أصل ادّارك تدارك أدغمت التاء في الدال فجيء بألف الوصل لأنه لا يبتدأ بساكن فإذا وصلت سقطت ألف الوصل وكسرت اللام لالتقاء الساكنين. وفي معناه قولان: أحدهما أنّ المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة لأنهم رأوا كلّما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به، والقول الآخر أن المعنى بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة فقالوا تكون، وقالوا لا تكون. وفي معنى أدرك قولان: أحدهما معناه كمل في الآخرة، وهو مثل الأول، والآخر على معنى الإنكار وهذا مذهب أبي إسحاق، واستدلّ على معنى صحّة هذا القول بأن بعده بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ. فأما معنى أدرك فليس فيه إلّا وجه واحد، يكون فيه معنى الإنكار كما تقول: أأنا قاتلتك أي لم أقاتلك فيكون المعنى لم يدرك. بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ حذفت منه الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.
[سورة النمل (27) : آية 67]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67)
هكذا يقرأ نافع[1]في هذه السورة وفي سورة «العنكبوت»[2]، وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلّا أنه خفّف الهمزة، وقرأ عاصم وحمزة باستفهامين أيضا إلّا أنهما حقّقا[3]الهمزتين. وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد، وقرأ الكسائي أَإِذا بهمزتين (اننا) بنونين في هذه السورة وفي سورة «العنكبوت»[4]باستفهامين. القراءة الأولى إذا كنا ترابا وآباؤنا أننا موافقة للخطّ حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم، فقال: وهذا معنى كلامه «إذ» ليس باستفهام و «أإنا» استفهام وفيه «أنّ» فكيف يجوز أن يعمل ما في حيّز الاستفهام فيما قبله، وكيف يجوز أن يعمل ما بعد أنّ فيما قبلها، وكيف يجوز غدا أنّ زيدا خارج، فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره. قال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبو العباس محمد بن يزيد عن آية من القرآن صعبة الإعراب مشكلة وهي قوله جلّ وعزّ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: 7] فقال: إنّ عمل في «إذا» ينبئكم كان محالا لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد إن كان المعنى صحيحا، وكان خطأ في العربية أن يعمل ما بعد إنّ فيما قبلها.
وهذا سؤال بيّن، ويجب أن يذكر في السورة التي هو فيها. فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع وردّ على من جمع بين استفهامين، واستدلّ بقول الله جلّ وعزّ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران: 144] ، وبقوله جلّ وعزّ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ
[1]انظر تيسير الداني 137، وكتاب السبعة لابن مجاهد 485.
[2]انظر إعراب الآية 29- سورة العنكبوت.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 300، وتيسير الداني 137. [.....]
[4]انظر معاني الفراء 2/ 300، وتيسير الداني 137.
الْخالِدُونَ [الأنبياء: 34] وهذا الرّد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا، والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد، ومعنى أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ أفإن مت خلدوا، ونظير هذا:
أزيد منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق، لأنهما بمنزلة شيء واحد، وليس كذا الآية، لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فصلح فيها الاستفهام والأول كلام منفرد يصلح فيه الاستفهام فأما من حذف الاستفهام من الثاني الاستفهام لأن في الكلام دليلا عليه لمعنى الإنكار.
[سورة النمل (27) : آية 81]
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وأجاز الفراء وأبو حاتم وما أنت بهاد العمى[1]وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم[2]وفي حرف عبد الله وما أن تهدي العمي عن ضلالتهم. القراءة الأولى بحذف الياء في اللفظ لالتقاء الساكنين وإثباتها في الخط، والقراءة الثانية بحذف الياء في اللفظ والخطّ لسكونها وسكون التنوين بعدها، من العرب من يثبتها في الوقف فيقول: مررت بقاضي، لأن التنوين لا يثبت في الوقف، والقراءة الثالثة بحذف الياء منها في اللفظ وفي الوصل لالتقاء الساكنين وفي حرف عبد الله وما إن تهدي إن زائدة للتوكيد وهي كافّة لما عن العمل إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا قال أبو إسحاق: أي ما تسمع قال: والمعنى ما تسمع فيعي ويعمل إلا من يؤمن بآياتنا فأما من يسمع ولا يقبل فبمنزلة الأصم.
[سورة النمل (27) : آية 82]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82)
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ قالت حفصة ابنة سيرين: سألت أبا العالية عن قول الله جلّ وعزّ: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ فقال: أوحى الله جلّ وعزّ إلى نوح صلّى الله عليه وسلّم: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: 36] فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. قال أبو جعفر: وهذا من حسن الجواب لأنّ الناس ممتحنون ومؤخّرون لأن فيهم مؤمنين وصالحين، ومن قد علم الله جلّ وعزّ أنه سيؤمن ويتوب، ولهذا أمرنا بأخذ الجزية فإذا زال هذا وجب القول عليهم فصاروا كقوم نوح صلّى الله عليه وسلّم حين قال الله جلّ وعزّ فيهم أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قال عبد الله بن عمر رحمة الله عليه: تخرج الدابة من صدع في الصفا، وقرأ ابن عباس
[1]انظر البحر المحيط 7/ 92، ومختصر ابن خالويه 110.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 300.
وعكرمة وعاصم الجحدري وطلحة وأبو زرعة: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ[1]قال عكرمة: أي تسمهم. وفي معنى «تكلمهم» قولان: فأحسن ما قيل فيه ما روي عن ابن عباس قال: هي والله تكلّمهم وتكلمهم. تكلّم المؤمن، وتكلم الكافر أو الفاجر تجرحه. وقال أبو حاتم: تكلّمهم كما تقول: تجرّحهم يذهب إلى أنّه تكثير من تكلمهم. وقرأ الكوفيون وابن أبي إسحاق أَنَّ النَّاسَ[2]بفتح الهمزة، وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة إن الناس بكسر الهمزة. قال أبو جعفر: في المفتوحة قولان وكذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأنّ الناس، وقال أبو عبيد:
موضعها نصب بوقوع الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس. وقال الكسائي: والفراء[3]:
إن الناس بالكسر على الاستئناف، وقال الأخفش: هو بمعنى تقول إنّ النّاس.
[سورة النمل (27) : آية 87]
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (87)
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بمعنى واذكر، ومذهب الفراء[4]أنّ المعنى وذلك يوم ينفخ في الصور، وأجاز فيه الحذف وجعله مثل وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ [سبأ: 51] .
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ فهذا ماض «وينفخ» مستقبل، ويقال: كيف عطف ماض على مستقبل؟ وزعم الفراء أنه محمول على المعنى، لأن المعنى إذا نفخ في الصور ففزع. إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ في موضع نصب على الاستثناء. قرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي وكلّ آتوه داخرين[5]جعلوه فعلا مستقبلا، وقرأ الأعمش وحمزة وَكُلٌّ أَتَوْهُ جعلاه فعلا ماضيا. قال أبو جعفر: وفي كتابي عن أبي إسحاق في القرآن من قرأ وَكُلٌّ أَتَوْهُ وحده على لفظ كلّ ومن قرأ آتَوْهُ جمع على معناها.
وهذا القول غلط قبيح لأنه إذا قال: وكلّ أتوه فلم يوحد وإنما جمع فلو وحّد لقال:
أتاه، ولكن من قال: أتوه جمع على المعنى وجاء به ماضيا لأنّه ردّه على «ففزع» ومن قرأ وكلّ آتوه حمله على المعنى، وقال: آتوه لأنها جملة منقطعة من الأول.
[سورة النمل (27) : آية 88]
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88)
وَتَرَى الْجِبالَ من رؤية العين، ولو كان من رؤية القلب لتعدّت إلى مفعولين، والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الرّاء فتحرّكت الراء وحذفت الهمزة فهذه سبيل
[1]انظر معاني الفراء 2/ 301.
[2]انظر مختصر ابن خالويه 110.
[3]انظر تيسير الداني 137.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 301.
[5]انظر البحر المحيط 7/ 94، وكتاب السبعة لابن مجاهد 487، وتيسير الداني 137.
تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن إلّا أنّ التخفيف لازم لترى وأخواتها من المضارع لكثرته في الكلام، وأنه يقع لرؤية العين والقلب. تَحْسَبُها جامِدَةً لا بدّ لتحسب من مفعولين، وظننت قد يتعدّى إلى واحد فقط. وأهل الكوفة يقرءون تَحْسَبُها وهو القياس لأنه من حسب يحسب إلّا أنه قد روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل فيكون على فعل يفعل، كما قالوا نعم ينعم ويئس ييئس، وحكى بئس يبئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ مصدر، وتقديره مرّا مثل مرّ السحاب فأقمت الصّفة مقام الموصوف والمضاف إليه. صُنْعَ اللَّهِ منصوب عند الخليل وسيبويه رحمهما الله على أنه مصدر لأنه لما قال عزّ وجلّ «وهي تمرّ مرّ السّحاب» دلّ على أنه صنع ذلك صنعا، ويجوز النصب على الإغراء أي انظروا صنع الله. قال أبو إسحاق: ويجوز الرفع على معنى ذلك صنع الله.
[سورة النمل (27) : آية 89]
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ تخفض[1]يوما على الإضافة وتحذف التنوين لها ومن نصب وأضاف فقرأ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ جعل يومئذ مبنيا على الفتح، مضاف إلى غير متمكّن، وأنشد سيبويه: [الطويل] 323-
على حين ألهى النّاس جلّ أمورهم[2]
فإن قال قائل: قد قال سيبويه[3]: التنوين علامة الأمكن عندهم، وقال[4]: وبعدت من المضارعة بعد «كم» و «إذ» من المتمكّنة، فكيف يكون التنوين علامة للأمكن ثمّ يدخل فيما لا يتمكّن بوجه من الوجوه فهذا ضرب من المناقضة؟ فالجواب عن هذا أن التنوين الذي على سيبويه ليس هو هذا التنوين وإنما يتوهّمه أنه كان ضعيفا في العربية والتنوين الذي أراده هو الذي يقول بعض النحويين فيه: أدخل فرقا بيّن ما ينصرف وما لا ينصرف، ويقول بعضهم: فرقا بين الاسم والفعل. وللتنوين قسمان آخران يكون فرقا بين المعرفة والنكرة، ويكون عوضا في قولك: جوار وفي قولك يومئذ.
[سورة النمل (27) : آية 90]
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)
والفعل من هذا كبيته واللازم منه أكبّ وقلّ ما يأتي هذا في كلام العرب.
[سورة النمل (27) : آية 91]
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91)
[1]انظر البحر المحيط 7/ 96، وكتاب السبعة لابن مجاهد 487.
[2]مرّ الشاهد رقم (216) .
[3]انظر الكتاب 1/ 47.
[4]انظر الكتاب 1/ 43.
الَّذِي في موضع نصب نعت لرب، ولو كان بالألف واللام قلت: المحرّمها، فإن كان نعتا للبلدة المحرّمها هو، لا بدّ من إظهار المضمر مع الألف واللام لأن الفعل جرى على غير من هو له فإن قلت: الذي حرّمها لم تحتج أن تقول هو.
[سورة النمل (27) : آية 92]
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)
وَأَنْ أَتْلُوَا نصب بأن. قال الفراء[1]: وفي إحدى القراءتين وأن أتل القرآن[2]، وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذفت منه الواو. قال أبو جعفر:
ولا نعرف أحدا قرأ بهذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف، وقوله في موضع جزم خطأ عند البصريين لأنه لا يكون جزم بلا جازم، وتقديره اللام خطأ لم يكن بدّ من المجيء بحرف المضارعة فكيف تضمر اللام وهي إذا جيء بها كان الكلام على غير ذلك، وحروف الجزم لا تضمر، وهذا الفعل لا يجوز أن يكون معربا لأنه ليس بالمضارع. قال سيبويه: أسكنوها لأنها لا يوصف بها ولا تقع موقع المضارعة.
[سورة النمل (27) : آية 93]
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء ليكون الكلام على نسق واحد، وبالياء على أن يردّ إلى ما قبله أو على تحويل المخاطبة.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 301.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 96، ومختصر ابن خالويه 111. [.....]
28 شرح إعراب سورة القصص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم[1]تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2)
تِلْكَ في موضع رفع بمعنى هذه تلك وآياتُ بدل منها، ويجوز أن يكون «تلك» في موضع نصب بنتلو و «آيات» بدل منها أيضا وانتصابها كما تقول: زيدا ضربت.
[سورة القصص (28) : آية 4]
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
عَلا هاهنا فعل، وقد يكون في غير هذا اسما إذا قلت: أخذته من على الحائط، وتكون حرفا، في قولك: على زيد مال. ويجوز كتابته بالياء إذا كان اسما أو حرفا، لأن ألفه ينقلب ياء مع المضمر وإنما انقلبت ياء فرقا بينها وبين المتمكن في قولك: رأيت عصاه يا هذا، ومن العرب من لا يقلب الألف ياء، كما قال: [الرجز] 324-
طاروا علاهنّ فطر علاها[1]
وإذا كانت اسما خفض ما بعدها بالإضافة، وتخفض ما بعدها إذا كانت حرفا، وإذا كانت فعلا رفعت ما بعدها بفعله أو نصبته لتعدّيها إليه. وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً مفعولان، وواحد الشّيع شيعة وهي الفرقة التي يشيّع بعضها بعضا أي يعاونه.
[سورة القصص (28) : آية 5]
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5)
قال سعيد عن قتادة قال: هم بنو إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال: ولاة الأمر وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ قال: أي من بعد فرعون وقومه.
[1]مرّ الشاهد رقم (6) .
[سورة القصص (28) : آية 6]
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6)
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ عطف على ما قبله. قال أبو إسحاق: ويجوز و «نمكّن» بالرفع على معنى ونحن نمكّن وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ هذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وهي على نسق الكلام لأن قبله و «نريد» ، وقرأ سائر الكوفيين ويرى فرعون وهامان[1]وأجاز الفراء ويرى فرعون وهامان بمعنى ويري الله فرعون وهامان وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ تعدّى إلى مفعولين لأنه متعدّي يرى.
[سورة القصص (28) : آية 7]
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فإن خفّفت الهمزة ألقيت حركتها على النون وحذفتها لقربها من الساكن، وأن النون كانت قبلها ساكنة.
[سورة القصص (28) : آية 8]
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8)
نصب «ليكون» بلام كي، وربما أشكل هذا على من يجهل اللغة ويكون ضعيفا في العربية فقال: ليست بلام كي ولقبها بما لا يعرف الحذّاق من النحويين أصله، وهذا كثير في كلام العرب، يقال: جمع فلان المال ليهلكه، وجمعه لحتفه، وجمعه ليعاقب عليه، لمّا كان جمعه إيّاه قد أدّاه إلى ذلك كان بمنزلة من جمعه له كما قال:
[المتقارب] 325-
فللموت ما تلد الوالدة[2]
وقرأ الكوفيون إلّا عاصما لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً[3]فهذا الاسم للغمّ، والحزن مصدر حزن.
[سورة القصص (28) : آية 9]
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ قال الكسائي: المعنى هذا قرّة عين لي ولك. قال أبو جعفر: وفي رفعه وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق: يكون رفعا بالابتداء
[1]انظر تيسير الداني 138، والبحر المحيط 7/ 100.
[2]مرّ الشاهد (136) .
[3]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 492، والبحر المحيط 7/ 101.
والخبر لا تَقْتُلُوهُ وإنما بعد لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرّة عين له، وجوازه أن يكون المعنى إذا كان قرّة عين لي ولك فلا تقتلوه، ويجوز النصب بمعنى: لا تقتلوا قرّة عين لي ولك. وقالت: لا تقتلوه ولم تقل: نقتله، وهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبّارون وكما يخبرون عن أنفسهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يكون لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون لقوم فرعون أي لا يشعرون أنه يسلبهم ملكهم.
[سورة القصص (28) : آية 10]
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً قد ذكرناه، وعن فضالة بن عبيد وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً[1]إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ من بدا يبدو إذا ظهر، وعن ابن مسعود قال:
كانت تقول: أنا أمّة. قال الفراء[2]: أي إن كادت لتبدي باسمه لضيق صدرها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها «أن» في موضع رفع وحذف الجواب لأنه قد تقدّم ما يدلّ عليه ولا سيما وبعده لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
[سورة القصص (28) : آية 12]
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12)
الْمَراضِعَ جمع مرضع على جمع التكسير، ومن قال: مراضيع فهو جمع مرضاع ومفعال تكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المذكّر والمؤنث لأنه ليس بجار على الفعل ولكن من قال: مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة، كما يقال: مطرابة. قال الفراء: تدخل الهاء فيما كان مدحا يراد به الداهية وفيما كان ذما يراد به البهيمة. وهذا القول خطأ عند البصريين، ولو كان كما قال لكانت الهاء للتأنيث. مِنْ قَبْلُ غاية ومعنى غاية أنه صار غاية الاسم لما حذف منه. قال محمد بن يزيد: فأعطي الضمّة لأنها غاية الحركات، وقال غيره: أعطي الضمّة لأنها لا تلحقه في حال السلامة. قال أبو إسحاق: التقدير من قبل أن نردّه إليها فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ «يكفلونه» ليس بجواب، ولكن يكون مقطوعا من الأول، أو في موضع نعت لأهل.
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ليس «له» متعلقا بناصحين فلو كان ذلك لكان تفريقا بين الصلة والموصول. وقد ذكرناه في «سورة الأعراف»[3].
[سورة القصص (28) : آية 14]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)
[1]انظر معاني الفراء 2/ 303، والمحتسب 2/ 147، والبحر المحيط 7/ 102.
[2]معاني الفراء 2/ 303.
[3]انظر إعراب الآية 21- الأعراف.