بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 134

يُلْقُونَ السَّمْعَ قيل: الّذين يلقون السمع هم الذين تتنزّل عليهم أي يستمعون إلى الشياطين ويقبلون منهم، وقيل: هم الشياطين يسترقون السمع.

[سورة الشعراء (26) : آية 224]
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224)
ويجوز النصب على إضمار فعل يفسره يتّبعهم. وقيل: «الغاوون» هاهنا الزائلون عن الحقّ، ودلّ: هذا على أن الشعراء أيضا غاوون لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك.

[سورة الشعراء (26) : آية 225]
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225)
أي هم بمنزلة الهائم لأنهم يذهبون في كلّ وجه من الباطل ولا يتّبعون سنن الحقّ لأن من اتّبع الحقّ وعلم أنّه يكتب عليه قوله تثبّت ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالي ما قال.

[سورة الشعراء (26) : آية 227]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في موضع نصب على الاستثناء.
وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وإنما يكون الانتصار بالحقّ وبما حدّه الله جلّ وعزّ فإذا تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وفي هذا تهديد لمن انتصر بظلم و «أيّ» منصوب بينقلبون، وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا بسيعلم. والنحويون يقولون: لا يعمل في الاستفهام ما قبله. قال أبو جعفر: وحقيقة العلّة في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض.


صفحه 135

27 شرح إعراب سورة النّمل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة النمل (27) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ[1]
طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ بمعنى هذه تلك آيات القرآن، ويجوز في هذا ما جاز في أول «البقرة» في قوله جلّ وعزّ ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: 2] . وَكِتابٍ مُبِينٍ عطف على القرآن. قال أبو إسحاق: ويجوز «وكتاب مبين»[1]بمعنى وذلك كتاب مبين.

[سورة النمل (27) : آية 2]
هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
هُدىً في موضع نصب على الحال، ويجوز فيه ما جاز في غيره في أول سورة «البقرة» في قوله جلّ وعزّ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] .

[سورة النمل (27) : آية 3]
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3)
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز فيه ما جاز في أول سورة «البقرة» في قوله جلّ وعزّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]

[سورة النمل (27) : آية 4]
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ اسم «إنّ» . زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ في موضع الخبر.

[سورة النمل (27) : آية 5]
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5)
أُوْلئِكَ في موضع رفع بالابتداء. وخبره الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ ويقال: «الّذون» في موضع الرفع. وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. فِي الْآخِرَةِ تبيين وليس بمتعلق بالأخسرين.
[1]وهي قراءة ابن أبي عبلة، انظر البحر المحيط 7/ 51.


صفحه 136

[سورة النمل (27) : الآيات 6 الى 7]
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)
لَدُنْ بمعنى عند إلّا أنّها مبنية غير معربة لأنها لا تتمكّن.
وقرأ المدنيون وأبو عمرو بشهاب قبس[1]وقرأ الكوفيون بِشِهابٍ قَبَسٍ فزعم الفراء[2]في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [يوسف: 109] يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه. قال أبو جعفر: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين»
لأن معنى الإضافة في اللغة ضمّ شيء ليبيّن به معنى الملك والنوع فمحال أن يبيّن أنه مالك نفسه أو من نوعها. و «بشهاب قبس» إضافة النوع إلى الجسم كما تقول: هذا ثوب خزّ. والشهاب كلّ ذي نور، نحو الكوكب والعود الموقد. والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبه، فالمعنى: بشهاب من قبس. يقال:
قبست قبسا، والاسم قبس، كما تقول: قبض قبضا والاسم القبض، ومن قرأ «بشهاب قبس» جعله بدلا، ويجوز «بشهاب قبسا» في غير القرآن على أنه مصدر أو بيان أو حال. لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أصل الطاء تاء فأبدل منها طاء لأنّ الطاء مطبقة، والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا.

[سورة النمل (27) : آية 8]
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8)
قال أبو إسحاق «أن» في موضع نصب أي بأنه «قال» . ويجوز أن يكون في موضع رفع، جعلها اسم ما لم يسمّ فاعله. وحكى أبو حاتم: أن في قراءة أبيّ وابن عباس ومجاهد أن بوركت النار ومن حولها[4]ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صحّ لكان على التفسير، وقد روى سعيد عن قتادة «أن بورك من في النّار ومن حولها» قال: الملائكة. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك.

[سورة النمل (27) : آية 10]
وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ في موضع نصب على الحال. كَأَنَّها جَانٌّ والجانّ عند العرب الثعبان، وهو الحيّة العظيمة وَلَّى مُدْبِراً على الحال. وَلَمْ يُعَقِّبْ قال قتادة: أي لم
[1]انظر تيسير الداني 136، والبحر المحيط 7/ 53.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 286.
(3) انظر الإنصاف مسألة (61) . [.....]
[4]انظر معاني الفراء 2/ 286، والبحر المحيط 7/ 55.


صفحه 137

يلتفت. يا مُوسى لا تَخَفْ أي قيل له لا تخف من الحيّة وضررها. إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ هذا تمام الكلام.

[سورة النمل (27) : آية 11]
إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ استثناء ليس من الأول في موضع نصب. وزعم الفراء[1]أن الاستثناء من محذوف، والمعنى عنده: إنّي لا يخاف لديّ المرسلون إنّما يخاف غيرهم إلّا من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف، وزعم الفراء[2]: أيضا أنّ بعض النحويين يجعل إلّا بمعنى الواو. قال أبو جعفر: استثناء من محذوف محال لأنه استثناء من شيء لم يذكر ولو جاز هذا لجاز: إنّي أضرب القوم إلّا زيدا، بمعنى لا أضرب القوم إنّما أضرب غيرهم إلّا زيدا، وهذا ضدّ البيان، والمجيء بما لا يعرف معناه. وأما كان إلّا بمعنى الواو فلا وجه له ولا يجوز في شيء من الكلام. ومعنى «إلّا» خلاف معنى الواو لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلّا زيدا، أخرجت زيدا مما دخل فيه الإخوة. وإذا قلت: جاءني إخوتك وزيد، أدخلت زيدا فيما دخل فيه الإخوة فلا شبه بينهما ولا تقارب. وفي الآية قول ثالث: يكون المعنى أن موسى صلّى الله عليه وسلّم لما خاف من الحية فقال له جلّ وعزّ: لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، علم جلّ وعزّ أنّ من عصى منهم يسرّ الخيفة فاستثناه فقال: إلّا من ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء أي فانه يخاف، وإن كنت قد غفرت له فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله جلّ وعزّ أن يكونوا خائفين من معاصيه، وجلين، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شيء لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به، وقرأ مجاهد ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ[3]قال أبو جعفر:
وهذا بعيد من غير جهة، منها أنه أقام الصفة مقام الموصوف في شيء مشترك، ومنها أن ازدواج الكلام بدّل حسنا بعد سيئ على أن بعضهم قد أنشد بيت زهير: [البسيط] 316-
يطلب شأو امرأين قدّما حسنا ... فاقا الملوك وبذّا هذه السّوقا[4]

[سورة النمل (27) : آية 12]
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12)
تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ جزم «تخرج» لأنه جواب الأمر، وفيه معنى المجازاة.
فِي تِسْعِ آياتٍ أحسن ما قيل فيه أنّ المعنى هذه الآية داخلة في تسع آيات.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 287.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 287.
[3]انظر البحر المحيط 7/ 56، ومختصر ابن خالويه 108.
[4]الشاهد لزهير بن أبي سلمى في ديوانه 51، ولسان العرب (سوق) ، وتاج العروس (سوق) .


صفحه 138

[سورة النمل (27) : آية 13]
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً نصب على الحال. قال أبو إسحاق: ويجوز «مبصرة» أي مبيّنة تبصر. قال الأخفش: ويجوز «مبصرة» مصدر، وكما يقال: «الولد مجبنة» .

[سورة النمل (27) : آية 16]
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)
قال سعيد عن قتادة وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ قال: ورث منه النبوّة والملك صلّى الله عليه وسلّم وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ خبر ما لم يسم فاعله. والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله جلّ وعزّ أعلم بما أراد.

[سورة النمل (27) : آية 17]
وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)
يقال: إنّ الجنّ سخّرت له لأنه ملك مضارّها ومنافعها، وسخّرت له الطير بأن جعل فيها ما يفهم عنه فكانت تستره من الشمس وغيرها. وقيل: لهذا تفقّد الهدهد.

[سورة النمل (27) : آية 18]
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18)
الكلام في القول كما مضى في المنطق. يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ فجاء على خطاب الآدميين لما خبر عنهن بأخبار الآدميين. لا يَحْطِمَنَّكُمْ يكون نهيا وجوابا، والنون للتوكيد.

[سورة النمل (27) : آية 20]
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20)
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو بإسكان الياء وقرءوا وما لي لا أعبد الذي فطرني [يس: 22] بتحريك الياء، فزعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ وبين ما كان معطوفا على ما قبله، قال أبو جعفر:
وهذا ليس بشيء وإنما هي ياء النفس، من العرب من يفتحها، ومنهم من يسكنها، فقرؤوا باللغتين والدليل على هذا أن جماعة من جلّة القراء قرءوها جميعا بالفتح، منهم عبد الله بن كثير وعاصم والكسائي، وأن حمزة قرأهما جميعا بالتسكين، واللغة الفصيحة من ياء النفس أن تكون مفتوحة لأنها اسم وهي على حرف واحد فكان الاختيار أن لا تسكّن فيجحف بالاسم. أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ بمعنى أبل.

[سورة النمل (27) : آية 21]
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21)
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ مؤكد بالنون الثقيلة، وهي لازمة هي


صفحه 139

والخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قرئت لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ لجاز أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ويجوز أن يكون هذا النون الخفيفة ثمّ أدغمت في النون التي مع الياء، ويجوز أن تكون النون التي مع الياء حذفت، كما يقال: إنّي ذاهب ويكون مؤكّدا بالثقيلة، وأهل مكة يقرءون «أو ليأتينّني»[1].

[سورة النمل (27) : آية 22]
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراء عاصم، وتروى عن الأعمش، وقراءة سائر القراء فَمَكَثَ[2]قال سيبويه: مكث يمكث مكوثا، كما قالوا: قعد يقعد قعودا. قال:
ومكث مثل ظرف، وحجّة من ضمّ عند سيبويه أنه غير متعدّ كظرف. قال أبو جعفر:
وسمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن مكث أفصح قولهم ماكث، ولا يقولون: مكث فهذا مخالف لظرف. قال أبو جعفر: وهذا احتجاج بيّن لأن فعل فهو فاعل لا يعرف في كلام العرب إلّا في أشياء مختلف فيها، ومنها ما هو مردود. فأما اللواتي اختلف فيها فطلقت المرأة فهي طالق، وقد قيل: طلقت، وحمض الخلّ فهو حامض، وقد قيل: حمض. وزعم أبو حاتم: أنّ قولهم فره فهو فاره لا اختلاف فيه.
كذا قال، وقد حكى غيره: فره يفره فهو فره وفاره مثل حذر، حكى هذا قطرب. غَيْرَ بَعِيدٍ قال أبو إسحاق: أي وقتا غير بعيد. فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ فكان في هذا ردّ على من قال: إنّ الأنبياء تعلم الغيب، وحكى الفراء[3](أحطّ) يدغم التاء في الطاء، وحكى أحتّ يقلب الطاء تاءا ويدغم «وجئتك من سبأ بنبإ يقين» قراءة المدنيين والكوفيين. وقرأ المكيون والبصريون مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ[4]بغير صرف وزعم الفراء أن الرّؤاسي سأل أبا عمرو بن العلاء رحمه الله عن سبأ فقال: ما أدري ما هو. وتأوّل الفراء على أبي عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول وأنه إذا لم يعرف الشيء لم ينصرف واحتجّ بقوله: [الطويل] 317-
يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا[5]
وأبو عمرو أجلّ من أن يقول مثل هذا، وليس في حكاية الرؤاسي عنه دليل أنه إنّما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه وإنما قال: لا أعرفه، ولو سئل نحويّ عن اسم
[1]انظر البحر المحيط 7/ 62، وكتاب السبعة لابن مجاهد 479.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 62، وكتاب السبعة لابن مجاهد 479.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 289.
[4]انظر البحر المحيط 7/ 63.
[5]الشاهد للأعشى في ديوانه 163، والكتاب 3/ 106، وجمهرة اللغة 177، وشرح شواهد الإيضاح 492، ولسان العرب (زيب) و (كبب) ، وبلا نسبة في المقتضب 2/ 22، وصدره:
«وتدفن منه الصالحات وإن يسيء»


صفحه 140

فقال: لا أعرفه، لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف بل الحقّ على غير هذا، والواجب إذا لم تعرفه أن تصرفه لأن أصل الأسماء الصرف، وإنما يمنع الشيء من الصرف لعلّة داخلة عليه فالأصل ثابت فلا يزول بما لا يعرف. واحتجاجه بكبكب لا معنى له لأن كبكب جبل معروف، منع من الصرف لأنه بقعة، وإن كان الصرف فيه حسنا. والدليل على ما قلنا إن أبا عمرو إنما احتجّ بكلام العرب ولم يحتجّ بأنه لا يعرفه، وأنشد للنابغة الجعدي: [المنسرح] 318-
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما[1]
وإن كان أبو عمرو قد عورض من هذا فروي «من سبأ الحاضرين ... » حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد ابن يزيد يقول: سمعت عمارة يقرأ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ [يس: 40] بالنصب، حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقد تكلّم أبو عبيد القاسم بن سلام في هذا بكلام كثير التخليط ونمليه على نص ما قال، إذ كان كتابه أصلا من الأصول ليوقف على نصّ ما قال، ويعلم موضع الغلط منه. قال أبو عبيد: وهي قراءتنا التي نختار، يعني «من سبأ بنبإ يقين» ، قال أبو عبيد: لأن سبأ اسم مؤنث لامرأة أو قبيلة، وليس بخفيف فيجري لخفّته والذي يجريه يذهب به إلى أنه اسم رجل، ومن ذهب إلى هذا لزمه أن يجري ثمود في كلّ القرآن فإنه وإن كان اليوم اسم قبيلة فإنه في الأصل اسم رجل وكذلك سبأ، فإن قيل: إن ثمود أكثر في العدد من سبأ بحرف، قيل: إن الحركة التي في الباء والهمزة قد زادتا في ثقله أكثر من ذلك الحرف أو مثله، إنما الزيادة في ثمود واو ساكنة. قال أبو جعفر: قوله: «لأن سبأ اسم مؤنّث لامرأة أو قبيلة» يوجب أنه ترك صرفه لأحد هذين الأمرين، وأحدهما لا يشبه صاحبه، لأن اسم المرأة تأنيث حقيقى واسم القبيلة تأنيث غير حقيقي، والاختيار عند سيبويه[2]في أسماء القبائل إذ كان لا يستعمل فيها «بنو» الصرف نحو ثمود، وقوله: «ليس بخفيف فيجري لخفّته» ليس بحجّة على من صرفه لأنه لم يقل أحد علمناه: صرفته لأنه خفيف. وقوله: «والذي يجريه يذهب به إلى أنه اسم رجل» ليس هذا حجّة من أجراه، إنما حجته أنه اسم للحيّ وإن كان أصله على الحقيقة أنه اسم لرجل. روى فروة بن مسيك وعبد الله بن عباس عن النبي
[1]الشاهد للنابغة الجعدي في ديوانه 134، وجمهرة اللغة ص 773، وسمط اللآلي ص 18، وشرح أبيات سيبويه 2/ 241، ولسان العرب (عرم) ، ولأميّة بن أبي الصلت في ديوانه ص 59، وللنابغة الجعدي أو لأميّة في خزانة الأدب 9/ 139، وللأعشى في معجم ما استعجم ص 170، وبلا نسبة في الكتاب 3/ 279، والاشتقاق ص 489، وجمهرة اللغة 1107، ولسان العرب (سبأ) ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص (59) .
[2]انظر الكتاب 3/ 271.


صفحه 141

صلّى الله عليه وسلّم وهو معروف في النسب «سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان» وإن كان أبو إسحاق قد زعم أنه من صرفه جعله اسما للبلد. وقوله «فإن قيل: إنّ ثمود أكثر في العدد من سبأ قيل: إن الحركتين اللتين في الباء والهمزة قد زادتا في ثقله أكثر من ذلك الحرف أو مثله» فهذا موضع التخليط لأن الحركة التي في الباء والهمزة في ثمود وسبأ بالحركة لا معنى له لأنهما جميعا متحركان. قال أبو جعفر: والقول في سبأ ما جاء التوقيف فيه أنه اسم رجل في الأصل، فإن صرفته فلأنه قد صار اسما للحيّ، وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف، وحجته في ذلك قاطعة لأن هذا الاسم لما كان يقع للتذكير والتأنيث كان التذكير أولى لأنه الأصل والأخف.

[سورة النمل (27) : الآيات 24 الى 25]
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (25)
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ هذه قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة، وقرأ الزهري وأبو جعفر وأبو عبد الرحمن وحميد وطلحة والكسائي ألا يا اسجدوا لله[1]القراءة الأولى هي أن دخلت عليها «وإن» في موضع نصب. قال الأخفش: المعنى: لئلا يسجدوا. وقال الكسائي:
المعنى: فصدّهم أن لا يسجدوا. وقال علي بن سليمان: أن بدل من أعمالهم في موضع نصب. وقيل: موضعها خفض على البدل من السبيل، والقراءة الثانية بمعنى ألا يا هؤلاء اسجدوا، كما قال: [الطويل] 319-
ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر[2]
وقال آخر: [البسيط] 320-
يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصّالحين على سمعان من جار[3]
[1]انظر معاني الفراء 2/ 290، وتيسير الداني 136.
[2]الشاهد لذي الرمة في ديوانه ص 559، والإنصاف 1/ 100، وتخليص الشواهد ص 231، والخصائص 2/ 278، والدرر 2/ 44، وشرح التصريح 1/ 185، وشرح شواهد المغني 2/ 617، والصاحبي في فقه اللغة ص 232، واللامات 37، ولسان العرب (يا) ، ومجالس ثعلب 1/ 42، والمقاصد النحوية 2/ 6، وبلا نسبة في أوضح المسالك 1/ 235، وجواهر الأدب ص 290، والدرر 5/ 117، وشرح الأشموني 1/ 178، وشرح ابن عقيل ص 136، وشرح عمدة الحافظ 199. [.....]
[3]الشاهد بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب 448، والجنى الداني ص 356، والكتاب 2/ 224، وجواهر الأدب ص 290، وخزانة الأدب 11/ 197، والدرر 3/ 25، ورصف المباني ص 3، وشرح أبيات سيبويه 2/ 31، وشرح شواهد المغني 2/ 796، وشرح المفصّل 2/ 24، واللامات ص 37، ومغني اللبيب 2/ 373، والمقاصد النحوية 4/ 261، وهمع الهوامع 1/ 174.