح اللوائح» .
[3]انظر مختصر ابن خالويه 38 والبحر المحيط 4/ 169 وهذه قراءة أبي إسماعيل الشامي أيضا.
[سورة الأنعام (6) : آية 76]
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً مفعول. قالَ هذا رَبِّي ابتداء وخبر ومن أحسن ما قيل في هذا ما صحّ عن ابن عباس رحمه الله أنه قال في قول الله جلّ وعزّ نُورٌ عَلى نُورٍ [النور: 35] قال: كذا قلب المؤمن يعرف الله جلّ وعزّ ويستدلّ عليه بقلبه فإذا عرفه ازداد نورا على نور وكذا إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم عرف الله عزّ وجلّ بقلبه واستدلّ عليه بدلائله فعلم أن له ربّا وخالقا فلما عرّفه الله جلّ وعزّ بنفسه ازداد معرفة فقال: أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ [الأنعام: 80] .
[سورة الأنعام (6) : آية 78]
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً نصب على الحال لأن هذا من رؤية العين. قالَ هذا رَبِّي قال الكسائي والأخفش: أي قال هذا الطالع ربي، وقال غيرهما: أي هذا الضوء قال أبو الحسن علي بن سليمان: أي هذا الشخص كما قال الأعشى[1]: [السريع] 133-
قامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدّار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر
[سورة الأنعام (6) : آية 79]
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
أي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله جلّ وعزّ وحده. وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسم «ما» وخبرها، وإذا وقفت قلت: أنا، زدت الألف لبيان الحركة ومن العرب من يقول «انه» .
[سورة الأنعام (6) : آية 80]
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80)
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي قرأ نافع أتحاجّوني[2]بنون مخفّفة، وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: هو لحن وأجاز سيبويه[3]ذلك وقال: استثقلوا التّضعيف، وأنشد: [الوافر]
[1]البيتان بلا نسبة في أمالي المرتضى 1/ 71، والأشباه والنظائر 5/ 177، والإنصاف 2/ 507، وسمط اللآلي 1/ 174، وشرح المفصل 5/ 101، ولسان العرب (عمر) .
[2]هذه قراءة ابن عامر أيضا، انظر البحر المحيط 4/ 174، وتيسير الداني 86.
[3]انظر الكتاب 4/ 4.