[سورة الأعراف (7) : آية 146]
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146)
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما الرشد[1]قال أبو عبيد: فرّق أبو عمرو بين الرّشد والرشد فقال: الرشد في الصلاح والرشد في الدين. قال أبو جعفر: وسيبويه يذهب إلى أن الرشد واحد مثل السّخط والسخط وكذا قال الكسائي. قال أبو جعفر: والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد. قال إسماعيل بن إسحاق حدّثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان الرشد وسط الآية فهو مسكّن وإذا كان رأس الآية فهو محرّك قال أبو جعفر: يعني أبو عمرو برأس الآية نحو وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف:
10] فهما عنده لغتان بمعنى واحد، إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات. ويقال: رشد يرشد ورشد يرشد، وحكى سيبويه: رشد يرشد وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد وهو ضدّ الخيبة وحقيقة الغيّ في اللغة الخيبة قال الله جلّ وعزّ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: 121] وقال الشاعر: [الطويل] 159-
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغولا يعدم على الغيّ لايما[2]
[سورة الأعراف (7) : آية 147]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147)
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ مبتدأ. والخبر حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ خبر ما لم يسمّ فاعله.
[سورة الأعراف (7) : آية 148]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148)
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما مِنْ حُلِيِّهِمْ[3]بكسر الحاء، وقرأ يعقوب مِنْ حُلِيِّهِمْ بفتح الحاء والتخفيف. قال أبو جعفر: جمع حلي حليّ وحليّ مثل ثدي وثديّ والأصل حلويّ ثم أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمّها على الأصل. فأما عصيّ فالأصل فيها عصوّ لأنها من ذوات الواو ثم
[1]انظر تيسير الداني 93. [.....]
[2]مرّ الشاهد رقم (56) .
[3]انظر تيسير الداني 93.
أعلّت. عِجْلًا مفعول. جَسَداً نعت. لَهُ خُوارٌ رفع بالابتداء أو بالصفة يقال خار يخور خوارا إذا صاح وكذا جأر يجأر جؤارا، ويقال: خار يخور خورا إذا جبن وضعف. اتَّخَذُوهُ فحذف المفعول الثاني أي اتخذوه إلها.
[سورة الأعراف (7) : آية 149]
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149)
قال الأخفش: يقال: سقط في يده وأسقط ومن قال سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ فالمعنى عنده سقط الندم قالوا لئن لم ترحمنا ربّنا[1]شرط وفيه معنى القسم، وربّنا على النداء. ومن قرأ يَرْحَمْنا بالياء وَيَغْفِرْ لَنا بالياء ورَبُّنا رفع بفعله، ومن قرأ ترحمنا بالتاء وتغفر لنا بالتاء فهو ينصب ربّنا على النداء المضاف كأنه قال: يا ربّنا.
[سورة الأعراف (7) : آية 150]
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
غَضْبانَ نصب على الحال ولم ينصرف لأنّ مؤنثه غضبى. وحقيقة امتناع صرفه أنّ الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء فالنون بدل كما يقال: في صنعاء صنعانيّ. أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ قال يعقوب: يقال: عجلت الشيء سبقته وأعجلت الرجل استعجلته. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ أخذ برأسه، وأخذ رأسه واحد وكذا وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [المائدة: 6] وقيل: إنما أخذ برأسه على جهة المسارّة لا غير فكره هارون صلّى الله عليه وسلّم أن يتوهّم من حضر لأن الأمر على خلاف ذلك فقال: ابن أمّ على الاستعطاف له لأنه أخوه لأمه وهذا موجود في كلام العرب كما قال: [الخفيف] 160-
يا ابن أمّي ويا شقيق نفسي[2]
قرأ أهل المدينة وأبو عمرو ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ[3]وقرأ أهل الكوفة ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
[1]انظر معاني الفراء 1/ 393، وتيسير الداني 93، والبحر المحيط 4/ 392.
[2]الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص 48، والدرر 5/ 57، وشرح التصريح 2/ 179، والكتاب 2/ 213، ولسان العرب (شقق) ، والمقاصد النحوية 4/ 222، وبلا نسبة في أوضح المسالك 4/ 40، وشرح الأشموني 2/ 457، وشرح قطر الندى 207، وشرح المفصل 2/ 12، والمقتضب 4/ 250، وهمع الهوامع 2/ 54، وعجزه:
«أنت خلّفتني لدهر شديد»
[3]انظر البحر المحيط 4/ 394، وتيسير الداني 93، ومعاني الفراء 1/ 394.
قال الكسائي والفراء[1]وأبو عبيد: يا ابن أمّ تقديره يا ابن أمّاه، وقال البصريون: هذا القول خطأ لأن الألف خفيفة لا تحذف ولكن جعل الاسمان اسما واحدا فصار كقولك: خمسة عشر أقبلوا. وقال الأخفش وأبو حاتم: يا ابن أمّ كما يقول: يا غلام غلام أقبل. قال أبو جعفر: يا غلام غلام لغة شاذة لأن الثاني ليس بمنادى فلا ينبغي أن تحذف منه الياء فالقراءة بكسر الميم على هذا القول بعيدة ولكن لها وجه حسن جيّد يكون بمنزلة قولك: يا خمسة عشر أقبلوا، لمّا جعل الاسمين اسما واحدا أضاف. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي بنونين لأنه فعل مستقبل ويجوز الإدغام في غير القرآن. قرأ مجاهد ومالك بن دينار فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ بالتاء على تأنيث الجماعة ويجوز كسرها ويجوز التذكير على الجميع. وفيه شيء لطيف يقال: كيف نهى الأعداء عن الشماتة؟ فالجواب أن هذا مثل قوله جلّ وعزّ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132] أي اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وكما قالت العرب: لا أرينك هاهنا. والمعنى لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء. قال أبو عبيد: وحكيت عن حميد فَلا تُشْمِتْ[2]بكسر الميم. قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه القراءة لأنه إن كان من شمت وجب أن يقول: تشمت وإن كان من أشمت وجب أن يقول: تشمت.
[سورة الأعراف (7) : آية 151]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي فأعاد حرف الجرّ لأنّ المضمر المخفوض لا يعطف عليه إلّا هكذا إلّا في شذوذ كما قرأ حمزة تساءلون به والأرحام[3][النساء: 1] فيجيء على هذا اغفر لي وأخي.
[سورة الأعراف (7) : آية 152]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ اسم «إنّ» والخبر سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ والغضب من الله جلّ وعزّ العقوبة. وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا لأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضا ورأوا أنهم قد ضلّوا. والأشبه بسياق الكلام أن يكون إنّ الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا. من كلام موسى صلّى الله عليه وسلّم أخبر الله جلّ وعزّ به عنه وتمّ الكلام ثم قال الله عزّ وجلّ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ.
[1]انظر معاني الفراء 1/ 394.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 394، والبحر المحيط 4/ 395.
[3]انظر تيسير الداني 78.
[سورة الأعراف (7) : آية 153]
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ابتداء، والخبر إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي لهم.
[سورة الأعراف (7) : آية 154]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
وَفِي نُسْخَتِها هُدىً في موضع رفع بالابتداء. وَرَحْمَةٌ عطف عليه. لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ في اللام ثلاثة أقوال: قول الكوفيين: أنها زائدة. قال الكسائي: حدثني من سمع الفرزدق يقول: نقدت لها مائة درهم بمعنى نقدتها، وقال محمد ابن يزيد هي متعلقة بمصدر، وقال الأخفش سعيد: قال بعضهم: المعنى والذين هم من أجل ربّهم يرهبون.
[سورة الأعراف (7) : آية 155]
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155)
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مفعولان أحدهما حذفت منه «من» وأنشد سيبويه:
[الطويل] 161-
[و] منّا الّذي اختير الرّجال سماحة ... وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع[1]
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي ماتوا. قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ أي أمتهم كما قال جلّ وعزّ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: 176] . وَإِيَّايَ عطف والمعنى لو شئت أمتّنا قبل أن تخرج إلى الميقات فلم يتوهّم الناس علينا أنّنا أحدثنا خروجا عن طاعتك.
أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ استفهام فيه معنى النفي، وهكذا هو في كلام العرب وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب كما قال جرير: [الوافر] 162-
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح[2]
[1]الشاهد للفرزدق في ديوانه 418، والكتاب 1/ 74، والأشباه والنظائر 2/ 331، وخزانة الأدب 9/ 113، والدرر 2/ 291، وشرح أبيات سيبويه 1/ 424، وشرح شواهد المغني 1/ 12، ولسان العرب (خير) ، وبلا نسبة في شرح المفصل 8/ 51، والمقتضب 4/ 330، وهمع الهوامع 1/ 162.
[2]الشاهد لجرير في ديوانه 85، والجنى الداني 32، وشرح شواهد المغني 1/ 42، ولسان العرب (نقص) ، ومغني اللبيب 1/ 17، وبلا نسبة في الخصائص 2/ 463، ورصف المباني 46، وشرح المفصل 8/ 123، والمقتضب 3/ 292.
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي ما هذا إلا اختبارك وتعبّدك بما يشتدّ. تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أي تضلّ بها الذين تشاء، والذين تشاء هم الذين لا يصبرون عند البلاء ولا يرضون وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ من صبر ورضي. أَنْتَ وَلِيُّنا ابتداء وخبر وكذا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ.
[سورة الأعراف (7) : آية 156]
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156)
وقرأ أبو وجزة السعدي[1]إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ[2]يقال: هاد يهود، هذا المعروف، إذا تاب ويقال: ثوب مهوّد أي مرقّق مليّن. قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ أي الذين أشاء أي المستحقّين له. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي من دخل فيها لم تعجز عنه، وقيل: وسعت كلّ شيء من الخلق حتّى إنّ البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.
[سورة الأعراف (7) : آية 157]
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ خفض على البدل من «الذين» الأول وإن شئت كان نعتا وكذا الَّذِي يَجِدُونَهُ «والذين هم» عطف، وقرأ أبو جعفر وأيّوب وابن عامر والضحّاك وضع عنهم آصارهم وهو جمع إصر، وأصله في اللغة الثقل وهو ما تعبّدوا به مما يثقل، وقيل: هو ما ألزموه من قطع ما أصابه البول، وقيل: هو ما كان يؤخذ عليهم من العهود إنّهم كانوا يطيعون الله جلّ وعزّ ويؤمنون بأنبيائه صلوات الله عليهم ويوالون أهل الطاعة ويعادون أهل المعصية قربوا أو بعدوا. قال الأخفش: وقرأ الجحدري وعيسى وَعَزَّرُوهُ[3]بالتخفيف، وكذا وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [المائدة: 12] قال أبو إسحاق: يقال: عزره يعزره ويعزره.
[سورة الأعراف (7) : آية 159]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
يكون لمن آمن منهم، ويكون لقوم قد هلكوا أو لمن لحق عيسى صلّى الله عليه وسلّم فآمن به،
[1]أبو وجزة السعدي: يزيد بن عبيد المدني، وردت عنه الرواية في حروف القرآن، وكان شاعرا مجيدا (ت 130 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 2/ 382.
[2]انظر مختصر ابن خالويه 46، والبحر المحيط 4/ 400، وهذه قراءة زيد بن علي أيضا.
[3]وهذه قراءة قتادة وسليمان التيمي أيضا، انظر البحر المحيط 4/ 403.
ومعنى يهدون بالحق يدعون الناس إلى الهداية وَبِهِ يَعْدِلُونَ في الحكم.
[سورة الأعراف (7) : آية 160]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً التقدير اثنتي عشرة أمة فلهذا أجاز التأنيث. أَسْباطاً بدل من اثنتي عشرة. أُمَماً نعت لأسباط، والمعنى: جعلناهم اثنتي عشرة فرقة.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 161 الى 162]
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162)
وروى معمر عن همّام بن منبّه عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قول الله جلّ وعزّ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ قال: قالوا حبّة في شعرة حدّثنا أبو القاسم محمد بن جعفر القزويني قال: حدّثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: أخبرنا سفيان عن معمر عن همّام بن منبّه عن أبي هريرة قالوا: حبّة في شعرة وقيل لهم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً فدخلوا متورّكين على أستاههم. بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مرفوع لأنه فعل مستقبل وموضعه نصب، و «ما» بمعنى المصدر أي بظلمهم.
[سورة الأعراف (7) : آية 163]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163)
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ وإن خفّفت الهمزة قلت: وسلهم ألقيت حركتها على السين وحذفتها، الَّتِي في موضع خفض نعت للقرية. إِذْ في موضع نصب والمعنى سلهم عن وقت عدوا في السبت، وهذا سؤال توبيخ وتقرير. يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً على الحال. وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ[1]قد ذكرنا قول الكسائي وأبي عبيد أنّ معنى يسبتون يعظّمون السبت، وحقيقته في اللغة يعملون عمل السبت، يقال: سبت يسبت إذا استراح أو عمل عمل السبت، وأكثر العرب يقول: اليوم السبت وكذا الجمعة لأن العمل فيهما وتقول في سائر الأيام بالرفع: اليوم الاثنان والتقدير ولا تأتيهم يوم لا يسبتون، والظرف يضاف إلى
[1]انظر القراءات المختلفة ليسبتون في البحر المحيط 4/ 408. [.....]
الفعل عند سيبويه لكثرة استعمالهم إياه وعند أبي العباس لأن الفعل بمعنى المصدر، وقال أبو إسحاق هو على الحكاية أي يوم يقال هذا، ولا يفعل عند سيبويه نفي ليفعلنّ أو هو يفعل إذا أراد المستقبل. كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي نشدّد عليهم في العباد ونختبرهم والكاف في موضع نصب. بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بفسقهم.
[سورة الأعراف (7) : آية 164]
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الأصل «لما» حذفت الألف لأنه استفهام، وقيل:
«ما» حرف خفض. فإذا أوقفت في غير القرآن قلت: لمه الهاء لبيان الحركة.
قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ[1]وقرأ عيسى وطلحة مَعْذِرَةً[2]بالنصب. ونصبه عند الكسائي من جهتين: إحداهما أنه مصدر، والأخرى أن التقدير فعلنا ذلك معذرة.
وقد فرّق سيبويه[3]بين الرفع والنصب وبيّن أنّ الرفع الاختيار فقال: لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليمسوا عليه ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة، ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا وكذا يريد اعتذارا لنصب. وهذا من دقائق سيبويه رحمه الله ولطائفه التي لا يلحق فيها.
[سورة الأعراف (7) : آية 165]
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165)
الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ وفي هذا إحدى عشرة قراءة»
وكان الإعراب أولى بذكرها لما فيها من النحو ولأنه لا يضبط مثلها إلّا أهل الإعراب. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بِعَذابٍ بَئِيسٍ على وزن فعيل، وقرأ أهل مكة بِعَذابٍ بَئِيسٍ بكسر الباء والوزن واحد، وقرأ أهل المدينة[5]بِعَذابٍ بَئِيسٍ الباء مكسورة وبعدها ياء ساكنة والسين مكسورة منونة، وقرأ الحسن بعذاب بئس بما الباء مكسورة وبعدها همزة ساكنة والسين مفتوحة، وقرأ أبو عبد الرحمن المقرئ بعذاب بئس الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة. قال يعقوب القارئ: عن بعض القراء
[1]انظر تيسير الداني 93، وهي قراءة الجمهور.
[2]انظر تيسير الداني 93، والبحر المحيط 4/ 409.
[3]انظر الكتاب 1/ 382.
(4) انظر الحجة لابن خالويه 141، وتيسير الداني 94، والبحر المحيط 4/ 410.
[5]انظر تيسير الداني 94، والبحر المحيط 4/ 410.
بعذاب بئس الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مفتوحة، وقرأ الأعمش بعذاب بيئس[1]على فيعل وروي عنه بيأس[2]على فيعل، وروي عنه بعذاب بئس بباء مفتوحة وهمزة مشدّدة مكسورة والسين في هذا كلّه مكسورة منونة يعني قراءة الأعمش، وقرأ نصر بن عاصم[3]بعذاب بيّس الباء مفتوحة وبعدها ياء مشددة بغير همز. قال يعقوب القارئ وجاء عن بعض القراء بعذاب بئيس الباء مكسورة وبعدها همزة ساكنة وبعدها ياء مفتوحة، فهذه إحدى عشرة قراءة. ومن قرأ بَئِيسٍ فهو عنده من بؤس فهو بئيس أي اشتدّ وكذا بئيس إلّا أنه كسر الباء لأن بعدها همزة مكسورة. وأما قراءة أهل المدينة ففيها ثلاثة أقوال: قال الكسائي: في تقديرها بئيس ثم خفّفت الهمزة كما يعمل أهل المدينة فاجتمعت ياءان فثقل ذلك فحذفوا إحداهما وألقوا حركتها على الباء فصارت بيس، وقال محمد بن يزيد: الأصل بئس ثم كسرت الباء لكسرة الهمزة فصارت بئس فحذفت الكسرة من الهمزة لثقلها فهذان قولان، وقال علي بن سليمان: العرب تقول جاء ببنات بيس أي بشيء رديء فمعنى «بعذاب بيس» بعذاب رديء. وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها قال: لأنه لا يقال: مررت برجل بئس حتى يقال: بئس الرجل وبئس رجلا. قال أبو جعفر: وهذا مردود من كلام أبي حاتم حكى النحويون إن فعلت كذا وكذا فيها ونعمت يريدون ونعمت الخصلة، فالتقدير على قراءة الحسن بعذاب بئس العذاب وبعذاب بئس على فعل مثل حذر. وقراءة الأعمش بيئس لا تجوز على قول البصريين لأنه لا يجيء مثل هذا في كلام العرب إلّا في المعتل المدغم نحو ميّت وسيّد. فأما بيأس فجائز عندهم لأن مثله صيرف وحيدر. وأما بئس فلا يكاد يعرف مثله في الصفات، وأما بيّس بغير همز فإنّما يجيء في ذوات الياء نحو بيّع، وأما بيأس فجائز ومثله جذيم.
[سورة الأعراف (7) : آية 166]
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166)
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا أي فلما تجاوزوا في معصية الله جلّ وعزّ. قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يقال: خسأته فخسأ أي باعدته وطردته.
[سورة الأعراف (7) : آية 168]
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ رفع بالابتداء. وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ منصوب على الظرف ولا نعلم أحدا رفعه.
[1]انظر البحر المحيط 4/ 410، والمحتسب 1/ 264.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 410، وهذه قراءة ابن عباس وأبي بكر عن عاصم والأعمش.
[3]نصر بن عاصم الليثي البصري النحوي، تابعي، عرض على أبي الأسود، وعرض عليه أبو عمرو، ويقال: إنه أول من نقط المصاحف (ت 100 هـ) . ترجمته في غاية النهاية 2/ 336.