[سورة النحل (16) : آية 78]
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ومن كسر الهمزة أتبع الكسرة الكسرة، وكسر الميم بعيد وأمّهات جمع أمّهة، وقيل: الهاء زائدة كما زيدت في أهرقت.
[سورة النحل (16) : آية 79]
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ أي إلى خلقها كيف خلقت خلقا يتهيّأ لها معه الطيران والثبوت في الجو، وجعل ذلك تسخيرا منه لها مجازا فقال جلّ ثناؤه: مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ومُسَخَّراتٍ حال. ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ لأنه جلّ وعزّ يثبتهنّ بالهواء الذي خلقه تحتهنّ فجعل ذلك إمساكا منه لهن اتساعا.
[سورة النحل (16) : آية 81]
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ أي خلق لكم ما تتّخذون منه سرابيل وأقدركم على عمله وروي عن ابن عباس رحمه الله أنه قرأ كذلك تتمّ نعمه عليكم ورفع النعمة.
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ[1]بفتح التاء واللام.
[سورة النحل (16) : آية 83]
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83)
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وإنكارهم إياها إضافتهم إياها إلى غير الله جلّ وعزّ وإشراكهم معه فيها غيره.
[سورة النحل (16) : آية 84]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84)
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً والأمة القرن والجماعة فدلّ بهذا على أنّ في كلّ قرن من يطيعه جلّ وعزّ، ولا يكون الشهيد إلّا مطيعا. ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار. ومعنى لا يؤذن لهم في الاعتذار لا يقال لهم: اعتذروا بل يقال لهم: إن اعتذرتم لم يقبل منكم، ومثله وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 36] أي لا يعتذرون اعتذارا ينتفع به.
[1]انظر البحر المحيط 5/ 508، ومعاني الفراء 2/ 112.
[سورة النحل (16) : آية 86]
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86)
وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ أي أصنامهم التي كانوا يعبدونها تحشر معهم ليوبّخوا بها ويقرّعوا بها في النار. وسماها شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم وزرعهم وأنعامهم فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ أنطقوا فقالوا لهم: كذبتم ما كنا آلهة ولا نستحقّ العبادة.
[سورة النحل (16) : آية 87]
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (87)
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ استسلموا وانقادوا. وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ هلك وزال.
[سورة النحل (16) : آية 88]
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (88)
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ أي فوق العذاب الذي كانوا يستحقونه بكفرهم. بِما كانُوا يُفْسِدُونَ بصدّهم الناس عن الإسلام.
[سورة النحل (16) : آية 89]
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (89)
تِبْياناً أي بيانا مثل تلقاء، ويقال: تبيانا بفتح التاء أي تبيينا.
[سورة النحل (16) : آية 90]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي بالإنصاف. وَالْإِحْسانِ أي التفضّل. وحقيقة الإحسان في اللغة أنه كلّ فعل حسن وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وهو صلة الأرحام. وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وهو كلّ فعل أو قول قبيح وَالْمُنْكَرِ كلّ ما تنكره العقول من أفعال أو أقوال وَالْبَغْيِ أشدّ الفساد. وحكى القاسم بن سلام أنه يقال: برأ جرحه على بغي إذا برأ وفيه شيء من نغل، ثم قال جلّ وعزّ: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ والأصل تتذكّرون أدغمت التاء في الذال.
[سورة النحل (16) : آية 91]
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91)
وَأَوْفُوا على لغة من قال: أوفى، ويقال: وفى بعهد الله. إِذا عاهَدْتُمْ فيه
قولان: أحدهما بما تقدّم إليكم به وقدّركم عليه، والآخر أوفوا بما حلفتم عليه، وهذا أولى وأشبه بالمعنى لأن بعده وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها قال الكسائي: وناس كثير من العرب يقولون: تأكيد وقد أكّدت. قال أبو إسحاق: الأصل الواو والهمزة بدل منها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا قولهم الله كفيل على هذا وشاهد، ويكون مجازا فيكون حلفهم كقولهم هذا.
[سورة النحل (16) : آية 92]
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها أي فتنقضوا ما قد وكّدتموه وقويتموه. مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ والعرب تسمي الفتلة الوثيقة قوة. قال أبو إسحاق أَنْكاثاً يعني المصدر لأن معنى نقض ونكث واحد. قال ودَخَلًا منصوب لأنه مفعول له وأَنْ في موضع نصب والمعنى بأن تكون أمة هي أكثر من أمة. من ربا الشيء يربو إذا كثر، وقال الكسائي: المعنى لأن تكون لغة. قال الكسائي والفراء[1]: أَرْبى في موضع نصب، والمعنى مثل تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً [المزمّل: 20] يجعلان «هو» عمادا. قال أبو جعفر: وهذا خطأ عند الخليل وسيبويه[2]رحمهما الله، ولا يجوز، ولا يشبه تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً لأن الهاء في «تجدوه» معرفة وأمة نكرة، ولا يجوز عندهما: ما كان أحد هو جالس، وقال الخليل: لا تكون هو زائدة إلا مع المعرفة، وعنده أنّ كونها مع المعرفة زائدة عجب فكيف تزاد مع النكرة؟ فالقول إن «أربى» في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ والجملة خبر تكون.
[سورة النحل (16) : آية 94]
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94)
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ جواب النهي، والمعنى: فتستحقّ العقوبة بعد أن كانت تستحقّ الثواب.
[سورة النحل (16) : آية 96]
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (96)
ما عِنْدَكُمْ في موضع رفع بالابتداء. يَنْفَدُ في موضع الخبر. وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ابتداء وخبر. وقد ذكرنا مثل باق.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 113.
[2]انظر الكتاب 2/ 412.
[سورة النحل (16) : الآيات 98 الى 99]
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ مجازه إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ فجاء على تذكير السلطان، وكثير من العرب يؤنّثه فتقول: قضت به عليك السلطان، فأعلم الله جلّ وعزّ أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين، وأعلم جلّ وعزّ في موضع آخر أنّه ليس له سلطان على واحد.
فأما المعنى إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أي إنه إذا وسوس إليهم قبلوا منه.
[سورة النحل (16) : آية 101]
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101)
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وهو الناسخ والمنسوخ لما يعلم الله جلّ وعزّ في ذلك من الصلاح تلبّسوا به فقالوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وهو ابتداء وخبر، وكذا بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
[سورة النحل (16) : آية 103]
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)
وقرأ الحسن إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ[1]«بشر» بغير تنوين و «اللسان» بالألف واللام، واللسان مرفوع «بشر» مرفوع بفعله و «اللسان» مبتدأ وخبره «أعجميّ» وحذف التنوين من «بشر» لالتقاء الساكنين، وأنشد سيبويه:
[المتقارب] 264-
ولا ذاكر الله إلّا قليلا[2]
ومثله قراءة من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 2] ، وكذا وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ [يس: 20] بنصب النهار. قرأ أقل المدينة وأهل البصرة يُلْحِدُونَ[3]بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الكوفيون يلحدون[4]بفتح الياء والحاء، واللغة الفصيحة «يلحدون» ومنه يقال: رجل ملحد أي مائل عن الحق، ويبيّن هذا وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ [الحج: 25] فهذا من ألحد يلحد لا غير، ويقال: لحدت
[1]انظر البحر المحيط 5/ 519، ومختصر ابن خالويه 74.
[2]مرّ الشاهد رقم (73) .
[3]انظر تيسير الداني 113.
[4]انظر تيسير الداني 113. [.....]
القبر أي جعلت فيه لحدا وألحدت الميّت ألزمته اللحد. وَهذا لِسانٌ قيل: يعني القرآن، سمّاه لسانا اتّساعا، كما يقال: فلان يتكلّم بلسان العرب أي بلغتها وكذا اللسان الذي يلحدون إليه أي كلامه وعلى هذا تسمّى الرسالة لسانا، كما قال: [الوافر] 265-
لسان السّوء تهديها إلينا[1]
[سورة النحل (16) : آية 106]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106)
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مَنْ في موضع رفع على البدل من «الكاذبين» .
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ في موضع نصب على الاستثناء. والمعنى- والله أعلم- إلّا من أكره.
فله أن يقول ما ظاهره الكذب والكفر ولا يعتقده، ولا يجوز له أن يكذب كذبا صراحا بوجه، وإنما يقول: فلان كذّاب على قولهم أو يعني به غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ممن هو كاذب لأن الكذب قبيح فلا يجوز أن يأذن الله فيه بحال، والدليل على قبحه أن قائله لا يوثق بخبره وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ابتداء وخبر، وهو تبيين ما تقدّم. مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ مبتدأ. فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ في موضع الخبر.
[سورة النحل (16) : آية 107]
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107)
اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ قال الخليل رحمه الله لا جَرَمَ لا تكون إلّا جوابا. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه[2].
[سورة النحل (16) : آية 110]
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)
مِنْ بَعْدِها أي من بعد الفتنة.
[سورة النحل (16) : آية 111]
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)
يَوْمَ تَأْتِي في موضع نصب أي غفور رحيم يوم تأتي كلّ نفس، ويجوز أن يكون بمعنى: واذكر يوم تأتي كلّ نفس.
[1]الشاهد بلا نسبة في جواهر الأدب 125، والجنى الداني 94، والدرر 1/ 240، وشرح شواهد المغني 1/ 506، ومغني اللبيب 1/ 182، وهمع الهوامع 1/ 77، وعجزه:
«وحنت وما حسبتك أن تحينا»
[2]مرّ في إعراب الآية 22- هود.
[سورة النحل (16) : آية 112]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112)
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي مثل قرية. فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ جمع نعمة عند سيبويه، وقال قطرب: جمع نعم مثل ودّ وأدود.
[سورة النحل (16) : آية 116]
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116)
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ نصب بمعنى لوصف ألسنتكم الكذب، وقال: الكذب يلقي حركة الدال على الكاف، وقرأ أهل الشام أو بعضهم وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ[1]على النعت للألسنة، وقرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ[2]بالخفض على النعت لما أو البدل.
[سورة النحل (16) : آية 117]
مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (117)
مَتاعٌ قَلِيلٌ على إضمار مبتدأ أي تمتّعهم في الدنيا متاع قليل أي مدّة بقائهم، ويجوز متاعا في غير القرآن على المصدر أي يمتعون متاعا.
[سورة النحل (16) : آية 120]
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
كانَ أُمَّةً خبر كان. قانِتاً نعت أو خبر ثان. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا[3]وَلَمْ يَكُ في غير موضع.
[سورة النحل (16) : آية 124]
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قال بعضهم: لا نريد الجمعة، وقال بعضهم: لا نريد السبت ففرض عليهم الفراغ في يوم السبت.
[سورة النحل (16) : آية 127]
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ قيل المعنى: لا تحزن على الكفار فإنّما عليك أن تدعوهم إلى الإيمان، وقيل: المعنى ولا تحزن على الشهداء فإن الله جلّ وعزّ قد أثابهم وفيهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وفيه نزلت وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
[1]انظر المحتسب 2/ 11.
[2]انظر البحر المحيط 5/ 527.
[3]مرّ في إعراب الآية 109- هود.
[النحل: 126] وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ للكفّار لم يقل غيره، وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام أنّ نافعا قرأ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ[1]بكسر الضاد قال أبو جعفر:
وهذا لا يعرف عن نافع. وقال الكوفيون: الفراء[2]وغيره: «الضيق» بفتح الضاد في القلب والصدر، «والضيق» بكسر الضاد في الثوب والدار وما أشبهها مما يرى قال الفراء: فإذا رأيت الضيق بفتح الضاد قد وقع في موضع الضّيق فهو مخفّف من ضيّق أو جمع ضيقة، ولا يعرف البصريون من هذا التفريق شيئا، وقالوا إذا أردت المصدر قلت: الضيق، كما تقول: البيع، وإن أردت الاسم قلت: الضيق كما تقول: العلم، وأجازوا في ضيّق التخفيف.
[سورة النحل (16) : آية 128]
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الَّذِينَ خفض بإضافة مع إليه لأن مع عند الخليل اسم إذا فتحت العين وإن أسكنتها فهي حرف. وَالَّذِينَ عطف. هُمْ مُحْسِنُونَ مبتدأ وخبره في الصّلة.
[1]انظر تيسير الداني 113.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 115.
17 شرح إعراب سورة الإسراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الإسراء (17) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[1]
روي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن معنى:
سُبْحانَ اللَّهِ، فقال: تنزيها لله من كل سوء. قال أبو جعفر: شرح هذا أنه بمعنى تبعيد الله جلّ وعز عن كلّ ما نسبه إليه المشركون من الأنداد والأضداد والشركاء والأولاد ونصبه عند الخليل وسيبويه[1]رحمهما الله على المصدر أي: سبّحت الله تسبيحا، إلّا أنه إذا أفرد كان معرفة منصوبا بغير تنوين لأن في آخره زائدتين وهو معرفة، وحكى سيبويه أنّ من العرب من ينكره فيصرفه، وحكى أبو عبيد في نصبه وجهين سوى هذا، إنه يكون نصبا على النداء أي يا سبحان الله، والوجه الآخر: أن يكون غير موصوف. الَّذِي في موضع خفض بالإضافة. وقال: سرى وأسرى لغتان معروفتان. بِعَبْدِهِ لَيْلًا على الظرف مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نعت للمسجد. وأصل الحرام المنع فالمسجد الحرام ممنوع الصيد فيه. قال أبو إسحاق: ويقال للحرم كلّه: مسجد. إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى نعت له، وكذلك الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ قيل: معنى باركنا حوله أن الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا بعد موسى صلّى الله عليه وسلّم من بني إسرائيل كانوا ببيت المقدس وما حوله فبارك الله جلّ وعزّ في تلك المواضع بأن باعد الشرك منها، ولهذا سمّي ببيت المقدس لأنه قدّس أي طهّر من الشرك. لِنُرِيَهُ نصب بلام كي وهي بدل من أن وأصلها لام الخفض.
[سورة الإسراء (17) : الآيات 2 الى 3]
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3)
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مفعولان، وكذا وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ. أَلَّا تَتَّخِذُوا
[1]انظر الكتاب 1/ 386.