26 شرح إعراب سورة الشّعراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الشعراء (26) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم[1]
أبو جعفر:[1]حكى أبو عبيد أنّ أبا عمرو كان يفتح، وأنّ الكوفيين يكسرون، وأن المدنيين يقرءون بين الفتح والكسر. وهذا مشروع في سورة «طه» وقرأ المدنيّون وأبو عمرو وعاصم والكسائي طسم بإدغام النون في الميم، والقرّاء يقولون: بإخفاء النون، وقرأ الأعمش وحمزة طسين ميم بإظهار النون. قال أبو جعفر: للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه[2]: يبيّنان عند حروف الحلق، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء، ويقلبان ميما عند الباء، ويكونان من الخياشيم أي لا يبينان، فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصّها سيبويه لا تجوز هذه القراءة لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبيّن النون عنده ولكن في ذلك وجه وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها فإذا وقف عليها تبيّنت النون. وحكى أبو إسحاق في كتابه «فيما يجرى وما لا يجرى»[3]أنه يجوز أن يقول «طسين ميم» بفتح النون وضم الميم، كما يقال: هذا معدي كرب يا هذا.
[سورة الشعراء (26) : آية 2]
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ[2]
تِلْكَ آياتُ رفع على إضمار مبتدأ أي: هذه تلك آيات الكتاب المبين أي التي كنتم وعدتم بها لأنهم وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
[سورة الشعراء (26) : آية 3]
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[3]
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ خبر لعلّ. أَلَّا يَكُونُوا قال الفراء[4]: في موضع نصب لأنهما جزاء. قال أبو جعفر: وإنما يقال: إن مكسورة لأنها جزاء، كذا المتعارف. والقول في
[1]انظر القراءات المختلفة في البحر المحيط 7/ 5.
[2]انظر الكتاب 4/ 587.
[3]انظر كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف ص 63.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 275.
هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه «في القرآن» قال: «أن» في موضع نصب مفعول له، والمعنى: لعلّك قاتل نفسك لتركهم الإيمان.
[سورة الشعراء (26) : آية 4]
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4)
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً شرط ومجازاة. فَظَلَّتْ معناه فتظلّ، لأن الماضي يأتي بمعنى المستقبل في المجازاة. وقد ذكرنا «خاضعين» ولم يقل: خاضعات بما يستغني عن الزيادة.
[سورة الشعراء (26) : آية 7]
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)
أصل الكرم في اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، ورجل كريم فاضل شريف صفوح، قال الفراء: والزوج اللون.
[سورة الشعراء (26) : آية 10]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
إِذْ في موضع نصب، واتل عليهم إذ نادى ربك موسى، ويدل على هذا أن بعده وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ [الشعراء: 69] أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
[سورة الشعراء (26) : آية 11]
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11)
قَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل. أَلا يَتَّقُونَ لأنهم غيّب عن المخاطبة، ويجوز ألا تتّقون بمعنى قل لهم، ومثله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: 12] بالتاء والياء..
[سورة الشعراء (26) : الآيات 12 الى 13]
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13)
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي. قال الكسائي: القراءة بالرفع يعني في وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي من وجهين: أحدهما: الابتداء، والآخر: بمعنى وإنّي يضيق صدري ولا ينطلق لساني يعني نسقا على «أخاف» . قال: ويقرأ بالنصب، وكلاهما وجه. قال أبو جعفر: الوجه الرفع لأن النصب عطف على «يكذّبون» ، وهذا بعيد يدلّ على ذلك قوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 27] فهذا يدلّ على أن هذا كذا.
[سورة الشعراء (26) : آية 17]
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17)
قال أبو إسحاق: أَنْ أَرْسِلْ في موضع نصب، أي أرسلنا لأن ترسل معنا بني إسرائيل، فامتنّ عليه فرعون بالتربية.
[سورة الشعراء (26) : آية 18]
قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)
قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً نصب على الحال. وَلَبِثْتَ فِينا وإن شئت أدغمت الثاء في التاء لقربها منها مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وتحذف الضمّة لثقلها فيقال من عمرك، وحكى سيبويه»
فتح العين وإسكان الميم ومنه لعمرك ولا يستعمل في القسم عنده إلّا الفتح لخفّته. سِنِينَ على جمع التسليم، وقد يقال: لبثت سنينا يا هذا. يجعل الإعراب في النون.
[سورة الشعراء (26) : آية 19]
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19)
تكون الجملة في موضع الحال أي قتلت النفس وهذه حالك، ويجوز أن يكون المعنى: وأنت السّاعة من الكافرين لنعمتي لأنك تطالبني أن أرسل معك بني إسرائيل.
[سورة الشعراء (26) : آية 20]
قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)
قيل: معناه أي ضللت عن أن أعرف بأنّ تلك الضربة تقتل.
[سورة الشعراء (26) : آية 22]
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)
قال الأخفش: فقيل المعنى أو تلك نعمة وحذفت ألف الاستفهام. قال أبو جعفر: وهذا لا يجوز لأن ألف الاستفهام تحدث معنى وحذفها محال، إلّا أن يكون في الكلام «أم» فيجوز حذفها في الشعر ولا أعلم بين النحويين في هذا اختلافا إلّا شيئا قاله الفراء[2]قال: يجوز حذف ألف الاستفهام في أفعال الشكّ وحكى: ترى زيدا منطلقا بمعنى أترى. وكان عليّ بن سليمان يقول في مثل هذا: إنّما أخذه من ألفاظ العامة وكذا عنده: نعم زيدا إذا تقدّم ذكره إنما أخذه من ألفاظ العامة. ومذهب الفراء[3]في معنى وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنه على حذف. وأنّ المعنى هي لعمري نعمة إن مننت عليّ فلم تستعبدني واستعبدت بني إسرائيل أي: إنّما صارت لأنك استعبدت بني إسرائيل. وقول الضحاك: أنّ المعنى أنك تمنّ عليّ بما لا يجب أن تمنّ به أي يكون هذا على التّبكيت له والتبكيت يكون بغير استفهام وباستفهام، ويجوز أن يكون هذا مثل وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] ويكون تبكيتا أيضا، وقول رابع في الآيتين جميعا: أن يكون القول محذوفا «إن عبّدت» في موضع رفع على البدل من نعمة، ويجوز أن يكون أن في موضع نصب بمعنى لأن عبّدت بني إسرائيل.
(1) انظر الكتاب 1/ 386.
[2]انظر معاني القرآن للفراء 2/ 394.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 279.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 23 الى 24]
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ فأجابه موسى صلّى الله عليه وسلّم ف قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي إذا نظرتم إلى السموات والأرض وما فيهما من الآيات والحوادث علمتم وأيقنتم أنّ لهما صانعا ومدبّرا.
[سورة الشعراء (26) : آية 25]
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25)
عليهم من الأول وأدنى إلى أفهامهم من الأول.
فخاطب موسى صلّى الله عليه وسلّم الجماعة بما هو أقرب.
[سورة الشعراء (26) : آية 26]
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)
فجاء بدليل يفهمونه عنه لأنهم يعلمون أنهم قد كان لهم آباء، وأنهم قد فنوا، وأنهم لا بدّ لهم من مفن، وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا وأنهم لا بد لهم من مكوّن.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 27 الى 28]
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ فأجابه موسى صلّى الله عليه وسلّم عن هذا بأن قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ليس ملكه كملكك لأنك إنما تملك بلدا واحدا لا يجوز أمرك في غيره ويميت من لا تحبّ أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون فستتبيّنون ما قلت.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 29 الى 30]
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ فرفق به موسى صلّى الله عليه وسلّم ف قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ أي أتجعلني من المسجونين ولو جئتك بشيء تتبيّن به صدق ما جئت به.
[سورة الشعراء (26) : آية 31]
قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)
فلم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه لأن ما تقدّم يكفي منه.
[سورة الشعراء (26) : آية 36]
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36)
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ قال أبو إسحاق: أي أخّره عن وقتك وأخّر استتمام مناظرته
حتى تجتمع كل السحرة أرجئه بإثبات الهمزة في الإدراج، ويجوز حذفها وإثبات الكسرة، وفي الإدراج يجوز حذفها، وإثبات الضمة بالهمزة وضمّ الهاء بغير واو.
ويجوز إثبات الواو على بعد. وإنما بعد لأن الهمزة ساكنة والواو ساكنة والحاجز بينهما ضعيف والواو في الأصل والياء على البدل منه وحذفهما لأن قبلهما ما يدلّ عليهما، وأنهما زائدتان.
[سورة الشعراء (26) : آية 41]
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41)
ومن قرأ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً بغير استفهام جعل معناه إنّك ممن يحبّنا ويبرّنا.
[سورة الشعراء (26) : آية 46]
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46)
أي الّذين كان يقال لهم سحرة وذكروا بهذا الاسم ليدلّ على أنهم المذكورون قبل.
[سورة الشعراء (26) : آية 49]
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ تمويه من فرعون وطغيان وعدوان أظهر أنّ السحرة واطئوا موسى عليه السلام على ما كان، وأنّ موسى هو الذين علّمهم السحر.
[سورة الشعراء (26) : آية 50]
قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50)
قالُوا لا ضَيْرَ من ضار يضير. ويقال: ضار يضور بمعنى ضرّ يضرّ ضرّا وضررا.
[سورة الشعراء (26) : آية 51]
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
أَنْ في موضع نصب والمعنى لأن كنا، وأجاز الفراء[1]كسرها على أن يكون مجازاة.
[سورة الشعراء (26) : آية 52]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52)
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي من أسرى يسري ويجوز أن أسر من سرى يسري لغتان فصيحتان.
[سورة الشعراء (26) : آية 54]
إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54)
لام توكيد تدخل كثيرا في خبر إن إلّا أن الكوفيين لا يجيزون: إن زيدا لسوف يقوم. والدليل على أنه جائز فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء: 49] فهذه لام التوكيد
[1]انظر معاني الفراء 2/ 280.
بعينها قد دخلت على سوف قَلِيلُونَ جمع مسلّم كما يقال: أحدون.
[سورة الشعراء (26) : آية 55]
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55)
من غاظ يغيظ وهي اللغة الفصيحة.
[سورة الشعراء (26) : آية 56]
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56)
قراءة المدنيين وأبي عمرو، وقراءة الكوفيين حاذِرُونَ[1]، وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس حادرون[2]بالدال غير معجمة، قراءة ابن أبي عمار.
قال أبو جعفر: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرين وحاذرين واحد، وهو قول سيبويه. وأجاز: هو حذر زيدا، كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد: [الكامل] 312-
حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الأقدار[3]
قال أبو جعفر: حدّثني علي بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: قال أبو عثمان اللّاحقي: لقيني سيبويه فقال: أتعرف بيتا فيه فعل ناصبا؟ فلم أحفظ فيه شيئا وفكّرت فعملت له فيه هذا البيت، وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا، على حذف «من» . فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد، ويذهبون إلى أنّ معنى حذر في خلقته الحذر أي منتبه متيقّظ فإذا كان هكذا لم يتعدّ، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدّمين. قال عبد الله بن مسعود في قول الله جلّ وعزّ: حاذِرُونَ قال: مؤدّون في الكراع والسلاح مقوون فهذا ذاك بعينه، وقوله: مؤدّون معناه معهم أداة، وقيل: المعنى معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرّضون على القتال. فأما «حادرون» فمعنا مشتقّ من قولهم: عين حدرة أي ممتلئة أي نحن ممتلئون غيظا عليهم.
[سورة الشعراء (26) : آية 59]
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59)
كَذلِكَ في موضع رفع والمعنى الأمر كذلك أي الأمر كما أخبرناكم من خبرهم.
[سورة الشعراء (26) : آية 61]
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
فَلَمَّا تَراءَا هكذا الوقف كما تقول: تجافى القوم، وتراخى إخوتك. لم تقف عليه فتقول: تجافى وتراخى، ومن وقف فقال: تراءى فقد حذف لام الفعل، وغلط من اعتلّ أنه فعل متقدّم غلطا قبيحا، وذلك أن العلّة في قولنا: تراءى أنه مثل تداعى
[1]انظر البحر المحيط 6/ 17. [.....]
[2]انظر مختصر ابن خالويه 106، والبحر المحيط 6/ 18.
[3]مرّ: الشاهد رقم (121) .
وتجافى- كما قلنا، ولو كان متأخّرا لقيل: ترآيا فإن وصلت حذفت لالتقاء الساكنين فقلت: تراءى الجمعان. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ[1]. قال الفراء[2]: حفر واحتفر بمعنى واحد، وكذلك لمدركون ولمدّركون بمعنى واحد. قال أبو جعفر: وليس كذا يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون مدركون ملحوقون، ومدّركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت. وهذا معنى قول سيبويه.
[سورة الشعراء (26) : آية 69]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69)
على تخفيف الهمزة الثانية، وهو أحسن الوجوه لأنهم قد أجمعوا جميعا على تخفيف الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة، نحو آدم، وإن شئت حققتهما فقلت: «نبأ إبراهيم» وإن شئت خفّفتهما فقلت «نبأ إبراهيم» ، وإن شئت خففت الأولى فقلت «نبأ إبراهيم» . وثمّ وجه خامس إلّا أنه بعيد في العربية، بعد لأنه جمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة وحسن في فعال لأنه لا يأتي إلّا مدغما.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 71 الى 72]
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72)
فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ خبر نظل.
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم فحذف كما قال: [البسط] 313-
القائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القدّ والأبقا[3]
قال: والأبق الكتان فحذف. والمعنى: وقد أحكمت حكمات الأبق. وروي عن قتادة أنه قرأ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ[4]بضمّ الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم. إِذْ تَدْعُونَ وإن شئت أدغمت الذال في التاء.
[سورة الشعراء (26) : آية 73]
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)
معطوف على يسمعونكم.
[1]انظر البحر المحيط 7/ 19، ومختصر ابن خالويه 107.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 280.
[3]الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 49، ولسان العرب (أبق) و (حكم) ، وتهذيب اللغة 4/ 114، وجمهرة اللغة 1026، وتاج العروس (حكم) ، ومجمل اللغة 1/ 159، ومقاييس اللغة 1/ 39، وديوان الأدب 2/ 329، وأساس البلاغة (حكم) ، وبلا نسبة في لسان العرب (حكم) ، والمخصّص 4/ 71، وديوان الأدب 2/ 133، وكتاب العين (حكم) .
[4]انظر مختصر ابن خالويه 107.
[سورة الشعراء (26) : آية 77]
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77)
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي واحد يؤدّي عن جماعة، وكذلك يقال للمرأة: هي عدوّ الله وعدوّة الله، حكاهما الفراء. قال أبو جعفر: وسألت علي بن سليمان عن العلّة فيه، فقال من قال: عدوّة فأثبت الهاء قال: هي بمعنى معادية. ومن قال عدوّ للمؤنّث، والجمع جعله بمعنى النسب. إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قال أبو إسحاق: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأول، وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله جلّ وعزّ ويعبدون معه الأصنام، وتأوله الفراء[1]على الأصنام وحدها، والمعنى عنده فإنّهم لو عبدتهم عدوّ لي إلّا ربّ العالمين أي عدوّ لي يوم القيامة.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 78 الى 79]
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)
يَهْدِينِ وَيَسْقِينِ: بغير ياء لأن الحذف في رؤوس الآيات حسن لتتّفق كلّها.
وقد قرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ومحلّه من العربية هذه كلّها بالياء لأن الياء اسم وإنما دخلت النون لعلّة.
[سورة الشعراء (26) : آية 82]
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
وقرأ الحسن: الذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين وقال ليست خطيئة واحدة. قال أبو جعفر: وخطيئة بمعنى خطايا معروف في كلام العرب، وقد أجمعوا جميعا على التوحيد في قوّته جلّ وعزّ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [الملك: 11] ومعناه بذنوبهم، وكذا فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: 103] ومعناه الصلوات فكذا خَطِيئَتِي إن كانت خطايا، والله أعلم.
[سورة الشعراء (26) : آية 94]
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)
فَكُبْكِبُوا فِيها قيل الضمير يعود على الأصنام وقد جرى الإخبار عنهم بالتذكير، لأنهم أنزلوهم منزلة ما يعقل. هُمْ وَالْغاوُونَ الذين عبدوهم، «والغاوون» الخائبون من رحمة الله جلّ وعزّ.
[سورة الشعراء (26) : آية 95]
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)
الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام وساعدوا إبليس على ما يريد فهم جنوده.
[سورة الشعراء (26) : آية 99]
وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99)
[1]انظر معاني الفراء 2/ 281.