[سورة الحجر (15) : آية 31]
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)
إِلَّا إِبْلِيسَ قال أبو إسحاق: استثناء ليس من الأول يذهب إلى قول من قال: إن إبليس ليس من الملائكة ولا كان منهم. وهذا قول صحيح يدلّ عليه أن الله جلّ وعزّ أخبرنا أنه خلق الجانّ من نار والملائكة لم تخلق من نار.
[سورة الحجر (15) : آية 32]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)
ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ في موضع نصب.
[سورة الحجر (15) : الآيات 37 الى 38]
قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)
ليس إجابة له إلى ما سأل وإنما هو على التهاون به إذ كان لا يصل إلى ضلال أحد إلّا من لا يفلح لو لم يوسوسه.
[سورة الحجر (15) : آية 39]
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي فيه أقوال: فمن أحسنها أن المعنى: بما خيّبتني من الجنة يقال: غوى إذا خاب وأغواه خيّبه ومنه: [الطويل] 259-
ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما[1]
[سورة الحجر (15) : آية 40]
إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)
إِلَّا عِبادَكَ نصب على الاستثناء.
[سورة الحجر (15) : آية 41]
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)
قالَ هذا صِراطٌ. مبتدأ وخبر عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ من نعته. قال زياد بن أبي مريم:
«عليّ» هي إليّ يذهب إلى أن المعنى واحد. قيل: فيه معنى التهديد أي إليّ مرجعه وعلى طريقه، وقيل: على بيانه أي ضمان ذلك.
[سورة الحجر (15) : آية 42]
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42)
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ الأصل في ليس عند سيبويه ليس قال سيبويه[2]:
وأما (ليس) فمسكّنة من نحو صيد كما قالوا: علم ذاك. قال أبو جعفر: كان يجب على أصول العربية أن يقال: لاس لتحرّك الياء وتحرّك ما قبلها. قال سيبويه[3]: فجعلوا إعلاله إزالة الحركة لأنه لا يقال منه: يفعل ولا فاعل ولا مصدر ولا اشتقاق، وكثر في كلامهم
[1]مرّ الشاهد رقم 56.
[2]انظر الكتاب 4/ 486.
[3]انظر الكتاب 4/ 486.
فلم يجعلوه كأخواته. يعني ما يعمل عمله. قال: فجعلوه كليت. قال أبو إسحاق: ولم يتصرّف ليس لأنه ينفى بها المستقبل والحال والماضي فلم يحتجّ فيها إلى تصرّف. قال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: لمّا ضارعت «ما» منعت من التصريف.
[سورة الحجر (15) : آية 47]
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47)
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال الكسائي: غلّ يغلّ من الشحناء، وغلّ يغلّ من الغلول، وأغلّ يغلّ من الخيانة، وقال غيره: معنى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أزلنا عنهم الجهل والغضب وشهوة ما لا ينبغي حتى زال التحاسد. إِخْواناً على الحال.
[سورة الحجر (15) : آية 51]
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51)
والتقدير: عن أصحاب ضيف إبراهيم ولهذا لم يكثّر ضيوف.
[سورة الحجر (15) : آية 53]
قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53)
قالُوا لا تَوْجَلْ ومن قال تأجل أبدل من الواو ألفا لأنها أخفّ، ومن قال: تيجل أبدل منها ياء لأنها أخفّ من الواو، ولغة بني تميم تيجل ليدلّوا على أنه من فعل، ويقال: فلان ييجل، بكسر الياء، وهذا شاذّ لأن الكسرة في الياء مستقلة ولكن فعل هذا لتنقلب الواو ياء.
[سورة الحجر (15) : آية 54]
قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54)
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قراءة أكثر الناس، وقرأ نافع بكسر النون، وحكي عن أبي عمرو بن العلاء رحمه الله أنه قال: كسر النون لحن، يذهب إلى أنه لا يقال: أنتم تقوموا فيحذف نون الإعراب. قال أبو جعفر: قد أجاز سيبويه[1]والخليل مثل هذا. قال سيبويه: وقرأ بعض الموثوق بهم قالَ أَتُحاجُّونِّي [الأنعام: 80] وفَبِمَ تُبَشِّرُونَ وهي قراءة أهل المدينة[2]، والأصل عند سيبويه: فبم تبشّرون بإدغام النون في النون ثم استثقل الإدغام فحذف إحدى النونين ولم يحذف نون الإعراب كما تأول أبو عمرو وإنما حذف النون الزائدة. وأنشد سيبويه: [الوافر] 260-
تراه كالثّغام يعلّ مسكا ... يسوء الفاليات إذا فليني[3]
وقال الآخر: [الوافر] 261-
أبالموت الّذي لا بدّ أنّي ... ملاق لا أباك تخوّفيني[4]
[1]انظر الكتاب 4/ 3.
[2]انظر تيسير الداني 111.
[3]مرّ الشاهد رقم (134) .
[4]الشاهد لأبي حيّة النميري في ديوانه 177، وخزانة الأدب 4/ 100، والدرر 2/ 219، وشرح شواهد الإيضاح 211، ولسان العرب (خعل) و (أبي) ، و (فلا) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 3/ 132، والخصائص 1/ 345، وشرح التصريح 2/ 26، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 501، وشرح شذور الذهب 424، وشرح المفصّل 2/ 105، واللامات ص 103، والمقتضب 4/ 375، والمقرّب 1/ 197، والمنصف 2/ 337، وهمع الهوامع 1/ 337.
[سورة الحجر (15) : الآيات 55 الى 56]
قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (56)
وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ وقرأ وَمَنْ يَقْنِطُ[1]وقرأ مِنْ بَعْدِ ما قَنِطُوا [الشورى: 28] جميعا بالكسر وقرأ أبو عمرو والكسائي قال ومن يقنط بكسر النون و «قنطوا» بفتح النون، وقرأ أهل الحرمين وعاصم وحمزة قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ بفتح النون، وقرءوا «قنطوا» بفتح النون، وقرأ الأشهب العقيلي قال ومن يقنط بضمّ النون. قال أبو جعفر: أبو عبيد القاسم بن سلام يختار قراءة أبي عمرو والكسائي في هذا، وزعم أنها أصحّ في العربية، وردّ قراءة أهل الحرمين وعاصم وحمزة لأنها على فعل يفعل عنده، وكذا أنكر قنط يقنط، ولو كان الأمر كما قال لكانت القراءتان لحنا، وهذا شيء لا يعلم أنه يوجد أن يجتمع أهل الحرمين على شيء ثم يكون لحنا ولا سيما ومعهم عاصم مع جلالته ومحلّه وعلمه وموضعه من اللغة، والقراءتان اللتان أنكرهما جائزتان حسنتان وتأويلهما على خلاف ما قال. يقال: قنط يقنط وقنط قنوطا فهو قانط، وقنط يقنط قنطا فهو قنط وقانط. فإذا قرأ «ومن يقنط» فهو على لغة من قال: قنط يقنط، وإذا قرأ «ومن يقنط» فهو على لغة من قال: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وإذا قرأ يقنطوا فهو على لغة من قال: قنط يقنط مثل حذر يحذر فله أن يستعمل اللغتين، وأبو عبيد ضيّق ما هو واسع من اللغة ومعنى ومن يقنط من ييأس.
[سورة الحجر (15) : آية 57]
قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57)
قالَ فَما خَطْبُكُمْ ابتداء وخبر.
[سورة الحجر (15) : الآيات 58 الى 59]
قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59)
إِلَّا آلَ لُوطٍ ... قال أبو إسحاق: استثناء ليس من الأول إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ.
[سورة الحجر (15) : آية 60]
إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (60)
إِلَّا امْرَأَتَهُ قال: استثناء من الهاء والميم. وتأوّل أبو يوسف هذا على أنه استثناء ردّ
[1]انظر البحر المحيط 5/ 447.
على استثناء، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَّا آلَ لُوطٍ فاستثناهم من المجرمين إلا امرأته فاستثناها من قوم لوط فصارت مع المجرمين. قال كما تقول: له عليّ عشرة إلا أربعة إلّا واحدا، فيكون سبعة لأنك استثنيت من الأربعة واحدا فصار مع الستة فصارت سبعة. قال أبو عبيد: كما تقول: إذا قال رجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا إلّا اثنتين إلّا واحدة فقد طلّق ثنتين. قال أبو جعفر: الذي قال أبو يوسف كما قال عند أهل العربية، والذي قاله أبو عبيد عند حذاق أهل العربية لا يجوز. يقولون إنّه لا يستثنى من الشّيء نصفه ولا أكثر من النصف ولا يتكلّم به أحد من العرب. والاستثناء عند الخليل وسيبويه[1]التوكيد، لأنك إذا قلت: جاءني القوم جاز أن يكون قد بقي منهم، فإذا قلت:
كلّهم أحطت بهم، وكذا إذا قلت: جاءني القوم جاز أن يكون زيد داخلا فيهم فإذا قلت: إلا زيدا بيّنت كما بيّنت بالتوكيد. ومعنى قولك: له عندي عشرة إلا واحدا، له عندي عشرة ناقصة، ولا يجوز أن يقال لخمسة ولا أقل منها عشرة ناقصة. قَدَّرْنا إِنَّها وقرأ عاصم قَدَّرْنا وفي التشديد معنى المبالغة أي كتبنا ذلك وأخبرنا به وعلمنا أنّها لمن الغابرين قد ذكرناه.
ومن أحسن ما قيل فيه أن معنى الغابرين الباقون المتخلّفون عن الخروج معه من قولهم غبر إذا بقي، وهكذا قال أهل العربية في معنى وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود: 81] إن المعنى فأسر بأهلك إلّا امرأتك، ومن أحسن ما قيل في معنى وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ أن المعنى:
ولا يلتفت إلى ما خلّف وليخرج، وقد قيل: إنه من الالتفات أي لا يكن منكم خروج فيلتفت.
قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) أي بالعذاب الذي كانوا يشكّون فيه.
[سورة الحجر (15) : آية 65]
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65)
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ من أسرى، ومن وصل جعله من سرّى، لغتان معروفتان.
[سورة الحجر (15) : آية 66]
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ قال الأخفش: «أنّ» في موضع نصب على البدل من الأمر، وقال الفراء[2]: هي في موضع نصب بسقوط الخافض أي قضينا إليه ذلك الأمر بهذا. قال: وفي قراءة عبد الله وقلنا إن دبر هؤلاء[3]فلو قرأ قارئ على هذا بكسر إنّ لجاز. مُصْبِحِينَ نصب على الحال، والتقدير عند الفراء وأبي عبيد إذا كانوا مصبحين. قال أبو عبيد: كما تقول: أنت راكبا أحسن منك ماشيا. قال:
وسمعت أعرابيا فصيحا من بني كلاب يقول: أنا لك صديقا خير منّي لك عدوا.
[1]انظر الكتاب 2/ 323. [.....]
[2]انظر معاني الفراء 2/ 90.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 90.
[سورة الحجر (15) : آية 67]
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67)
في موضع نصب على الحال.
[سورة الحجر (15) : آية 68]
قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68)
قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي وحّد لأنه مصدر في الأصل ضفته ضيفا أي نزلت به، والتقدير: ذوو ضيفي. قال أبو إسحاق: المعنى أو لم ننهك عن ضيافة العالمين، وقال غيره: المعنى أو لم ننهك عن أن تجير أحدا علينا وتمنعنا منه.
[سورة الحجر (15) : آية 72]
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)
لَعَمْرُكَ مبتدأ، والخبر محذوف لأن القسم باب حذف، والتقدير لعمرك قسمي إِنَّهُمْ بالكسر لأنه جواب القسم وأجاز جماعة من النحويين فتحها. لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي جهلهم شبّه بالسكر.
[سورة الحجر (15) : آية 73]
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73)
نصب على الحال. وأشرقوا صادفوا شروق الشمس أي طلوعها.
[سورة الحجر (15) : آية 75]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75)
أي لعظات عن المعاصي والكفر للمستدلّين.
[سورة الحجر (15) : آية 78]
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78)
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لا اختلاف في صرف هذا والذي في «ق»[1]، واختلفوا في الذي في «الشعراء»[2]والذي في «ص»[3]فقرأهما أهل المدينة بغير صرف، وقرأهما أهل البصرة وأهل الكوفة كذينك، وهذا هو الحقّ لأنه لا فرق بينهنّ والقصة واحدة، وإنما هذا كتكرير القصص في القرآن. فأما قول من قال: إن أيكة اسم للقرية، وإن «الأيكة» اسم للبلد فغير معروف ولا مشهور، فأمّا احتجاج من احتجّ بالسواد وقال: لا أصرف اللتين في «الشعراء» و «ص» لأنهما في الخطّ بغير ألف فلا حجّة له في ذلك وإنما هذا على لغة من قال: جاءني صاحب زيد لسود، يريد الأسود، فألقى حركة الهمزة على اللام فتحرّكت اللام وسقطت ألف الوصل لتحرّكها وسقطت الهمزة لمّا ألقيت حركتها على ما قبلها، وكذا ليكة.
[1]ق: 14، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ.
[2]الشعراء: 176 كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ.
[3]ص: 13 وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ.
[سورة الحجر (15) : آية 79]
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79)
وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ في معناه قولان: أحدهما أنّ الإمام الكتاب الذي كتبه الله جلّ وعزّ لأنه قبل الكتب كلّها، والآخر أنه الطريق لأنه يؤتمّ به.
[سورة الحجر (15) : آية 80]
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80)
قيل: أصحاب الحجر قوم صالح.
[سورة الحجر (15) : آية 82]
وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82)
وقرأ الحسن وَكانُوا يَنْحِتُونَ لأن فيه حرفا من حروف الحلق والكسر أفصح.
[سورة الحجر (15) : الآيات 87 الى 88]
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ في الحديث أن القرآن هاهنا هو الحمد لأن بعض القرآن قرآن لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ لا تتمنّينّ نعمهم ولا تحزن عليهم أي على نعمتي عليهم. قال أبو إسحاق: ومعنى وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ألن جناحك لمن آمن بك واتّبعك.
[سورة الحجر (15) : الآيات 90 الى 91]
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)
كَما أَنْزَلْنا الكاف في موضع نصب أي «وقل إنّي أنا النّذير المبين» عقابا أو عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أبو عبيدة[1]معمر بن المثنّى يذهب إلى أنّ «عضين» من عضّيت أي فرّقت، وهو مشتق من العضو، والمحذوف عنده واو، والتصغير عنده عضيّة، والكسائي يذهب إلى أنه من عضهت الرجل أي رميته بالبهتان، والتصغير عنده عضيهة. قال الفراء[2]: العضون في كلام العرب السحر وإنما جمع بالواو والنون عند البصريين عوضا مما حذف منه وعند الكوفيين أنه كان يجب أن يجمع على فعول فطلبوا الواو التي في فعول فجاءوا بها فقالوا عضون. قال الفراء[3]: ومن العرب من يقول: عضينك يجعله بالياء على كلّ حال ويعرب النون، كما تقول: مضت سنينك، وهي كثيرة في أسد وتميم وعامر، والعلّة عنده فيه أن الواو لمّا وقعت موقع حرف ناقص توهّموا أنها واو فعول فأعربوا ما
[1]انظر مجاز القرآن 1/ 355.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 92.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 92.
بعدها وقلبوها ياء كما قال بعض العرب في التاء حكاه عن أبي الجرّاح: سمعت لغاتهم، ولا تقول ذلك في الصّالحات، ولا فيما حذف من أوله نحو لدّات.
[سورة الحجر (15) : آية 92]
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)
توكيد للهاء والميم.
[سورة الحجر (15) : آية 94]
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)
قال أبو إسحاق فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي أبنه وأظهره مشتقّ من الصّديع وهو الصبح، والصّدع في الزجاجة أن يبين بعضها من بعض بِما تُؤْمَرُ مصدر عند البصريين أي بأمرنا، وقال الكسائي: التقدير بما تؤمر به مثل أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: 6] أي بربّهم ثم حذفت الباء. قال أبو جعفر: لا يجوز حذف الباء عند البصريين في كلام ولا شعر، وقد أنشد الكوفيون لجرير: [الوافر] 262-
تمرّون الدّيار ولم تعوجوا ... كلامكم عليّ إذا حرام[1]
وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ينشد لجدّه:
مررتم بالدّيار ولم تعوجوا
[سورة الحجر (15) : آية 96]
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ في موضع نصب على النعت للمستهزئين: ومعنى وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: 94] أي عن إجابتهم إذا تلقّوك بالقبيح.
[سورة الحجر (15) : آية 99]
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ نصب بحتّى، ولا يجوز رفعه لأنه مستقبل، واليقين الموت لأن كلّ عاقل يوقن به.
[1]الشاهد لجرير في ديوانه 278، وتخليص الشواهد 503، وخزانة الأدب 9/ 118، والدرر 5/ 189، وشرح شواهد المغني 1/ 311، ولسان العرب (مرر) ، والمقاصد النحوية 2/ 560، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 6/ 145، وخزانة الأدب 7/ 158، ورصف المباني ص 247، وشرح ابن عقيل 272، وشرح المفصّل 8/ 8، ومغني اللبيب 1/ 100، والمقرّب 1/ 115، وهمع الهوامع 832.
16 شرح إعراب سورة النحل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة النحل (16) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ[1]
أَتى أَمْرُ اللَّهِ من أحسن ما قيل في معناه قول الضحاك إنه القرآن، وقد قيل: إنه نصر النبي صلّى الله عليه وسلّم. ومن قال: إنّه القيامة جعله مجازا على أحد أمرين يكون «أتى» بمعنى قرب، ويكون «أتى» بمعنى يأتي إلّا أن سيبويه[1]لا يجيز أن يكون فعل بمعنى يفعل ويجيز أن يكون يفعل بمعنى فعل لأنه يكون محكيّا. فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ نهي فيه معنى التهديد.
[سورة النحل (16) : الآيات 2 الى 3]
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ[2]خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ[3]
أَنْ أَنْذِرُوا قال أبو إسحاق: «أن» في موضع جرّ على البدل من الروح، والتقدير: ينزل الملائكة بأن أنذروا أهل الكفر والمعاصي أي حذّروهم بأنه لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ثمّ دلّ جلّ وعزّ على توحيده فقال جل ثناؤه: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
[سورة النحل (16) : آية 5]
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (5)
وَالْأَنْعامَ نصب بإضمار فعل، ويجوز الرفع في غير القرآن.
[سورة النحل (16) : آية 8]
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8)
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ أي وجعل لكم، وقال الفراء[2]: هي ردّ على خلق.
قال: وإن شئت كانت بمعنى وسخّر. قال: ويجوز الرفع من وجهين: أحدهما أنه لم يكن معها فعل رفعت، والآخر أنه لمّا كان يجوز والأنعام بالرفع توهّمت أنه مرفوع رفعت. وَزِينَةً قال الأخفش والفراء[3]: أي وجعلها زينة. قال الفراء: ويجوز أن
[1]انظر الكتاب 3/ 23.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 97.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 97.