بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 96

يحبسونك. وحكى بعض أهل اللغة أثبته إذا جرحه فلم يقدر أن يبرح، أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ عطف. وَيَمْكُرُونَ مستأنف. وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ابتداء وخبر. والمعنى أنّ الله جلّ وعزّ إنما مكره أن يأتيهم بالعذاب الذي يستحقّونه من حيث لا يشعرون فهو خير الماكرين.

[سورة الأنفال (8) : آية 32]
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32)
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ خبر كان. وهُوَ عند الخليل وسيبويه[1]فاصلة. قال أبو جعفر: وسمعت أبا إسحاق يفسّر معنى فاصلة قال: لأنه إنما جيء بها ليعلم أنّ الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة وأن الْحَقَّ ليس بنعت وإنّ كانَ ليست بمعنى «وقع» ، وقال الأخفش: (هو) صلة زائدة كزيادة «ما» وقال الكوفيون (هو) عماد. قال الأخفش: وبنو تميم يرفعون فيقولون: إن كان هذا هو الحقّ من عندك. قال أبو جعفر: يكون (هو) ابتداء و «الحقّ» خبره والجملة خبر كان.

[سورة الأنفال (8) : آية 33]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
وقد ذكرنا وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ[2]بنهاية الشرح.

[سورة الأنفال (8) : آية 34]
وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34)
قال الأخفش: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أن فيه زائدة.
قال أبو جعفر: ولو كان كما قال لرفع يعذبهم و (أن) في موضع نصب والمعنى وما يمنعهم من أن يعذّبوا فدخلت «أن» لهذا المعنى. وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ابتداء وخبر، وكذا إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وعليهم أن يعلموا، وقيل لا يعلمون أنهم يعذّبون في الآخرة. ويجوز أن يغفر لهم، وقيل لا يعلمون أن المتّقين أولياؤه.

[سورة الأنفال (8) : آية 35]
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)
وَما كانَ صَلاتُهُمْ اسم كان: إِلَّا مُكاءً خبر. قال أبو حاتم: قال
[1]انظر الكتاب 2/ 409.
[2]انظر البحر المحيط 4/ 483.


صفحه 97

هارون وبلغني أن الأعمش قرأ وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً[1]. قال أبو جعفر: قد أجاز سيبويه مثل هذا على أنه شاذّ بعيد لأنه جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة وأنشد سيبويه: [الطويل] 168-
أسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... تميما ببطن الشّام أم متساكر[2]
وأنشد: [الوافر] 169-
فإنّك لا تبالي بعد حول ... أظبي كان أمّك أم حمار[3]
قال أبو أعفر: وأبين من هذا وإن كان قد وصل النكرة قوله: [الوافر] 170-
ولا يك موقف منك الوداعا[4]
وكذا: [الوافر] 171-
يكون مزاجها عسل وماء[5]
وإن كان علي بن سليمان قد قال: التقدير مزاجا لها. وتصدية، من صدّ يصدّ إذا ضجّ فأبدل من إحدى الدالين ياء.
[1]انظر مختصر ابن خالويه 49، والبحر المحيط 4/ 486. [.....]
[2]الشاهد للفرزدق في ديوانه 481، وخزانة الأدب 9/ 288، والكتاب 1/ 90، ولسان العرب (سكر) ، والمقتضب 4/ 93، وبلا نسبة في الخصائص 2/ 375، ومغني اللبيب 2/ 490، وشرح شواهد المغني 2/ 874.
[3]الشاهد لخداش بن زهير في الكتاب 1/ 88، وتخليص الشواهد 272، وشرح شواهد المغني 2/ 918، والمقتضب 4/ 94، ولثروان بن خزارة في حماسة البحتري 210، وخزانة الأدب 7/ 192، وشرح أبيات سيبويه 1/ 227، ولثروان أو لخداشي في خزانة الأدب 9/ 283، وبلا نسبة في خزانة الأدب 10/ 472، وشرح المفصل 7/ 94.
[4]الشاهد للقطامي في ديوانه 31، وخزانة الأدب 2/ 367، والكتاب 2/ 250، والدرر 3/ 57، وشرح أبيات سيبويه 1/ 444، وشرح شواهد المغني 2/ 849، ولسان العرب (ضبع) و (ودع) واللمع ص 120، والمقاصد النحوية 4/ 295، والمقتضب 4/ 94، وصدره:
«قفي قبل التفرّق يا ضباعا»
[5]الشاهد لحسان بن ثابت في ديوانه 71، والأشباه والنظائر 2/ 296، والكتاب 1/ 88، وخزانة الأدب 9/ 224، والدرر 2/ 73، وشرح أبيات سيبويه 1/ 50، وشرح شواهد المغني 849، وشرح المفصّل 7/ 93، ولسان العرب (سبأ) و (رأس) ، و (جني) ، والمحتسب 1/ 279، والمقتضب 4/ 92، وبلا نسبة في همع الهوامع 1/ 89. وصدره:
«كأنّ سبيئة من بيت رأس»


صفحه 98

[سورة الأنفال (8) : آية 37]
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37)
لِيَمِيزَ نصب بلام كي ولِيَمِيزَ[1]على التكثير، وَيَجْعَلَ فَيَرْكُمَهُ عطف.

[سورة الأنفال (8) : آية 38]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ شرط ومجازاة، وكذا وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي مضت سنة الأوّلين في عذاب المصرّين على معاصي الله جل وعز.

[سورة الأنفال (8) : آية 39]
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اسم تكون وهي بمعنى تقع وكذا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ.

[سورة الأنفال (8) : آية 40]
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
نِعْمَ الْمَوْلى رفع بنعم لأنها فعل. قال أبو عمر الجرمي والدليل على أنها فعل قول العرب: نعمت فأثبتوا التاء وكذا وَنِعْمَ النَّصِيرُ.

[سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 42]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ «ما» بمعنى الذي والهاء محذوفة، ودخلت الفاء لأنّ في الكلام معنى المجازاة وأنّ الثانية توكيد للأولى ويجوز كسرها. خُمُسَهُ اسم إنّ يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ظرفان، وكذا إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا والجمع عدّى ومن قال: عدوة قال: عدّى مثل لحية ولحّى، ويقال: «القصيا» والأصل الواو.
[1]انظر تيسير الداني 76.


صفحه 99

وَالرَّكْبُ ابتداء قيل: يعني به الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا من الله جلّ وعزّ فذكرهم نعمه عليهم، وقيل: يعني عير قريش.
أَسْفَلَ مِنْكُمْ ظرف في موضع الخبر أي موضعا أسفل منكم، وأجاز الأخفش والكسائي والفراء[1]والركب أسفل منكم. أي أشدّ تسفلا منكم. والركب جمع راكب ولا تقول العرب: ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، وحكى ابن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال: راكب وركب إلّا للذين على الإبل خاصة، ولا يقال:
لمن كان على فرس أو غيرها راكب. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لم يكن يقع الاتفاق فوفق الله جلّ وعزّ لكم، لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا من نصر المؤمنين ولِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ لام كي والتقدير ولكن جمعكم هنا لك ليقضي أمرا، ليهلك هذه اللام مكررة على اللام في ليقضي، ومَنْ في موضع رفع. وَيَحْيى في موضع نصب مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ هذه قراءة أبي عمرو وابن كثير وحمزة وهي اختيار سيبويه[2]وأبي عبيد، فأما احتجاج أبي عبيد فإنه في السواد بياء واحدة، قال أبو جعفر:
هذا الاحتجاج لا يلزم لأن مثل هذا الحذف في السواد، ولكن اجتماع النحويين الحذّاق في هذا أنه لمّا اجتمع حرفان على لفظ واحد كان الأولى الإدغام كما يقال: جفّ، وقرأ نافع وعاصم من حيي عن بيّنة[3]والحجّة لهما أنه لا يجوز الإدغام في المستقبل فأتبعوا المستقبل الماضي وقد أجاز الفراء[4]الإدغام في المستقبل وأن يدغم يحيّى. وهذا عند جميع البصريين من الخطأ الكبير ومثله لا يجوز في شعر ولا كلام والعلّة في منعه إذا قلت: يحيى فالياء الثانية ساكنة فلم يجتمع حرفان متحركان فيدغم وقد كان الاختيار لم يجفف وإن كان يجوز لم يجفّ ولم يجفّ فيجوز الإدغام، فأما في يحيى فلا يجوز وأيضا فإنّ الياء تحذف في الجزم فهذا مخالف ليجفّ ولا يجوز أيضا الإدغام في أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [القيامة: 40] لأن الحركة عارضة.

[سورة الأنفال (8) : الآيات 43 الى 44]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ ظرف، وكذا وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ وجاء متّصلا لأنك بدأت بالأقرب وأجاز يونس يريكمهم.
[1]انظر معاني الفراء 1/ 411.
[2]انظر الكتاب 4/ 538.
[3]انظر تيسير الداني 95.
[4]انظر معاني الفراء 1/ 412.


صفحه 100

[سورة الأنفال (8) : آية 46]
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)
وَلا تَنازَعُوا نهي. فَتَفْشَلُوا نصب لأنه جواب النهي، ولا يجيز سيبويه حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائي.

[سورة الأنفال (8) : آية 47]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً مصدر في موضع الحال. ومعنى البطر في اللغة التقوية وبنعم الله جلّ وعزّ ما ألبسه الله جلّ وعزّ من العافية على المعاصي.

[سورة الأنفال (8) : آية 48]
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48)
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ يجمع جار أجوارا وجيرانا وفي القليل جيرة. إِنِّي أَخافُ اللَّهَ قيل: خاف أن ينزل به بلاء.

[سورة الأنفال (8) : آية 49]
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قيل: المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، والذين في قلوبهم مرض الشّاكّون وهم دون المنافقين، وقيل: هما واحد وهذا أولى ألا ترى إلى قوله جلّ وعزّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] ثم قال جلّ وعزّ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] وهما لواحد، وكذا إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الأحزاب: 35] .

[سورة الأنفال (8) : آية 50]
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50)
يكون هذا عند الموت وقد يكون بيوم القيامة حين يصيرون بهم إلى النار، وجواب «لو» محذوف وتقديره لرأيت أمرا عظيما وأنشد سعيد الأخفش: [الخفيف] 172-
إن يكن طبّك الدّلال فلو في ... سالف الدّهر والسّنين الخوالي[1]
[1]الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 113، وشرح شواهد المغني 2/ 937، والمقاصد النحوية 4/ 461، وبلا نسبة في تذكرة النحاة 74، ومغني اللبيب 2/ 649.


صفحه 101

وقرأ الأعرج تتوفّى[1]على تأنيث الجماعة. يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ في موضع الحال. قال الفراء[2]: المعنى ويقولون وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.

[سورة الأنفال (8) : آية 51]
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51)
ذلِكَ في موضع رفع أي الأمر ذلك. بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ خفض بالياء.
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ في موضع خفض نسق على (ما) ، وإن شئت نصبت بمعنى و «بأنّ» وحذفت الباء بمعنى وذلك أنّ الله، ويجوز أن يكون في موضع رفع نسقا على ذلك.

[سورة الأنفال (8) : آية 52]
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52)
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الكفار وبعد هذا أيضا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وليس هذا بتكرير لأن الأول للعادة في التعذيب والثاني للعادة في التغيير.

[سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 56]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56)
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا اسم «إنّ» وخبرها، وهو مخصوص وقد بيّنه جلّ وعزّ بقوله الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ.

[سورة الأنفال (8) : آية 57]
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ شرط ودخلت النون توكيدا وصلح ذلك في الخبر لمّا دخلت (ما) هذا قول البصريين، وقال الكوفيون: تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع إمّا في المجازاة للفرق بين المجازاة والتخيير. فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ قال الكسائي: (من) بمعنى الذي.
قال أبو إسحاق: المعنى افعل بهم فعلا من القتل تفرّق به من خلفهم. لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتذكّرون توعّدك إياهم.

[سورة الأنفال (8) : آية 58]
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58)
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ قال الكسائي: السواء العدل، وقال الفراء[3]: يقال: معناه افعل بهم كما يفعلون سواء. قال: ويقال: معنى فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
[1]انظر البحر المحيط 4/ 502.
[2]انظر معاني الفراء 1/ 413.
[3]انظر معاني الفراء 1/ 414.


صفحه 102

جهرا لا سرّا. قال أبو جعفر: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه، والمعنى إمّا تخافنّ من قوم بينك وبينهم عهد- خيانة فانبذ إليهم العهد أي قل قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يتقون بك فيكون ذلك خيانة ثم بيّن هذا بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.

[سورة الأنفال (8) : آية 59]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59)
ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا اسم تحسبنّ وخبره، وقرأ حمزة. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا[1]فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحلّ القراء به ولا يسمع لمن عرف الإعراب أو عرّفه. قال أبو جعفر: وهذا تحامل شديد وقد قال أبو حاتم أكثر من هذا قال: لأنه لم يأت ليحسبنّ بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين. قال أبو جعفر: القراءة تجوز ويكون المعنى ولا يحسبنّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا فيكون الضمير يعود على ما تقدّم إلّا أنّ القراءة بالتاء أبين. قال الفراء:
وفي حرف عبد الله بن مسعود ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا أنهم لا يعجزون[2]ويروى ولا تحسب الذين بفتح الباء، وهذا على إرادة النون الخفيفة كما قال الشاعر: [الطويل] 173-
وسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد المثرين والله فاحمدا[3]
وإن شئت كسرت الدال، وقرأ عبد الله بن عامر. إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ[4]بفتح الهمزة، واستبعد أبو حاتم وأبو عبيد هذه القراءة قال أبو عبيد: وإنما تجوز على أن يكون المعنى ولا تحسبنّ الذين كفروا أنهم لا يعجزون. قال أبو جعفر: الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين لا يجوز حسبت زيدا أنه خارج إلّا بكسر إن، وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدأ كما تقول: حسبت زيدا أبوه خارج، ولو فتحت لصار المعنى حسبت زيدا خروجه، وهذا محال، وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصحّ به معنى إلّا أن تجعل «إلّا» زائدة، ولا وجه لتوجيه حذف في كتاب الله جلّ وعزّ إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها، والقراءة جيدة على أن يكون المعنى لأنهم لا يعجزون، وزعم الفراء أنه تجوز قراءة حمزة على إضمار «أن» يكون المعنى
[1]وهذه قراءة حفص وابن عامر أيضا، انظر البحر المحيط 4/ 505، وتيسير الداني 96. [.....]
[2]انظر البحر المحيط 4/ 506، ومعاني الفراء 1/ 414.
[3]الشاهد للأعشى في ديوانه 187، ولسان العرب (آ) ، وتهذيب اللغة 15/ 664، وبلا نسبة في المخصص 13/ 86، وفي الديوان (وصلّ) .
[4]انظر البحر المحيط 4/ 506.


صفحه 103

ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا قال أبو جعفر: لا يجوز إضمار «أن» إلا بعوض ومن أضمرها فقد أضمر بعض اسم وقد شبّه الفراء هذا بقولهم: عسى يقوم زيد، وهو لا يشبهه لأن «أن» لو كانت هاهنا مضمرة لنصبت يقوم، وقد ذكرنا أنه من قرأ لا يُعْجِزُونَ[1]بكسر النون فقد لحن.

[سورة الأنفال (8) : آية 60]
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ كل ما تعدّه لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عددك. وقرأ الحسن (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ)[2]على التكثير، وقرأ بو عبد الرحمن عَدُوًّا لِلَّهِ[3]. وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ عطف على عدو ويجوز أن يكون عطفا على وأعدوا لهم بإضمار فعل.

[سورة الأنفال (8) : آية 61]
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها لأن السلم مؤنّثة ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة، وحكى أبو حاتم فَاجْنَحْ[4]لها.

[سورة الأنفال (8) : آية 64]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ابتداء وخبر أي كافيك الله، ويقال: أحسبه إذا كفاه وَمَنِ اتَّبَعَكَ في موضع نصب معطوف على الكاف في التأويل أي يكفيك الله ويكفي من اتّبعك كما قال: [الطويل] 174-
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد[5]
ويجوز أن يكون وَمَنِ اتَّبَعَكَ[6]في موضع رفع، وللنحويين فيه على هذا ثلاثة
[1]هذه قراءة ابن محيصن، انظر مختصر ابن خالويه 50، والبحر المحيط 4/ 506.
[2]انظر مختصر ابن خالويه 50.
[3]انظر معاني الفراء 1/ 416.
[4]انظر البحر المحيط 4/ 509.
[5]الشاهد لجرير في ذيل الأمالي 140، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في خزانة الأدب 7/ 581، وسمط اللئالي ص 899، وشرح الأشموني 1/ 224، وشرح شواهد الإيضاح ص 374، وشرح شواهد المغني 2/ 900، وشرح عمدة الحافظ 407، وشرح المفصل 2/ 51، ولسان العرب (حسب) و (هيج) ، و (عصا) ، ومغني اللبيب 2/ 563، والمقاصد النحوية 3/ 84.
[6]انظر البحر المحيط 4/ 511.