إبليس لم يكن من الملائكة ولكنه أمر بالسجود معهم فاستثني منهم.
[سورة الكهف (18) : آية 51]
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (51)
قال أبو جعفر: وقرأ أبو جعفر والجحدري وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً بفتح التاء. وفي عضد ستة أوجه: أفصحها «عضد» ولغة بني تميم «عضد»[1]وروي عن الحسن أنه قرأ (عضدا)[2]بضم العين والضاد، وحكى هارون القارئ «عضد» . قال أبو إسحاق: ويجوز «عضد» واللغة السادسة «عضد» على لغة من قال: فخذ، وكتف، وقيل: إن الضمير الذي في ما أَشْهَدْتُهُمْ يعود على إبليس وذرّيته، والمعنى: ما أشهدت إبليس وذرّيته خلق السموات والأرض لأستعين بهم ولا أشهدتهم خلق أنفسهم.
[سورة الكهف (18) : آية 52]
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (52)
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي الذين جعلتموهم شركاء في الألوهة والعبادة فنادوهم ليخلّصوكم مما أنتم فيه من العذاب ويجازوكم على عبادتكم إياهم.
[سورة الكهف (18) : آية 53]
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53)
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ الأصل رأى قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ولهذا زعم الكوفيون أن رأى يكتب بالياء واتّبعهم على هذا بعض البصريين، فأما البصريون الحذاق، منهم: محمد بن يزيد فإنّ هذا كلّه يكتب عندهم بالألف. قال أبو جعفر:
وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكلّ ما كان من ذوات الياء إلّا بالألف، ولا فرق بين ذوات الياء وذوات الواو في الخطّ كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ، وإنما الكتاب نقل ما في اللفظ كما أن ما في اللفظ نقل ما في القلب، ومن كتب ذوات شيئا من هذا بالياء فقد أشكل وجاء بما لا يجوز، ولو وجب أن تكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن تكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون، رمى بالياء ورماه بالألف فإن كانت العلّة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء ثم يكتبون ضحا وكسا جمع كسوة وهما من ذوات الواو بالياء. وهذا لا يحصّل ولا يثبت على أصل. قال: فقلت لمحمد بن يزيد: فما بال الكتّاب وأكثر الناس قد اتّبعوهم على هذا الخطأ البيّن؟ قال: الأصل في هذا من الأخفش سعيد لأنه كان رجلا محتالا للتكسّب، فاحتال بهذا وهو الكسائي فهذا هو
[1]انظر البحر المحيط 6/ 130، ومختصر ابن خالويه 80.
[2]انظر مختصر ابن خالويه 80.
الأصل فيه. وحكى سيبويه أنه يقال راء يا هذا، على القلب. وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ويجوز مصرفا على أنه مصدر، وكسر الراء على أنه اسم للموضع، والمعنى ولم يجدوا موضعا يتهيّأ لهم الانصراف إليه.
[سورة الكهف (18) : آية 55]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (55)
أَنْ الأولى في موضع نصب والثانية في موضع رفع، وسنة الأولين الاستئصال. أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا[1]على الحال، ومذهب الفراء أن قبلا قبيل أي متفرقا يتلو بعضه بعضا، ويجوز عنده أن يكون المعنى عيانا، قال الأعرج: وكانت قراءته (قبلا) معناه جميعا. قال أبو عمرو: وكانت قراءته (قبلا)[2]معناه عيانا. قال أبو جعفر: وهذا من المجاز لمّا كانوا قد جاءتهم البراهين وما ينبغي أن يؤمنوا به وما ينبغي أن يقبلوه كانوا بمنزلة من منعه أن يؤمن أحد هذين.
[سورة الكهف (18) : آية 56]
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (56)
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ على الحال.
[سورة الكهف (18) : آية 57]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (57)
وَمَنْ أَظْلَمُ أي لنفسه مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها أي عن قبولها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها.
[سورة الكهف (18) : آية 59]
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (59)
وَتِلْكَ في موضع رفع بالابتداء والْقُرى نعت أو بدل أَهْلَكْناهُمْ في موضع الخبر محمول على المعنى لأن المعنى أهل القرى، ويجوز أن يكون تلك في موضع نصب على قول من قال: زيدا ضربته وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً[3]قيل:
المعنى أنه قيل لهم: إن لم يؤمنوا أهلكتهم وقت كذا ومهلك من أهلكوا، وقرأ عاصم (مهلكا)[4]بفتح الميم واللام، وهو مصدر هلك، وأجاز الكسائي والفراء لِمَهْلِكِهِمْ
[1]انظر معاني الفراء 2/ 147.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 132.
[3]انظر تيسير الداني 117.
[4]انظر تيسير الداني 117. [.....]
بفتح الميم وكسر اللام. قال الكسائي: هو أحبّ إليّ لأنه من يهلك. قال أبو إسحاق:
مهلك اسم للزمان، والتقدير لوقت مهلكهم كما يقال: أتت الناقة على مضربها.
[سورة الكهف (18) : آية 60]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60)
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ وهو يوشع بن نون. قال الفراء: كلّ من أخذ عن أحد وتعلّم منه فهو فتاه وإن كان شيخا شبّه بالعبد، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ظرف. قال الفراء[1]:
الحقب في لغة قيس سنة، وفي التفسير أنه ثمانون سنة. قال أبو جعفر: حقيقة الحقب وقت من الزمان مبهم يكون لتمييز سنة أو أقلّ أو أكثر.
[سورة الكهف (18) : آية 61]
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61)
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً مصدر دلّ عليه «اتّخذ» كما تقول: هو يدعه تركا.
ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، كما يقال: اتّخذت زيدا وكيلا، ومثله اتّخذت مكان كذا وكذا طريقا.
[سورة الكهف (18) : آية 62]
فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62)
فَلَمَّا جاوَزا التقدير فلمّا جاوزا مجمع البحرين، وحذف المفعول. قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا مفعولان. لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً أي
[سورة الكهف (18) : آية 63]
قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63)
فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ قيل: المعنى نسيت أن أذكر لك خبر الحوت فإنّه حيي ثم انساب في البحر ونسي هذه الآية العظيمة لأن الآيات كانت كبيرة في ذلك الوقت.
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ ويجوز ضم[2]الهاء على الأصل، وإثبات الواو جائز، وكذا إثبات الياء إذا كسرت أَنْ أَذْكُرَهُ في موضع نصب على البدل من الهاء بدل الاشتمال، والتقدير وما أنساني أن أذكره إلّا الشيطان أي إن الشيطان وسوس إليه وشغل قلبه حتى نسي فنسب النسيان إلى الشيطان مجازا. وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً[3]قال أبو إسحاق:
فيه وجهان: يكون يوشع صلّى الله عليه وسلّم قال: واتّخذ سبيله في البحر عجبا، والوجه الآخر أن يكون يوشع عليه السلام قال: واتّخذ سبيله في البحر عجبا فقال موسى صلّى الله عليه وسلّم عجبا أي أعجب عجبا. قال: وفيه وجه ثالث هو أولى مما قال أبو إسحاق، وهو أن أحمد بن
[1]انظر معاني الفراء 2/ 152، والبحر المحيط 6/ 134.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 138.
[3]انظر البحر المحيط 6/ 138.
يحيى، قال: المعنى: واتّخذ موسى سبيل الحوت في البحر فعجب عجبا. قال أبو جعفر: وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: موسى صلّى الله عليه وسلّم تتبّع أثر الحوت وتنظّر إلى دورانه في الماء وتعجّب من تغيّبه فيه.
[سورة الكهف (18) : آية 64]
قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (64)
قالَ ذلِكَ مبتدأ ما كُنَّا نَبْغِ خبره وحذفت الياء لأنه تمام الكلام فأشبه رؤوس الآيات فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً أي رجعا في الطريق الذي جاءا منه يقصّان الأثر قصصا.
[سورة الكهف (18) : الآيات 65 الى 66]
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66)
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ يكون نعتا، ويكون مستأنفا. وَعَلَّمْناهُ معطوف عليه. مِنْ لَدُنَّا مبنية لأنها لا تتمكن عِلْماً مفعول ثان. وقرأ أهل المدينة وأهل الكوفة رُشْداً[1]وقرأ أبو عمرو (رشدا)[2]وهما لغتان بمعنى واحد.
[سورة الكهف (18) : آية 68]
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68)
مصدر لأن معنى أحطت به وخبرته واحد، ومثله: [الطويل] 277-
فسرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال[3]
لأن معنى رضت أذللت.
[سورة الكهف (18) : آية 70]
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70)
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ أي إن رأيت شيئا تنكره فلا تعجلنّ بسؤالي عنه حتّى أذكره لك.
[سورة الكهف (18) : آية 71]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71)
قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ليغرق أهلها[4]والمعنى واحد. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قيل: إنما قال له موسى صلّى الله عليه وسلّم هذا لأنه لم يعلم أنه نبيّ وأنّ هذا بوحي. وقيل: لا يجوز أن يكون موسى صلّى الله عليه وسلّم صحبه على أن يتعلم منه إلّا وهو نبيّ لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يتعلمون إلّا من الملائكة أو النبيين صلّى الله عليه وسلّم، وإنما
[1]انظر تيسير الداني 117.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 140، وتيسير الداني 117.
[3]مرّ الشاهد رقم (78) .
[4]انظر تيسير الداني 118.
قيل: لقد جئت شيئا إمرا ونكرا أي هو في الظاهر منكر حتّى نعلم الحكمة فيه.
شَيْئاً منصوب على أنه مفعول به أي أتيت شيئا، ويجوز أن يكون التقدير: جئت بشيء إمر ثم حذفت الباء فتعدّى الفعل فنصب.
[سورة الكهف (18) : آية 73]
قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73)
قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ في معناه قولان: أحدهما روي عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: هذا من معاريض الكلام والآخر أنه نسي فاعتذر ولم ينس في الثانية ولو نسي لاعتذر وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً مفعولان.
[سورة الكهف (18) : آية 74]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74)
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو[1]وقرأ الكوفيون زَكِيَّةً فزعم أبو عمرو أن زاكية هاهنا أولى لأن الزاكية التي لا ذنب لها: وكان الذي قتله الخضر صلّى الله عليه طفلا، وخالفه في هذا أكثر الناس فقال الكسائي والفراء»
: زاكية واحد، وقال غيرهما: لو كان الأمر على ما قال لكان زكيّة أولى لأن فعيلا أبلغ من فاعل، ولم يصحّ أنّ الذي قتله الخضر كان طفلا بل ظاهر القرآن يدلّ على أنه كان بالغا. يدلّ على ذلك «بغير نفس» فهذا يدلّ على أن قتله بنفسه جائز، وهذا لا يكون لطفل، ولا يقع القود إلا بعد البلوغ نُكْراً الأصل ومن قال «نكرا» حذفت الضمة لثقلها.
[سورة الكهف (18) : آية 76]
قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (76)
قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي بعد هذه المسألة قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً أي من قبلي قد عذرتك مدافعتي عن صحبتك، وهذه قراءة[3]أبي عمرو والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أهل المدينة (من لدني)[4]بتخفيف النون. والقراءة الأولى أولى في العربية وأقيس لأن الأصل «لدن» بإسكان النون ثم تزيد عليها ياء لتضيفها إلى نفسك ثم تزيد نونا ليسلم سكون نون لدن، كما نقول: عنّي ومنّي فكما لا تقول عني يجب ألّا تقول: لدني، والحجّة في جوازه على ما حكي عن محمد بن يزيد أنّ النون حذفت كما قرأ أهل المدينة فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] بكسر النون. وأحسن من هذا القول ما
[1]انظر تيسير الداني 118، والبحر المحيط 6/ 142.
(2) انظر معاني الفراء 2/ 155.
[3]انظر البحر المحيط 6/ 142، وتيسير الداني 118.
[4]انظر البحر المحيط 6/ 142، وتيسير الداني 118.
ذهب إليه أبو إسحاق قال: «لدن» اسم و «عن» حرف والحذف في الأسماء جائز كما قال: [الراجز] 278-
قدني من نصر الخبيبين قدي[1]
فجاء باللغتين جميعا. قال: وأيضا فإن لدن أثقل من عن ومن.
[سورة الكهف (18) : آية 77]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77)
وقرأ أبو رجاء العطاردي[2]فأبوا أن يضيفوهما مخففا. يقال: أضفته وضيّفته أي أنزلته ضيفا وضفته أي مالت نزلت به. وهو مشتق من ضاف السّهم أي مال، وضافت الشمس أي مالت للغروب. وهو مخفوض بالإضافة أي بالإضافة الاسم إليه.
وروي عن أبي عمرو ومجاهد لتخذت[3]يقال: تخذ يتخذ واتّخذ افتعل منه.
[سورة الكهف (18) : آية 78]
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78)
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ تكرير «بين» عند سيبويه على التوكيد أي هذا فراق بيننا أي تواصلنا. قال سيبويه: ومثله أخزى الله الكاذب منّي ومنك أي منّا، وأجاز الفراء قال: هذا فراق بيني وبينك، على الظرف.
[سورة الكهف (18) : آية 79]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79)
أَمَّا السَّفِينَةُ مبتدأ والخبر فَكانَتْ لِمَساكِينَ ولم ينصرف مساكين لأنه جمع لا نظير له في الواحد. وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ أكثر أهل التفسير يقول: وراء بمعنى أمام. قال أبو إسحاق: وهذا جائز لأن وراء مشتقّة من توارى، فما توارى عنك فهو وراءك كان أمامك أم خلفك فيجب على قول أبي إسحاق أن يكون وراء ليس من ذوات الهمزة وأن
[1]الشاهد لحميد بن مالك الأرقط في خزانة الأدب 5/ 382، والدرر 1/ 207، وشرح شواهد المغني 1/ 487، ولسان العرب (خبب) ، والمقاصد النحوية 1/ 357، ولحميد بن ثور في لسان العرب (لحد) وليس في ديوانه، ولأبي بحدلة في شرح المفصّل 3/ 124، وبلا نسبة في الكتاب 2/ 393، والأشباه والنظائر 4/ 241، وتخليص الشواهد 108، والجنى الداني 253، وخزانة الأدب 6/ 246، ورصف المباني 362، وشرح ابن عقيل 64، ومغني اللبيب 1/ 170، ونوادر أبي زيد 205، وبعده:
«ليس الإمام بالشحيح الملحد»
[2]وهذه قراءة ابن الزبير والحسن وأبي رزين وابن محيصن وعاصم أيضا، انظر البحر المحيط 6/ 143.
[3]انظر تيسير الداني 118، وهي قراءة ابن كثير أيضا. [.....]
يقال في تصغيره: وريئة وزعم الفراء[1]أنه لا يقال لرجل أمامك: هو وراءك، ولا لرجل خلفك: هو بين يديك، وإنما يقال ذلك في المواقيت من الليل والنهار والدهر.
يقال: بين يديك برد، وإن كان لم يأتك، ووراءك برد، وإن كان بين يديك لأنه إذا لحقك صار وراءك.
[سورة الكهف (18) : آية 80]
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (80)
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ويجوز عند سيبويه في غير القرآن مؤمنان على أن نضمر في كان و (أبواه مؤمنان) ابتداء وخبر في موضع خبر كان، وحكى سيبويه «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصّرانه»[2]فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً أي تجاوزا فيما لا يجب. وعلم الله عزّ وجلّ هذا منه إن أبقاه فأمر بفعل الأصلح.
[سورة الكهف (18) : آية 81]
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81)
خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً أكثر أهل التفسير يقول: الزكاة الدين، والرحم:
المودة. قال أبو جعفر: وليس هذا بخارج من اللغة لأن الزكاة مشتقة من الزكاء وهو النماء والزيادة، والرحم من الرّحمة كما قال: [الراجز] 279-
يا منزل الرّحم على إدريس ... ومنزل اللّعن على إبليس[3]
[سورة الكهف (18) : آية 82]
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدرا. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ نذكره في العشر الذي بعد هذا لأنه أولى به.
[سورة الكهف (18) : آية 85]
فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)
فَأَتْبَعَ سَبَباً[4]أي من الأسباب التي أوتيها، وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو.
وقراءة الكوفيين (فأتبع) جعلوها ألف قطع، وهذه القراءة اختيار أبي عبيد لأنها من
[1]انظر معاني الفراء 2/ 157.
[2]مرّ تخريج الحديث في حواشي تفسير الآية 58- سورة النحل.
[3]الشاهد لرؤبة بن العجاج في اللسان (رحم) .
[4]انظر البحر المحيط 6/ 151.
السير. وحكى هو والأصمعي أنه يقال: تبعه واتّبعه إذا سار ولم يلحقه وأتبعه إذا لحقته. قال أبو عبيد: ومثله فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء: 60] . قال أبو جعفر:
وهذا التفريق، وإن كان الأصمعي قد حكاه، لا يقبل إلّا بعلّة أو دليل، وقوله عزّ وجلّ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ليس في الحديث أنه لحقوهم، وإنما الحديث لمّا خرج موسى صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه انطبق عليهم البحر، والحقّ في هذا أنّ تبع واتبع واتّبع لغات بمعنى واحد، وهي بمعنى السير، فقد يجوز أن يكون معه لحاق وأن لا يكون.
[سورة الكهف (18) : الآيات 86 الى 87]
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (87)
وَجَدَها تَغْرُبُ في موضع الحال فِي عَيْنٍ والحمأة الطين المتغير اللون والرائحة. وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أبي إسحاق أنّ المعنى أنّ الله جلّ وعزّ خيّره بين هذين الحكمين وردّ عليّ بن سليمان عليه قوله جلّ وعزّ خيّره لم يصح أن ذا القرنين نبيّ فيخاطب بهذا، وكيف يقول لربه جلّ وعزّ: ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ وكيف يقول: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ فيخاطب بالنون. قال: والتقدير: قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين. قال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء أما قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ فيجوز أن يكون الله جلّ وعزّ خاطبه على لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: 4] ، وأما إشكال فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فإن تقديره أن الله جلّ وعزّ لما خيّره بين القتل في قوله إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وبين الاستبقاء في قوله جلّ وعزّ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
قالَ لأولئك القوم. أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي أقام على الكفر منكم فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ أي بالقتل ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ أي يوم القيامة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً أي شديدا.
[سورة الكهف (18) : آية 88]
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (88)
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ أي تاب من الكفر. وَعَمِلَ صالِحاً قال أحمد بن يحيى: «أن» في موضع نصب في إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قال ولو رفعه كان صوابا بمعنى فإمّا هو، كما قال: [الطويل] 280-
فسيرا فإمّا حاجة تقضيانها ... وإمّا مقيل صالح وصديق[1]
فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى[2]قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ سائر
[1]الشاهد بلا نسبة في تفسير الطبري 16/ 185، ومعاني الفراء 2/ 158.
[2]انظر البحر المحيط 6/ 152، ومعاني الفراء 2/ 159، وتيسير الداني 118.