وتجافى- كما قلنا، ولو كان متأخّرا لقيل: ترآيا فإن وصلت حذفت لالتقاء الساكنين فقلت: تراءى الجمعان. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ[1]. قال الفراء[2]: حفر واحتفر بمعنى واحد، وكذلك لمدركون ولمدّركون بمعنى واحد. قال أبو جعفر: وليس كذا يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون مدركون ملحوقون، ومدّركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت. وهذا معنى قول سيبويه.
[سورة الشعراء (26) : آية 69]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69)
على تخفيف الهمزة الثانية، وهو أحسن الوجوه لأنهم قد أجمعوا جميعا على تخفيف الثانية إذا كانتا في كلمة واحدة، نحو آدم، وإن شئت حققتهما فقلت: «نبأ إبراهيم» وإن شئت خفّفتهما فقلت «نبأ إبراهيم» ، وإن شئت خففت الأولى فقلت «نبأ إبراهيم» . وثمّ وجه خامس إلّا أنه بعيد في العربية، بعد لأنه جمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة وحسن في فعال لأنه لا يأتي إلّا مدغما.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 71 الى 72]
قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72)
فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ خبر نظل.
قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم فحذف كما قال: [البسط] 313-
القائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القدّ والأبقا[3]
قال: والأبق الكتان فحذف. والمعنى: وقد أحكمت حكمات الأبق. وروي عن قتادة أنه قرأ قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ[4]بضمّ الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم. إِذْ تَدْعُونَ وإن شئت أدغمت الذال في التاء.
[سورة الشعراء (26) : آية 73]
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)
معطوف على يسمعونكم.
[1]انظر البحر المحيط 7/ 19، ومختصر ابن خالويه 107.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 280.
[3]الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 49، ولسان العرب (أبق) و (حكم) ، وتهذيب اللغة 4/ 114، وجمهرة اللغة 1026، وتاج العروس (حكم) ، ومجمل اللغة 1/ 159، ومقاييس اللغة 1/ 39، وديوان الأدب 2/ 329، وأساس البلاغة (حكم) ، وبلا نسبة في لسان العرب (حكم) ، والمخصّص 4/ 71، وديوان الأدب 2/ 133، وكتاب العين (حكم) .
[4]انظر مختصر ابن خالويه 107.
[سورة الشعراء (26) : آية 77]
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77)
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي واحد يؤدّي عن جماعة، وكذلك يقال للمرأة: هي عدوّ الله وعدوّة الله، حكاهما الفراء. قال أبو جعفر: وسألت علي بن سليمان عن العلّة فيه، فقال من قال: عدوّة فأثبت الهاء قال: هي بمعنى معادية. ومن قال عدوّ للمؤنّث، والجمع جعله بمعنى النسب. إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ قال أبو إسحاق: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأول، وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله جلّ وعزّ ويعبدون معه الأصنام، وتأوله الفراء[1]على الأصنام وحدها، والمعنى عنده فإنّهم لو عبدتهم عدوّ لي إلّا ربّ العالمين أي عدوّ لي يوم القيامة.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 78 الى 79]
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)
يَهْدِينِ وَيَسْقِينِ: بغير ياء لأن الحذف في رؤوس الآيات حسن لتتّفق كلّها.
وقد قرأ ابن أبي إسحاق على جلالته ومحلّه من العربية هذه كلّها بالياء لأن الياء اسم وإنما دخلت النون لعلّة.
[سورة الشعراء (26) : آية 82]
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
وقرأ الحسن: الذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين وقال ليست خطيئة واحدة. قال أبو جعفر: وخطيئة بمعنى خطايا معروف في كلام العرب، وقد أجمعوا جميعا على التوحيد في قوّته جلّ وعزّ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [الملك: 11] ومعناه بذنوبهم، وكذا فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: 103] ومعناه الصلوات فكذا خَطِيئَتِي إن كانت خطايا، والله أعلم.
[سورة الشعراء (26) : آية 94]
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)
فَكُبْكِبُوا فِيها قيل الضمير يعود على الأصنام وقد جرى الإخبار عنهم بالتذكير، لأنهم أنزلوهم منزلة ما يعقل. هُمْ وَالْغاوُونَ الذين عبدوهم، «والغاوون» الخائبون من رحمة الله جلّ وعزّ.
[سورة الشعراء (26) : آية 95]
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)
الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام وساعدوا إبليس على ما يريد فهم جنوده.
[سورة الشعراء (26) : آية 99]
وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99)
[1]انظر معاني الفراء 2/ 281.
رفع بفعلهم، والمجرمون: الذين دعوهم إلى عبادة الأصنام.
[سورة الشعراء (26) : آية 100]
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100)
في موضع رفع لأن المعنى: فما لنا شافعون.
[سورة الشعراء (26) : آية 101]
وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)
ويجوز وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ بالرفع يكون عطفا على الموضع: لأن المعنى فما لنا شافعون ولا صديق حميم. وجمع صديق أصدقاء، وصدقاء وصداق. ولا يقال:
صدق، للفرق بين النعت وبين غيره، وحكى الكوفيون أنه يقال في جمعه صدقان.
وهذا بعيد لأن هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان، وحكوا أيضا صديق وأ صادق، وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا، نحو أشجع وأشاجع. ويقال:
صديق للجماعة وللمرأة، وجمع حميم أحمّاء وأحمّة، وكرهوا أفعلاء للتضعيف.
[سورة الشعراء (26) : آية 102]
فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)
أنّ في موضع رفع والمعنى: فلو وقع لنا رجوع إلى الحياة لآمنّا.
[سورة الشعراء (26) : آية 105]
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105)
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ على تأنيث الجماعة.
[سورة الشعراء (26) : آية 111]
قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111)
الْأَرْذَلُونَ جمع الأرذل والمكسر أراذل والأنثى الرّذلى والجمع رذل، ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه، ومنعوا جميعا سقطت له ثنّيتان علييان لا سفليان.
[سورة الشعراء (26) : آية 119]
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)
الْفُلْكِ زعم سيبويه أنه جمع فلك كأسد وأسد، وقيل: فلك وفلك بمعنى واحد.
[سورة الشعراء (26) : آية 128]
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128)
قال محمد بن يزيد رِيعٍ جمع ريعة.
[سورة الشعراء (26) : آية 129]
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)
فذمّوا على أن اتّخذوا ما لا يحتاجون إليه ووبخوا بقوله: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي لستم تخلدون فلم تبنون ما تموتون وتتركونه؟
[سورة الشعراء (26) : آية 137]
إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137)
قراءة شيبة ونافع وعاصم والأعمش وحمزة، وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر والحسن إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ[1]بفتح الخاء. فالقراءة الأولى عند الفراء بمعنى عادة الأولين. قال أبو جعفر: وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال: خلق الأولين مذهبهم، وما جرى عليه أمرهم. والقولان متقاربان من هذا الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»[2]أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الأمر في طاعة الله جلّ وعزّ، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، ولا أن يكون أكمل إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: وحكي لنا عن محمد بن يزيد أنّ معنى «خلق الأولين» تكذيبهم وتخرّصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الأولى لأن فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم وقولهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [الزخرف: 22] .
[سورة الشعراء (26) : آية 148]
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148)
وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ الجملة في موضع خفض نعت لنخل. وأحسن ما قيل في معناه ما رواه الدّراوردي عن ابن أخي الزّهري عن عمه في قوله جلّ وعزّ: طَلْعُها هَضِيمٌ قال: الرّخص اللطيف أول ما يطلع، وهو الطلع النضيد لأن بعضه فوق بعض.
[سورة الشعراء (26) : آية 149]
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149)
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ ويقال: تنحتون لأنه فيه حرفا من حروف الحلق. بيوتا فرهين[3]قراءة المدنيين والبصريين، وقرأ أبو صالح والكوفيون فارِهِينَ وقد اختلف العلماء في معناهما ففرق بينهما بعضهم وجعلهما بمعنى واحد. فقال أبو صالح ومعاوية بن قرّة ومنصور بن المعتمر والضحاك بن مزاحم فارهون حاذقون. قال مجاهد: «فرهون» أشرون بطرون. قال أبو جعفر: فهذا تفريق بين معنيين، يكون «فارهون» من فره إذا كان حاذقا نشيطا، و «فرهون» بمعنى فرحين فأبدل من الحاء هاء.
وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وينحتون من الجبال بيوتا فرهين قال:
[1]انظر معاني الفراء 2/ 281، والبحر المحيط 7/ 32، وهذه قراءة عبد الله وعلقمة وابن كثير والكسائي أيضا.
[2]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 250، وأبو داود في سننه (4682) ، والدارمي في سننه 2/ 323، والحاكم في المستدرك 1/ 3، وأبو نعيم في حلية الأولياء 9/ 248 والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5/ 355.
[3]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 472، والبحر المحيط 7/ 34.
حاذقين. قال: فهذا بمعنى فارهين إن كان محفوظا عن ابن عباس وممن ذهب إلى أنّ فارهين وفرهين بمعنى واحد أبو عبيدة وقطرب. وحكى قطرب: فره يفره فهو فاره وفرع يفره فهو فره وفاره إذا كان نشيطا وهو منصوب على الحال.
[سورة الشعراء (26) : آية 155]
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ قال الفراء[1]: الشّرب الحظّ من الماء. قال أبو جعفر:
فأمّا المصدر فيقال فيه شرب شربا وشربا وشربا: وأكثرها المضمومة لأنّ المفتوحة والمكسورة يشتركان مع شيء آخر، فيكون الشرب الحظّ من الماء، ويكون الشّرب جمع شارب، كما قال: [البسيط] 314-
فقلت للشّرب في درنا وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشّارب الثّمل[2]
إلّا أنّ أبا عمرو بن العلاء رحمه الله والكسائي يختاران الشّرب بالفتح في المصدر، ويحتجّان برواية بعض العلماء أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنّها أيام أكل وشرب»[3].
[سورة الشعراء (26) : آية 156]
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156)
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ لا يجوز إظهار التضعيف هاهنا لأنهما حرفان متحرّكان من جنس واحد فَيَأْخُذَكُمْ جواب النهي، ولا يجوز حذف الفاء منه والجزم كما جاز في الأمر إلّا شيء روي عن الكسائي أنه يجيزه.
[سورة الشعراء (26) : آية 157]
فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157)
أي على عقرها لما أيقنوا بالعذاب، ولم ينفعهم الندم لأن المحنة قد زالت لمّا وقع الاستيقان بالعذاب. وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا بل طلبوا صالحا صلّى الله عليه وسلّم ليقتلوه لمّا أيقنوا بالعذاب.
[سورة الشعراء (26) : آية 171]
إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171)
إِلَّا عَجُوزاً نصب على الاستثناء. فِي الْغابِرِينَ روى سعيد عن قتادة قال: غبرت في عذاب الله جلّ وعزّ أي بقيت، وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 272.
[2]الشاهد للأعشى في ديوانه 107، ولسان العرب (ثمل) و (درن) ، وجمهرة اللغة 640، ومقاييس اللغة 1/ 390، وأساس البلاغة (ثمل) ، وتاج العروس (ثفت) و (ثمل) ، و (درن) .
[3]أخرجه مالك في الموطأ باب 44 حديث (135) ، وابن ماجة في سننه حديث (1719) وأبو داود في سننه حديث (2813) .
[سورة الشعراء (26) : آية 176]
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)
وقرأ أبو جعفر ونافع أصحاب لئيكة المرسلين[1]وكذا قرأ في «صاد» [آية:
13] ، وأجمع القراء على الخفض في التي في سورة «الحجر» [آية: 78] والتي في سورة «ق» [آية: 14] فيجب أن يردّ ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحدا. فأما ما حكاه أبو عبيدة من أنّ «ليكة» هي اسم القرية التي كانوا فيها وأنّ الأيكة اسم البلد كلّه فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله، وإنما قيل: وهذا لا تثبت به حجّة حتّى يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر لأنّ أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه. روى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيب صلّى الله عليه وسلّم إلى أمّتين: أي قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة. قال: والأيكة غيضة من شجر ملتفّ. وروى سعيد عن قتادة. قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر، وكانت عامة شجرهم الدوم، وهو شجر المقل وروى جويبر عن الضحاك، قال: خرج أصحاب الأيكة يعني حين أصابهم الحر فانضموا إلى الغيضة والشجر فأرسل الله عليهم سحابة فاستظلّوا تحتها فلما تتامّوا تحتها أحرقوا، ولو لم يكن في هذا إلّا ما روي عن ابن عباس قال: تحتها الشجر. ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافا أنّ الأيكة الشجر الملتفّ. فأمّا احتجاج بعض من احتجّ لقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح بأنه في السواد ليكة فلا حجّة له فيه، والقول فيه أنّ أصله الأيكة ثم خفّفت الهمزة فألقيت حركتها على اللّام وسقطت واستغنيت عن ألف الوصل، لأن اللام قد تحرّكت فلا يجوز على هذا إلّا الخفض، كما تقول: مررت بالأحمر، على تحقيق الهمزة ثم تخفّفها فتقول: مررت بلحمر. فإن شئت كتبته في الخطّ كما كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف، ولم يجز إلّا بالخفض فكذا لا يجوز في الأيكة إلّا الخفض. قال سيبويه: واعلم أنّ كلّ ما ينصرف إذا دخلته الألف واللام أو أضيف انصرف إذا دخلته، ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا.
[سورة الشعراء (26) : آية 184]
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184)
عطف على الكاف والميم ويقال: جبلّة» والجمع فيهما جبال، وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من اللام فيقال: جبلة وجبل وجبلة وجبل. ويقال:
جبلة وجبال، وتحذف الهاء من هذا كلّه.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 193]
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)
[1]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 473، وتيسير الداني 135، والبحر المحيط 7/ 36. [.....]
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ هذه قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة إلّا الحسن فإنه قرأ هو والكوفيون نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ[1]وبعض أهل اللغة يحتجّ لهذه القراءة بقوله جلّ وعزّ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ لأن تنزيلا يدلّ على نزّل، وهو احتجاج حسن، وقد ذكره أبو عبيد والحجّة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول: ليس هذا المصدر لأنّ المعنى وإنّ القرآن لتنزيل ربّ العالمين نزل به جبرائيل صلّى الله عليه وسلّم، كما قال جلّ وعزّ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: 97] فإنه نزّله على قلبك.
[سورة الشعراء (26) : آية 196]
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)
أي وإنّ الإنذار بمن أهلك لفي كتب الأولين. وفي قراءة الأعمش لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ[2]حذف الضمة لثقلها كما يقال رسل.
[سورة الشعراء (26) : آية 197]
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197)
أي أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل الذين أسلموا صحّة نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم فما عندهم في التوراة والإنجيل آية واضحة. ومن قرأ (تكن)[3]أنّث لأن أن يعلمه هو الآية كما قال: [الكامل] 315-
فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هي عرّدت إقدامها[4]
ويبعد رفع آية لأن أن يعلمه هو الآية. وقرأ عاصم الجحدري أن تعلمه علماء بني إسرائيل[5].
[سورة الشعراء (26) : آية 198]
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198)
وقرأ الحسن على بعض الأعجميّين[6]. قال أبو جعفر: يقال رجل أعجم وأعجميّ إذا كان غير فصيح وإن كان عربيا، ورجل عجميّ أصله من العجم وإن كان فصيحا ينسب إلى أصله، إلّا أنّ الفراء أجاز أن يقال: رجل عجميّ.
[1]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 473، ومعاني الفراء 2/ 284، وتيسير الداني 135.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 38.
[3]انظر تيسير الداني 135، وكتاب السبعة لابن مجاهد 473، والبحر المحيط 7/ 39، وهذه قراءة ابن عامر والجحدري.
[4]الشاهد للبيد في ديوانه 306، والأشباه والنظائر 5/ 255، والخصائص 2/ 415، ولسان العرب (عرد) و (قدم) ، وكتاب العين 2/ 32، وبلا نسبة في الخصائص 1/ 70.
[5]انظر البحر المحيط 7/ 39، ومختصر ابن خالويه 107.
[6]انظر البحر المحيط 7/ 40 وهي قراءة ابن مقسم أيضا.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 200 الى 201]
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201)
وأجاز الفراء[1]الجزم في «يؤمنون» لأن فيه معنى الشرط والمجازاة، زعم وحكي عن العرب: ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم، قال: لأن معناه إن لم أربطه ينفلت. والرفع عنده بمعنى كيلا ينفلت وكيلا يؤمنوا فلما حذف «كي» رفع. وهذا الكلام كلّه في يؤمنون خطأ على مذهب البصريين لا يجوز الجزم لا جازم ولا يكون شيء يعمل عملا أقوى من عمله وهو موجود، فهذا احتجاج بيّن وإن شذّ قول لبعض البصريين لم يعرّج عليه إذ كان الأكثر يخالفه فيه.
[سورة الشعراء (26) : آية 205]
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205)
قال الضحاك: يعني أهل مكة.
[سورة الشعراء (26) : آية 206]
ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206)
قال: يعني من العذاب والهلاك.
[سورة الشعراء (26) : آية 207]
ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207)
ما الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، ويجوز أن تكون الأولى نفيا لا موضع لها.
[سورة الشعراء (26) : الآيات 208 الى 209]
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209)
قال الكسائي: ذِكْرى في موضع نصب على القطع، وهذا لا يحصّل، والقول فيه هو قول الفراء[2]وأبي إسحاق أنّها في موضع نصب على المصدر. قال الفراء: أي يذّكّرون ذكرى وهذا قول صحيح لأنّ معنى إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ إلا لها مذكّرون. وذكرى لا يتبيّن فيه الإعراب لأن فيه ألفا مقصورة، ويجوز «ذكرى» بالتنوين، ويجوز أن يكون «ذكرى» في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى وتلك ذكرى.
[سورة الشعراء (26) : آية 210]
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210)
وقرأ الحسن الشياطون[3]وهو غلط عند جميع النحويين. قال أبو جعفر:
[1]انظر معاني الفراء 2/ 283.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 284.
[3]انظر البحر المحيط 7/ 43، ومعاني الفراء 2/ 285، ومختصر ابن خالويه 108.