توكيد في موضع خفض، ولا يجوز أن يكون نصبا على الحال لأنه تابع لما قبله.
[سورة يوسف (12) : آية 96]
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96)
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ «أن» زائدة للتوكيد. فَارْتَدَّ بَصِيراً نصب على الحال.
[سورة يوسف (12) : الآيات 99 الى 100]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ نصب بالفعل، وكذا وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ. سُجَّداً على الحال.
[سورة يوسف (12) : آية 101]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ في موضع نصب لأنه نداء مضاف، والتقدير يا ربّ.
فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نصب على النعت: وإن شئت كان نداء ثانيا.
[سورة يوسف (12) : آية 102]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)
ذلِكَ ابتداء. مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ خبره. نُوحِيهِ إِلَيْكَ خبر ثان. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون «ذلك» بمعنى الذي ونُوحِيهِ إِلَيْكَ خبره أي الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك.
[سورة يوسف (12) : آية 103]
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ اسم «ما» . وَلَوْ حَرَصْتَ أي على هدايتهم. بِمُؤْمِنِينَ خبر ما.
[سورة يوسف (12) : الآيات 105 الى 106]
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ قال الخليل وسيبويه[1]هي «أي» دخلت عليها كاف التشبيه فصارت بمعنى «كم» . قال أبو جعفر: ولا يجوز الوقف عليها إلّا وكأيّ كما
[1]انظر الكتاب 2/ 172.
تقول: أنت كزيد، ولا يقول أحد من العرب: أنت كزيدن، بنون، وقد اعتلّ النحويون لهذا فقالوا: لا يوقف على التنوين لئلّا يشبه النون التي يقع عليها الإعراب إلّا أنه يجوز الرّوم والإشمام في المرفوع، والرّوم في المخفوض، والإسكان في المخفوض أجود، وأكثر ما جاء في كلام العرب وأشعارها «كائن» من رجل قد رأيته على وزن كاع، وقرأ بهذه اللغة جماعة من أئمة المسلمين منهم أبي بن كعب وعبد الله بن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو جعفر وشيبة والأعرج والأعمش، وروي عن ابن محيصن وكئن على وزن كعن، وفعل هذا بهذا الحرف لكثرته في كلامهم، وقد روي عن الحسن وكاين بغير همز. وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ابتداء وخبر أي لا يتفكرون وبيّن أنّهم لا يتفكّرون بقوله جلّ وعزّ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) إذا قيل لهم: من خلقكم وخلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله جلّ وعزّ ثم يشركون معه غيره.
[سورة يوسف (12) : آية 107]
أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (107)
أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً نصب على الحال وأصله المصدر وقال محمد بن يزيد:
جاء عن العرب حال بعد نكرة وهو قولهم: وقع أمر بغتة وفجأة. قال أبو جعفر:
ومعنى بغتة أصابه من حيث لم يتوقّع.
[سورة يوسف (12) : آية 108]
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي ابتداء وخبر. أَنَا توكيد. وَمَنِ اتَّبَعَنِي عطف على المضمر.
[سورة يوسف (12) : آية 109]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109)
وَلَدارُ الْآخِرَةِ ابتداء خَيْرٌ خبره وزعم الفراء[1]أن الدار هي الآخرة أي أضيف الشيء إلى نفسه، واحتجّ الكسائي بقولهم: صلاة الأولى: واحتجّ الأخفش بقولهم: مسجد الجامع. قال أبو جعفر: إضافة الشيء إلى نفسه محال لأنه إنما يضاف الشيء إلى غيره ليعرف به، والأجود الصلاة الأولى لأنها أول ما صلّي حين فرضت الصّلوات. وأول ما أظهر فلذلك قيل لها أيضا: ظهر والتقدير ولدار حال الآخرة خير.
[سورة يوسف (12) : آية 110]
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا هذه القراءة البينة عطف على استيأس
[1]انظر معاني الفرّاء 2/ 55.
وقرأ بها من الصحابة عائشة رضي الله عنها، وقرأ ابن مسعود وابن عباس رحمهما الله وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا[1]والتقدير وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذّبوا، وقرأ مجاهد وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا[2]أي وظن قومهم أن الرسل قد كذّبوا لمّا رأوا من تفضّل الله جلّ وعزّ في تأخيره العذاب. وروي عن عاصم فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ بنون واحد و (من) في موضع رفع اسم ما لم يسمّ فاعله.
[سورة البقرة[2]: آية 111]
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111)
وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي ولكن كان، ويجوز الرفع بمعنى ولكن هو تصديق الذي بين يديه وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
[1]انظر البحر المحيط 5/ 347، ومعاني الفراء 2/ 56.
[2]انظر البحر المحيط 5/ 347، ومختصر ابن خالويه 65.
13 شرح إعراب سورة الرعد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر:
[سورة الرعد (13) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1)
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون التقدير: هذا الذي أنزل إليك تلك آيات الكتاب التي وعدت بها. وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ابتداء وخبر، ويجوز أن يكون الذي عطفا على آيات في موضع رفع ويكون الحق مرفوعا نعتا للذي أو على إضمار مبتدأ. ويجوز أن يكون الذي في موضع خفض عطفا على الكتاب ويكون الحق رفعا على إضمار مبتدأ، ويجوز خفضه يكون نعتا للذي. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ أي بعد وضوح الآيات.
[سورة الرعد (13) : آية 2]
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ابتداء وخبر أي ولا بدّ لها من رافع فهذا من الآيات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يكون «ترونها» في موضع نصب على الحال أي رفع السماوات مرئيّة بغير عمد، ويجوز أن يكون مستأنفا أي رفع السموات بغير عمد ثم قال أنتم ترونها، ويجوز أن يكون تَرَوْنَها في موضع خفض أي بغير عمد مرئية أي لو كانت بعمد لرأيتموها لكثافة العمد.
[سورة الرعد (13) : آية 3]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ابتداء وخبر فدلّ على قدرته جلّ وعزّ في الأرض بعد أن دلّ عليها في السماء. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ حرّكت الياء في موضع النصب لخفة الفتحة ولم تنصرف لأنها قد صارت بمنزلة السالم. أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان: 10] في موضع نصب أي كراهة أن تميد بكم.
[سورة الرعد (13) : آية 4]
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ابتداء وخبر، ودلّ بهذا على قدرته جلّ وعزّ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ عطف، ويجوز و «جنات» على «وجعل فيها جنات» ، ويجوز أن يكون في موضع خفض عطفا على كلّ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ بالخفض[1]قراءة أهل المدينة وأهل الكوفة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير (وزرع) بالرفع وما بعده مثله. قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو بن العلاء كيف لا تقرأ «وزرع» بالجر؟ فقال: الجنات لا تكون من الزرع. قال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو عمرو رحمه الله لا يلزم من قرأ بالجر لأنّ بعده ذكر النخيل وإذا اجتمع مع النخيل الزرع قيل لهما: جنة، وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال «وزرع ونخيل» بالخفض أولى لأنه أقرب إليه واحتجّ بحكاية سيبويه[2]: خشّنت بصدره وصدر زيد، وأنّ الجرّ أولى من النصب لقربه منه كذا «وزرع» أولى لقربه من أعناب، «صنوان» جمع صنو مثل نسوة ونسوان وقنو وقنوان، وحكى سيبويه قنوان، وقال الفراء: «صنوان» بالضمّ لغة تميم وقيس والكسر لغة أهل الحجاز، فإن جمعت صنوا في أقلّ العدد قلت: أصناء والكثيرة صنيّ وصنيّ. وقرأ الحسن وعاصم وحميد وابن محيصن يُسْقى بالياء على تذكير النبت أو الجمع، واحتجّ أبو عمرو للتأنيث بأن بعده وَنُفَضِّلُ بَعْضَها ولم يقل بعضه قال أبو جعفر: وهذا احتجاج حسن، وقرأ أهل الحرمين وأهل البصرة وَنُفَضِّلُ بالنون، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ويفضّل بالياء قال أبو عبيد ونفضّل على الاستئناف، ويفضّل على أول السورة. وهذا شيء قد تقدّم وانفصل بقوله عزّ وجلّ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرعد: 4] . قال أبو جعفر: وهذا احتجاج حسن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في موضع خفض أي عقلاء.
[سورة الرعد (13) : آية 5]
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5)
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أي فيجب أن يعجب من قولهم العقلاء لأنه جهل إذ كان الله جلّ وعزّ قد دلّهم على قدرته وأراهم من آياته ما هو أعظم من إحياء الموتى.
و «عجب» مرفوع ينوى فيه التأخير على خبر المبتدأ. أَإِذا كُنَّا تُراباً العامل في «إذا» كنا لأنه لا يجوز أن يعمل ما بعد إنّ فيما قبلها فإذا قرأ «أإنّا» فالعامل «إذا» فعل محذوف
[1]انظر البحر المحيط 5/ 356، وتيسير الداني 107.
[2]انظر الكتاب 1/ 123.
والتقدير أنبعث إذا. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أي من سأل عن البعث سؤال منكر له بعد البراهين فقد كفر ونظير هذا ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 4] أي جدال منكر. وَأُولئِكَ مبتدأ. (والأغلال) مبتدأ ثان. فِي أَعْناقِهِمْ في موضع الخبر، والجملة خبر الأول. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ مبتدأ وخبر.
[سورة الرعد (13) : آية 6]
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ قال قتادة: بالعقوبة قبل العافية قال أبو إسحاق:
هو من قولهم: اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قد ذكرنا ما فيه. قال الفراء[1]: بنو تميم يقولون: مثلات بسكون الثاء. وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ روي عن ابن عباس أنه قال: ليس في القرآن أرجأ من هذه.
[سورة الرعد (13) : آية 7]
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7)
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وإنما قالوا هذا بعد ظهور الآيات والبراهين على التعنّت والتّهزّء فقال الله جلّ وعزّ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي تنذرهم العذاب لكفرهم بعد البراهين وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قد ذكرنا قول أهل التفسير فيه، وفيه تقديران في العربية: يكون هاد معطوفا على منذر، وهذا من أحسن ما قيل فيه لأن المنذر هو الهادي إلى الله جلّ وعزّ، والتقدير: إنما أنت منذر هاد، والتقدير الآخر أن يكون مرفوعا بالابتداء، والتقدير: ولكل قوم نبيّ هاد.
[سورة الرعد (13) : آية 8]
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8)
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ابتداء وخبر، وكذا وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[سورة الرعد (13) : آية 9]
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (9)
عالِمُ الْغَيْبِ نعت، وإن شئت على إضمار مبتدأ، وإن شئت بالابتداء وما بعده خبره ويجوز في الإعراب النصب على المدح والخفض على البدل والْكَبِيرُ الملك المقتدر على كل شيء شيء والْمُتَعالِ المستعلي على كل شيء، وحذفت الياء لأنه رأس آية.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 59.
[سورة الرعد (13) : آية 10]
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (10)
سَواءٌ مِنْكُمْ مرفوع ينوى به التأخير. قال أبو إسحاق: والتقدير: ذو سواء، كما يقال: رجل عدل، وقيل: سواء بمعنى مستو وهو مرفوع بالابتداء. قال أبو إسحاق:
ولا يجوز عند سيبويه هذا لأنه لا يبتدأ بنكرة. قال أبو جعفر: والمعنى أنه يستوي عند الله جلّ وعزّ هؤلاء وعلمه بهم واحد، وقال حسان: [الوافر] 243-
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء[1]
أي بمنزلته عند الله جلّ وعزّ.
[سورة الرعد (13) : آية 11]
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (11)
لَهُ مُعَقِّباتٌ جمع معقّبة والهاء للمبالغة ولهذا جاز يَحْفَظُونَهُ على التذكير مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي حفظهم إياه من أمر الله جلّ وعزّ أمرهم أن يحفظوه مما لم يقدر عليه وقيل المعنى أن المعقبات من أمر الله جلّ وعزّ وهذان الجوابان على قول من قال: أنّ المعقّبات الملائكة وأما من قال: أن المعقّبات الشّرط فالمعنى عنده: يحفظونه من أمر الله على قولهم. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فيه قولان: أحدهما أن المعنى: إن الله لا يغيّر ما بإنسان من نعمة وكرامة ابتدأ بها بأن يعاقبه أو يعذبه إلا أن يغيّر ما بنفسه، والقول الآخر: إن الله جلّ وعزّ لا يغيّر ما بقوم مؤمنين صالحين فيسميهم كافرين فاسقين إلا أن يفعلوا ما يوجب ذلك ولا يأمر بإذلالهم إلّا أن يغيّروا ما بأنفسهم: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ فحذّرهم الله جلّ وعزّ بعد أن أعلم أنّه يعلم سرائرهم وما يخفون. وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ أي من وليّ ينصرهم ويمنع منهم.
[سورة الرعد (13) : آية 12]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12)
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ابتداء وخبر. خَوْفاً وَطَمَعاً على المصدر. وقول أهل التفسير خوفا للمسافر وطمعا للحاضر على الأكثر. وحقيقته على العموم لكلّ من خاف أو طمع وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ جمع سحابة فلهذا نعت بالثقال.
[سورة الرعد (13) : آية 13]
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13)
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أهل التفسير يقولون: الرّعد اسم ملك فهذا حقيقة،
[1]الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه 76، وتذكرة النحاة ص 70، والدرر 1/ 296، ومغني اللبيب 625، والمقتضب 2/ 137، وبلا نسبة في شرح الأشموني ص 82، وهمع الهوامع 1/ 88.
وقيل أنّه مجاز وأنه الصّوت فيكون معنى يسبح يدلّ على تنزيه الله جلّ وعزّ من الأشباه فنسب التسبيح إليه مجازا.
[سورة الرعد (13) : آية 14]
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (14)
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ أي وما دعاء الكافرين الأوثان. إِلَّا فِي ضَلالٍ عن الصواب وعن الانتفاع بالإجابة.
[سورة الرعد (13) : آية 15]
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15)
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قد تكلّم العلماء في معنى هذا، ومن أحسن ما قيل أنّ السجود هاهنا الخضوع لتدبير الله جلّ وعزّ وتصريفه من صحّة وسقم وغيرهما.
طَوْعاً وَكَرْهاً أي ينقادون على ما أحبّوا أو كرهوا لا حيلة لهم في ذلك، وظلالهم أيضا منقادة لتدبير الله جلّ وعزّ وإجرائه الشمس بزيادة الظلّ ونقصانه وزواله بتصرّف الزمان وجري الشّمس على ما دبّره جلّ وعزّ.
[سورة الرعد (13) : آية 16]
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16)
هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي المؤمن والكافر. أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي الكفر والإيمان.
[سورة الرعد (13) : آية 17]
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17)
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قال أهل التفسير: أي بقدر ملئها، وقيل: ما قدّر لها.
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً تم الكلام ثم قال جلّ وعزّ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ رفع بالابتداء عند البصريين، وقال الكسائي: ارتفع لأن معناه مما توقدون عليه في النار زبد، قال: وهو الغثاء. وقد غثى يغثي غثيا وغثيانا وهو ما لا ينتفع به مثله أي مثل زبد البحر. كَذلِكَ في موضع نصب، فَأَمَّا الزَّبَدُ أي من هذه الأشياء. فَيَذْهَبُ جُفاءً على الحال من قولهم: انجفأت القدر إذا رمت بزبدها، وهو الغثاء أيضا.