بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 271

حذف الضمة في عنق لثقلها.

[سورة الإسراء (17) : آية 30]
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30)
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي يضيّق ويفعل من ذلك ما فيه الصلاح ودلّ على هذا إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً أي يعلم ما يصلحهم. وفي معنى «فتقعد ملوما محسورا» قولان: أحدهما قول الفراء:[1]إنه بمنزلة المحسور أي الكالّ المتعب، وحكى: حسرت الدّابة فهي محسورة وحسير إذا سيّرتها حتى تنقطع، والقول الآخر «محسورا» بمعنى من قد لحقته الحسرة.

[سورة الإسراء (17) : آية 31]
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (31)
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً خبر كان واسمها فيها مضمر والجملة خبر إنّ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا ما فيه من القراءات[2].

[سورة الإسراء (17) : آية 32]
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (32)
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ومن العرب من يمدّه يجعله مصدرا من زانى لأنه لا يكن إلّا من اثنين. إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا على البيان أي طريقه سيّئ وفعله قبيح.

[سورة الإسراء (17) : آية 33]
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33)
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ قد ذكرناه[3]. وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ على الحال فَقَدْ جَعَلْنا الإدغام حسن، لأن الدال من طرف اللسان والجيم من وسطه فهما متقاربتان والإظهار جائز لِوَلِيِّهِ أي أقرب الناس إليه. سُلْطاناً قال سعيد بن جبير كلّ سلطان في القرآن فهو حجّة. قال أبو إسحاق: من قرأ فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ[4]جعله خبرا أي فليس يسرف قاتل وليّه إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً في الضمير خمسة أقوال:
يكون للوليّ، وهذا أولاها عند أهل النظر لأنه أقرب إليه. قال ابن كثير عن مجاهد: إن المقتول كان منصورا، وهذا قول حسن لأن المقتول قد نصر في الدنيا لمّا أمر بقتل قاتله وفي الآخرة بإجزال الثواب وتعذيب قاتله، وقيل: إنّ القتل كان منصورا. قال
[1]انظر معاني الفراء 2/ 122.
[2]القراءات المختلفة في البحر المحيط 6/ 29.
[3]انظر البحر المحيط 6/ 30. [.....]
[4]انظر المحتسب 2/ 20، والبحر المحيط 6/ 31.


صفحه 272

الفراء[1]: يجوز أن يكون المعنى إنّ القتل لأنه فعل، والقول الخامس قول أبي عبيد، قال: يكون إنّ القاتل الأول كان منصورا إذا قتل. وهذا أبعدها وأشدّها تعسفا.

[سورة الإسراء (17) : آية 34]
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (34)
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا فدخل في هذا كلّ ما أمر الله به لأنه قد عهد إلينا فيه.

[سورة الإسراء (17) : آية 36]
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (36)
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فدخل في هذا النهي عن قذف المحصنات وعن القول في الناس بما لا يعلم وعن الكلام في الفقه والدين بالظنّ وأن لا يقول أحد ما لا يحقّه. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فدخل في هذا النهي عن الاستماع إلى ما لا يحلّ استماعه وعن الهمّ والعزم بما لا يحلّ النظر إليه، واعلم أن الإنسان مسؤول عن ذلك كلّه، وقال: أولئك في غير الناس لأن كلّ ما يشار إليه وهو متراخ فلك أن تقول فيه: أولئك، كما قال: [الكامل] 270-
ذمّ المنازل غير منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأيّام[2]

[سورة الإسراء (17) : آية 37]
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (37)
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا مرح، وحكى يعقوب القارئ مَرَحاً[3]بكسر الراء على الحال. قال الأخفش: وكسر الراء أجود لأنه اسم الفاعل. قال أبو إسحاق:
فتح الراء أجود لأنه فيه معنى التوكيد، كما يقال: جاء فلان ركضا، وجعله مصدرا في موضع الحال. والمرح في اللغة الأشر والبطر ويكون منه التختر والتكبّر. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي لن تبلغ قوتك هذا. وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا فلا ينبغي أن تتكبّر وتترفّع.

[سورة الإسراء (17) : آية 38]
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38)
فاحتجّوا بأشياء قد تقدّمت حسان منها وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ومنها وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً، واحتجّ أبو حاتم بقوله «مكروها» ولم يقل مكروهة. قال أبو جعفر: لا يلزم
[1]انظر معاني الفراء 2/ 123.
[2]الشاهد لجرير في ديوانه 990، وتخليص الشواهد 123، وخزانة الأدب 5/ 430، وشرح التصريح 1/ 128، وشرح شواهد الشافية 167، وشرح المفصل 9/ 129، ولسان العرب (أولى) ، والمقاصد النحوية 1/ 408، وبلا نسبة في أوضح المسالك 1/ 134، وشرح الأشموني 1/ 63، وشرح ابن عقيل ص 72، والمقتضب 1/ 185.
[3]انظر البحر المحيط 6/ 34.


صفحه 273

من هذه الاحتجاجات شيء لأن الأشياء الحسان تقدّمت في باب الأمر ثم جاء النهي فجاء بعده كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً لما نهي عنه، وقال مكروها ولم يقل: مكروهة لأنه عائد على لفظ كلّ وهو خبر ثان عن المضمر الذي في كان والمضمر مذكّر.

[سورة الإسراء (17) : آية 40]
أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)
إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا مصدر فيه معنى التوكيد عَظِيماً من نعته.

[سورة الإسراء (17) : آية 41]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (41)
قال أبو إسحاق: وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي ولقد بيّنا. قال: والمعنى وَما يَزِيدُهُمْ أي التبيين إِلَّا نُفُوراً.

[سورة الإسراء (17) : آية 42]
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42)
لَابْتَغَوْا لطلبوا.

[سورة الإسراء (17) : آية 43]
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (43)
أي تعاليا، كما قال: [الوافر] 271-
وليس بأن تتبّعه اتّباعا[1]

[سورة الإسراء (17) : آية 44]
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (44)
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ على تأنيث الجماعة ويسبح على تذكير الجميع. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ قد تكلّم العلماء في معناه فقال بعضهم: هو التسبيح الذي يعرف، وقال بعضهم: هو مخصوص، وقال بعضهم: تسبيحه دلالته على تنزيه الله جلّ وعزّ وتأوّل وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ على أن مخاطبة للكفار الذين لا يستدلّون، وقيل:
ولكن لا تفقهون مخاطبة للناس وإذا كان فيهم من لا يفقه ذلك فلم يفقهوا. إِنَّهُ كانَ حَلِيماً أي حليما عن هؤلاء الذين لا يستدلّون. غَفُوراً لمن تاب منهم.

[سورة الإسراء (17) : آية 45]
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45)
قيل: هؤلاء قوم كانوا إذا سمعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم يقرأ بمكة ليستدعي الناس سبّوه
[1]مرّ الشاهد رقم (77) .


صفحه 274

فأعلمه الله جلّ وعزّ أنه يحول بينهم وبينه حتى لا يفهموا قراءته. قال الأخفش:
«مستورا» أي ساترا ومفعول يكون بمعنى فاعل كما يقال: مشؤوم وميمون أي شائم ويا من لأن الحجاب هو الذي يستر، وقال غيره: الحجاب مستور على الحقيقة لأنه شيء مغطّى عنهم.

[سورة الإسراء (17) : آية 46]
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46)
وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً نصب على الحال على أنه جمع نافر، ويجوز أن يكون واحدا على أنه مصدر.

[سورة الإسراء (17) : آية 47]
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (47)
وَإِذْ هُمْ نَجْوى مبتدأ وخبره والتقدير: ذو نجوى.

[سورة الإسراء (17) : آية 48]
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (48)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي قالوا مرة هو مخدوع ومرة هو ساحر ليلحقوا بك الكذب، فَضَلُّوا عن سبيل الحق فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إليه.

[سورة الإسراء (17) : آية 49]
وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49)
خَلْقاً مصدر جَدِيداً من نعته. وجديد في المذكّر والمؤنّث بمعنى واحد، وجديدة في المؤنث لغة رديئة عند سيبويه.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 50 الى 51]
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51)
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي توهّموا ما شئتم فلا بدّ من أن تموتوا وتبعثوا. وكانت هذه الآيات من أعظم الدلائل على نبوّة النبي صلّى الله عليه وسلّم. قال الله جلّ وعزّ: فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا فأخبر جلّ وعزّ بأنّهم سيقولون هذا، وأخبر أنهم يحرّكون رؤوسهم استبعادا لما قال لهم وأنهم يقولون مع تحريك رؤوسهم أو بعده. مَتى هُوَ وتلى عليهم فكان الأمر على ذلك.

[سورة الإسراء (17) : آية 52]
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (52)
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ قال سعيد بن جبير: يخرج الناس من قبورهم وهم


صفحه 275

يقولون: سبحانك وبحمدك. وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا قيل: إنّهم إنما ظنّوا هذا بعد الحقيقة التي لا بدّ للخلق منها.

[سورة الإسراء (17) : آية 53]
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53)
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي المقالة التي هي أحسن. قال المازني: المعنى:
قل لعبادي قولوا يقولوا إنّ الشيطان ينزغ بينهم أي يحرّض الكافرين على المؤمنين.

[سورة الإسراء (17) : آية 56]
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (56)
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ في الكلام حذف دلّ عليه ما بعده، والتقدير: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهتكم من دون الله فليكشفوا عنكم الضّرّ وليحوّلوكم من الضيق والشدّة إلى السّعة ودلّ على هذا فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أي لن يحوّلوكم من الضيق والشدة إلى السعة والخصب.

[سورة الإسراء (17) : آية 57]
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57)
أُولئِكَ مبتدأ. الَّذِينَ يَدْعُونَ من نعته، والخبر يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ وفي قراءة ابن مسعود رحمه الله أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ[1]لأن قبله قل ادعوا، والتقدير:
يبتغون الوسيلة إلى ربهم ينظرون. أَيُّهُمْ أَقْرَبُ فيتوسّلون: والفرق بين هؤلاء وبين من توسّل بعبادة المسيح عليه السلام وغيره أن هؤلاء توسلوا وهم موحّدون وأولئك توسلوا بعبادة غير الله جلّ وعزّ فكفروا وأَيُّهُمْ رفع بالابتداء وأَقْرَبُ خبره، ويجوز أن يكون «أيّهم» بدلا من الواو ويكون بمعنى الذي، والتقدير يبتغي الذي هو أقرب الوسيلة وأضمرت «هو» وسيبويه[2]يجعل أيّا على هذا التقدير مبنيّة. وهو قول مردود وسنذكر ما فيه إن شاء الله[3]. والذين يدعون من كان مطيعا لله جلّ وعزّ، والتقدير: يدعونهم آلهة، وفي الآية قول آخر يكون متصلا بقوله جلّ وعزّ ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض أولئك الذين يدعون أي أولئك النبيون الذين يدعون الله جلّ وعزّ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ قال عطاء: أي القربة. قال أبو إسحاق: الوسيلة والسؤال والطلبة واحد. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ أي الذين يعبدونهم المطيعون يرجون رحمته ويخافون عذابه على الجواب الأول.
[1]انظر البحر المحيط 6/ 50.
[2]انظر الكتاب 2/ 420.
[3]انظر إعراب الآية 69- سورة مريم.


صفحه 276

[سورة الإسراء (17) : آية 58]
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (58)
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي أهل قرية. إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها بالموت أَوْ مُعَذِّبُوها بالاستئصال لعصيانهم كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً أي في الكتاب الذي كتبه الله جلّ وعزّ للملائكة عليهم السلام فيه أخبار العباد ليستدلّوا بذلك على قدرته.

[سورة الإسراء (17) : آية 59]
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (59)
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ أن الثانية في موضع رفع بالمنع والأولى في موضع نصب به. وهذه آية مشكلة. حدّثنا علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدّثنا علي بن عبد الله قال: حدّثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم أهل مكّة أن يجعل لهم الصفا ذهبا أو ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا أن نجتبي منهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت قبلهم الأمم.
قال: لا بل أستأني بهم فأنزل الله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً. قال أبو جعفر: التقدير في العربية: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلّا أن كذّب بمثلها الأولون فأهلكوا واستؤصلوا فجعل الله جلّ وعزّ ما فيه من الصلاح لهم، فإن قال قائل: فقد أعطي الأولون مثل هذا ولم يؤمنوا فما الفرق؟ فالجواب أنّ الفرق بينهم علم الله جلّ وعزّ بأنّ من هؤلاء من يؤمن ومن هؤلاء ومن أولادهم من يؤمن، وأنّ أولئك لا يؤمنون ولا يولد لهم من يؤمن.
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مفعولان ولم ينصرف ثمود لأنه جعله اسما للقبيلة، ويجوز صرفه بجعله اسما للحيّ مُبْصِرَةً على الحال، وهو عند أكثر النحويين البصريين على النسب، وقال بعضهم: مبصرة: بمعنى مبصّرة أي مبيّنة مثل مكرم ومكرّم، وقال الفراء[1]: مبصرة أي مضيئة مثل وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس: 67، والنمل: 86، وغافر: 61] . قال الفراء: ومن قال (مبصرة)[2]أراد مثل قول عنترة: [الكامل] 272-
والكفر مخبثة لنفس المنعم[3]
[1]انظر معاني الفراء 2/ 126.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 51.
[3]الشاهد لعنترة العبسي من معلّقته في ديوانه 28، والتهذيب 1/ 316، ومعاني الفراء 2/ 126، والخزانة 1/ 336، وشرح القصائد العشر للتبريزي 368، وصدره:
«نبّئت عرا غير شاكي نعمتي»


صفحه 277

قال فإذا وضعت مفعلة مكان فاعل كفت من الجمع والتأنيث. قال أبو إسحاق:
من قرأ مبصرة فالمعنى مبيّنة فَظَلَمُوا بِها التقدير فظلموا بعقرها وكفرهم بخالقها. وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً قيل يعني به الآيات التي تتلى.

[سورة الإسراء (17) : آية 60]
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (60)
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه وقد قيل: إنّ ربك أحاط بالناس علما ومعرفة وتدبيرا فلهذا لم يعطهم الآيات التي اقترحوها لعلمه جلّ وعزّ بهم. وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ مفعولان أي محنة امتحنوا بها وتكليفا وقد تكلّم العلماء في هذه الرؤيا فمن أحسن ما قيل فيها وصحيحه أنها الرؤيا التي رآها محلّقين رؤوسهم ومقصّرين، فلما ردّ النبي صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبيّة عن البيت فافتتن جماعة من الناس حتى قال عمر رضي الله عنه للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ألم تعدنا أنّا ندخل المسجد الحرام فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: أقلت لكم في هذا العام؟ قال: لا، قال: فإنكم ستدخلونه، فدخلوه في العام المقبل كما قال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم. ومن أحسن ما قيل فيها أيضا ما رواه سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله جلّ وعزّ: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: هي رؤيا عين رآها النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة أسري به لا رؤيا نوم. قال وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ شجرة الزقوم. قال الفراء[1]: ويجوز وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ بالرفع يجعله نسقا على المضمر الذي في فتنة قال كما تقول: جعلتك عاملا وزيدا وزيد. وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً قال السّدّي: الطغيان المعصية، وقال مجاهد: هذا في أبي جهل.

[سورة الإسراء (17) : آية 61]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61)
قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ التقدير لمن خلقته وحذفت الهاء لطول الاسم. قال أبو إسحاق: طِيناً منصوب على الحال، والمعنى: أأسجد لمن أنشأته في حال كونه طينا.

[سورة الإسراء (17) : آية 62]
قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (62)
قالَ أَرَأَيْتَكَ[2]الكاف لا موضع لها من الإعراب وإنما هي لتوكيد المخاطبة، وحكى سيبويه: أريتك زيدا أبو من هو، وقد ذكرنا هذا باختلاف النحويين في سورة
[1]انظر معاني الفراء 2/ 126.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 54.


صفحه 278

الأنعام[1]. لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ روى علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس قال «لأحتنكنّ» لأستولينّ، وقال مجاهد: لأحتوينّ مثل زناق الناقة والدابة وهي حناكها، وقال غيره: إنما قال إبليس هذا لمّا قال الله جلّ وعزّ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: 30] .

[سورة الإسراء (17) : آية 63]
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (63)
أي مكمّلا.

[سورة الإسراء (17) : آية 64]
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (64)
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ هذا على جهة التهاون به وبمن اتّبعه والتهديد له لأنّ من عصى فإنّما عصيانه على نفسه وليس ذلك بضارّ غيره. والعرب تفعل هذا على جهة التهديد ومثله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت: 40] ولا يقع هذا إلّا بعد النهي فالله جلّ وعزّ قد نهى عن المعاصي، وكما تقول: يا غلام لا تكلّم فلانا، ثم تهدّده وتحذّره فتقول: كلّمه إن كنت صادقا، وكذا وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل: إنّ هذا على التمثيل، وقيل: يجوز أن يكون له خيل ورجل، وقيل: هذا الخيل والرّجل الذين يسعون في المعاصي، وكذا وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ هو أن يزيّن لهم أن ينفقوا أموالهم ويستعملوا أولادهم في المعاصي.

[سورة الإسراء (17) : آية 65]
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65)
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قيل: معناه خلصائي ومن أحسن ما قيل فيه أنه لا سلطان له على أحد لأنّ العباد هاهنا جميع الخلق، والسلطان: الحجّة. كذا قال سعيد بن جبير لا حجة له على أحد توجب أن يقبل منه، وفيه قول ثالث يكون المعنى أنّ عبادي جميعا لا تسلّط لك عليهم إلّا الوسوسة، وصاحب هذا القول يستدلّ به على أنه لا يصل أحد من الجنّ إلى صرع أحد من الأنس وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا على البيان.

[سورة الإسراء (17) : آية 67]
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (67)
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ أي عصوف الرياح والخوف من الغرق ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ لأنكم تعلمون أنهم لا يغنون عنكم شيئا إلّا إيّاه فترجعون فتدعونه. وهذا من
[1]انظر إعراب الآية 40- سورة الأنعام. [.....]